< قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ حسن الرميتي

بحث الفقه

32/11/19

بسم الله الرحمن الرحیم

 الفقه \ كتاب الطهارة \ طهارة الماء القليل المتمم كرا \الأدلة \
 الدليل الأول :
 من جملة الأدلة التي استدل بها على طهارة الماء القليل المتنجس المتمم كرا ولعل هذا الدليل هو العمدة عندهم ما ذكره ابن إدريس رحمه الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا.
 هذا أحسن دليل عندهم في هذه المسألة. طبعا هنا لم يحمل خبثا نكرة واقعة في سياق النفي فهي تدل على العموم.
 يقول ابن إدريس أن هذه الرواية من الروايات التي عمل بها المؤالف والمخالف
 لكن جاء المحقق رحمه الله من بعده ليعترض عليه ورد هذا الدليل بقوله
 فقال: ( والجواب: دفع الخبر فإن لم نرويه مسندا لم يروه أحد مسندا والذي رواه مسندا السيد المرتضى، والشيخ أبو جعفر الطوسي عليهما الرحمة، وآحاد ممن جاء بعده، والخبر المرسل لا يعمل به يقول المحقق وكتب الحديث عن الأئمة عليهم السلام خالية منه أصلا.
 وأما المخالفون فلم أعرف به عاملا سوى ما يحكى عن ابن حي وهو زيدي منقطع المذهب، وما رأيت أعحب ممن يدعي إجماع المخالف والمؤالف في ما لا يوجد إلا نادرا) [1] .
 أقول: لا بد للإنسان أن يقف عند هذه القضايا، فقد يقال المشهور كذا. ولعلك تجد هذا المشهور لا أصل له. قد يقولون فلان قال كذا وفلان و... فإذا بحثت لم تجد شيئا في المقام.
 وعليه أين المؤالف والمخالف الذين عملوا بهذا الخبر، خبر مرسل ولم يعمل به إلا قلة من عندنا ومن عندهم.
 صاحب الجواهر تكلم بكلام غريب
 قال : (فيقوى كلام ابن إدريس ، وذلك لأن الرواية وإن كانت مرسلة إلا أنها قد رواها من لا يطعن في روايته - إلى أن قال - مع أن ابن إدريس لا ينبغي الطعن في نقله وعدم الوجدان لا يقضي بعدم الوجود . وأيضا فقد نقل هو إجماع أصحابنا إلا ممن عرف نسبه على طهارة القليل بإتمامه كرا فيكون جابرا للرواية أيضا . ولا ريب في أن ذلك كله يسوغ العمل بمثل هذه الرواية ، مع أنه لا معارض لها حقيقة إلا الاستصحاب ومثله لا يعارض مثلها ) [2] .
 أقول:
 أولا: قول صاحب الجواهر رواها من لا يطعن في روايته. أنا وجدته أي صاحب الجواهر يرد روايات من لا يطعن بروايته. رد روايات للشيخ الصدوق والشيخ الطوسي. إذا لا يلزم من كون الشخص ، ممن لا يطعن بروايته، أن لا نرد له رواية، فهذه ليس قاعدة في هذا المجال.
 ثانيا: عمل المشهور: لا أريد هنا النقاش في الكبرى بل في الصغرى ، حينما يقول مشهور المتقدمين عمل بهذه الرواية، أين هو هذا المشهور الذي عمل بهذه الرواية؟ فهل الواحد أو الاثنين أو الثلاثة يشكل مشهورا بحيث إن عملهم يجعل من هذه الرواية رواية معمول بها من قبل المشهور؟ طبعا المقصود من المتقدمين من هم قبل الشيخ الطوسي! ثم مع التسليم أن جماعة من المتقدمين أفتوا بهذه الفتوة وهي: أن الماء القليل المتنجس إذا تمم كرا يطهر. فمن قال أنهم استندوا في ذلك إلى هذه الرواية، فلعل دليلهم شيء آخر، ولكي نقول أن المشهور عمل بهذه الرواية لا بد لنا من إحراز أن عملهم بمضمون الرواية مستند إليها وليس إلى دليل آخر، ومن أين لنا أن نحرز هذا الأمر؟
 هذا الإشكال ثابت في هذا المقام. وعليه في هذه الصورة لم يبقى إلا ما ذكره ابن إدريس وهو الإجماع. فقد يقال أن الإجماع جابر.
 ثالثا : أما الإجماع فلم يذهب الكثير من العلماء إلى هذا القول، قليل هو من أفتى بالطهارة، والمشهور على النجاسة.
 أما من حيث الدلالة
 فإن عبارة " إن بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا "، يُحتمل فيها أحد معنيين:
 الأول : إما أن تقول أن المراد أنه: إذا كان الماء قليلا ونجسا فتمم كرا ترتفع النجاسة بإتمامه كرا، أي أنه ناظر إلى حالة النجاسة ، فيكون المراد هنا بقوله لم يحمل خبثا هو ارتفاع النجاسة.
 الثاني : أن يكون المراد هنا دفع النجاسة لا رفعها، إذا بلغ كرا يعني إذا صار الماء كرا لا ينفعل بالنجاسة، أي صار معتصما، فيكون الكلام هنا نظير صحيحة ابن مسلم المتقدمة: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء.
 وقد قلنا هناك في هذه الرواية الصحيحة أن المراد هو أنه إذا كان الماء كرا لا ينفعل، أي يكون معتصما، أي دافعا للنجاسة.
 فبناء على الاحتمال الأول يكون الماء القليل رافعا للنجاسة ببلوغه كرا، لكنه في هذه الحالة خلاف الظاهر ويحتاج إلى تقدير.
 لذا المعنى الثاني أظهر أي أن معنى الدفع أظهر من الرفع.
 ولو سلمنا التساوي يكون المعنى مجملا، فلا ندري أهي ظاهرة بالمعنى الأولى أم بالمعنى الثاني، فيكون مجملا من هذه الجهة!
 فالخلاصة إلى هنا أن هذا الدليل هو العمدة عندهم، ومع ذلك لم يكتب لهذا الدليل التوفيق.
 الدليل الثاني :
 استدل ابن إدريس بالعمومات الدالة على طهارة الماء وجواز استعماله كقوله تعالى{ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } [3] ، وقوله تعالى: { وإن كنتم جنبا فاطهروا } [4] ، ثم قال أيضا: وبقوله صلى الله عليه وآله إلى أبي ذر: ( إذا وجدت الماء فامسسه جلدك ) [5] هذه الرواية أتى بها ابن إدريس رضوان الله تعالى عليه، مع قطع النظر عن أنها ضعيفة وليست موجودة عندنا.
 نقول لابن إدريس: الكلام ليس في الكبرى وإنما في الصغرى فإذا ثبتت طهارته يجوز استعماله.
 لكن إذا شككت في طهارته فكيف تتمسك بالعمومات والاطلاقات؟ ألا يكون من باب التمسك بالعام بالشبهة المصداقية، وعليه فحينئذ يكون استدلالك بهذه الآيات والحديث النبوي في غير محله.
 الأدلة على النجاسة
 الدليل الأول: إطلاقات أدلة انفعال الماء القليل بالنجس والمتنجس كهذه الصورة، فعندنا عدة روايات تدل على أن الماء القليل ينفعل سواء أخذنا الدلالة من منطوق الرواية أو من مفهومها، - فمثلا مفهوم أن الماء إذا كان كرا لا ينجسه شيء هو أنه إذا لم يكن كرا ينجسه شيء -، إذا نستدل على نجاسة هذا الماء القليل المتمم كرا بإطلاقات الأدلة التي دلت على انفعال الماء القليل بالنجاسة، وهذا هو أحسن دليل عندهم.
 ويرد عليه

 أن هذا الدليل الذي هو أحسن شيء عندهم نحن لم نر فيه شيء من الحسن فضلا عن أن يكون أحسن شيء، لماذا؟ لأن هذا الدليل متوقف على أن يكون المولى في مقام البيان من هذه الجهة، حتى نتمسك بالإطلاق الأحوالي، أما إذا لم يكن المولى في مقام البيان من هذه الجهة بل كان في مقام بيان الحكم الانحلالي إلى أفراده، أي أن الماء القليل ينفعل بكل نجس ومتنجس مثلا، أم في حال كونه ماء غسالة أو أنه متمم كرا فهو ليس في مقام البيان من هذه الجهة، ولذا نحن سابقا أنكرنا نجاسة الماء القليل حال كونه غسالة، قلنا أنه ليس عندنا إطلاق أحوالي يشمله، عندنا عموم استغراقي للأفراد صحيح، أما الإطلاق الأحوالي فهو غير موجود، فهو ليس في مقام البيان من هذه الجهة , وبعبارة أخرى هناك قصور في المقتضي أو في شمول هذه الروايات لهذه الحالة.
 نحن لم نستحسن هذا الدليل لكن استحسنه بعض الفقهاء، والمفارقة أن هذا البعض الذي تسمك بالإطلاق الأحوالي هنا أنكر كالسيد الخوئي رحمه الله أن يكون لها إطلاق أحوالي في حال كون الماء غسالة. نقول سيدنا ما الفرق إذا لم تقبل أن يكون لها إطلاق أحوالي في الغسالة فلماذا قبلت أن يكون لها إطلاق أحوالي هنا؟ فهذا من المفارقات.
 الدليل الثاني: استدلوا أيضا بدليل آخر غير أدلة انفعال الماء القليل بالنجاسة وهو الاستصحاب.
 فقالوا : عندنا يقين بأن هذا الماء القليل نجس، ثم شككنا بعد أن تغير موضوعه وتمم كرا ببقاء النجاسة، - فنأتي إلى صحيحة زرارة : لا تنقض اليقين بالشك. عندنا يقين بالنجاسة وشك بارتفاعها فنستصحب النجاسة.
 للإنصاف هذا الكلام يتم عند من يقول بأن الاستصحاب يجري في الأحكام الكلية وهو رأي مشهور الفقهاء -، ففي هذه الحالة هو كلام لا غبار عليه وعلى الفقيه أن يفتي بالنجاسة.
 لكن بناء على المبنى الصحيح عندنا لا يمكن إجراء الاستصحاب هنا لأن الاستصحاب لا يجري في الأحكام الكلية، وذلك لأنه معارض باستصحاب عدم الجعل، وهنا يوجد كلام في المقام.
 حيث يوجد عندنا شيئان متمَم بالفتح وهو الماء القليل المتنجس -، ومتمِم بالكسر وهو الماء الذي أضفناه إلى ذلك الماء المتنجس. والمتمِم تارة يكون طاهرا وأخرى يكون نجسا فإذا كان نجسا فلا نقاش في جريان الاستصحاب لأنه حينئذ لا يكون معارضا بشيء بناء على جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية.
 أما إذا كان المتمِم طاهرا، ففي هذه الصورة ما هو حكم هذا الماء القليل الذي تمم به ذلك الماء المتنجس؟ فهل هذا الماء يصبح متنجسا كونه قليلا لاقى نجسا، أو أنه لا ينفعل بعد كونه صار مع المتمَم كرا؟ هنا نشك في بقاء الطهارة فيه لأن الماء القليل ينفعل بالنجاسة، فقالوا نستصحب الطهارة، فاستصحاب للطهارة هنا واستصحاب للنجاسة هنا يتعارضان، يتساقطان. إذا استصحاب طهارة المتمِم معارض باستصحاب نجاسة المتمَم لذا يتساقط الاستصحابان حتى ولو قلنا بجريان الاستصحاب في الحكم الكلي - ونرجع إلى حينئذ إلى أصالة الطهارة.
 أما إذا قلنا هذا الماء القليل المتمِم الطاهر انفعل بالملاقاة لأنه يصدق عليه ماء قليل لاقى نجسا -، فهل يجري استصحاب النجاسة في هذه الصورة أو لا؟ قلنا أنه بناء على جريان الاستصحاب في الحكم الكلي نحكم بالنجاسة.
 أما إذا لم نذهب إلى ذلك كما هو الصحيح عندنا فهل هناك دليل يدل على النجاسة بعد تساقط الاستصحابان؟ وهل يوجد فرق بين كون المتمِم طاهرا وكونه نجسا؟ عندهم لا يوجد فرق.
 بالمناسبة هناك بحث هنا لا نحتاج للدخول فيه وهو ملاقاة الماء القليل الطاهر للنجس، لأنه عندنا لا ينفعل الماء القليل بملاقاة المتنجس بل ينفعل بملاقاة النجاسة فقط.
 الطالب: حتى ولو امتزج.
 الشيخ: حتى ولو امتزج. الماء القليل الطاهر لا ينفعل بملاقاة المتنجس. لكن أفرض أنه انفعل كما هو مبنى الجماعة، فهل نستصحب نجاسة هذا الماء القليل أو لا؟ هذا ما سنبينه غدا كما سنتحدث حول: ما لو تمم بالنجس أو بعين النجاسة.
 
 
 


[1] الحدائق الناضرة ج 1 ص 347
[2] جواهر الكلام ج 1 ص 152
[3] - سورة الأنفال آية 11
[4] - سورة المائدة آية 6
[5] سنن البهيقي

BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo