< قائمة الدروس

الأستاذ السيد منير الخباز

بحث الفقه

37/04/21

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع: الخلل الواقع في الصلاة

الأمر الثاني: من الامور التي تعرض لها سيدنا: أنّ حديث «لا تعاد» لا يشمل الجاهل المتردد ولا العالم العامد لانصرافه عنهما، وقد ذكرنا في الدرس السابق منشأ هذا الانصراف وبالتالي فما هو وجه الجمع بين صحيح لا تعاد، وبين الادلة الاولية الدالة على الاعادة عند الاخلال بجزء أو شرط، كما في قوله: «من رأى في ثوبه دما فصلى فيه اعاد صلاته»، أو قوله: «ان الصلاة في وبر كل شيء حرام اكله فاسدة»، أو قوله: «من زاد في صلاته فعليه الاعادة»، ونحو ذلك.
فقد يقال: ان النسبة بين حديث «لا تعاد» وهذه الادلة احد نحوين: اما نسبة التخصيص أو نسبة الحكومة، فلابد من ملاحظة كلتا النسبتين:
النسبة الاولى: إذا لاحظنا مجموع الادلة المتعرضة للحكم بالإعادة عند الاخلال بالجزء أو بالشرط فهذه الأدلة بمثابة الدليل العام، وعندما نلاحظ حديث «لا تعاد» الوارد فيمن اخل بالجزء أو الشرط لكن لم يكن عالما عامدا ولا جاهلا مترددا، كان حديث «لا تعاد» اخص من مجموع الأدلة الدالة على الاعادة عند الاخلال. ومقتضى ذلك: هو التخصيص ما دامت النسبة بينهما نسبة الخاص للعام.
وقد اشكل سيدنا «قده» على ذلك: بأنه لو قدّمنا حديث «لا تعاد» على الادلة الاولية الدالة على الاعادة بالتخصيص لم يبق تحت تلك الادلة سوى العالم العامد والجاهل المتردد، وهذا حمل على الفرد النادر وهو مستهجن، فدعوى التخصيص دعوى غير عرفية.
ولكن يجاب عن ذلك: أنّ الندرة في رتبة لاحقة للأدلة لا في رتبة سابقة، بمعنى ان ندرة العمد إنما هي بعد وجود الادلة، أي لما قامت الادلة على ان من اخل اعاد اصبح العمد نادرا واصبح الجهل بنحو التردد نادرا. فبمان ان الندرة في طول الأدلة إذن لا مانع من حمل الأدلة عليها، أي أنّه في زمان صدوره هذه الادلة لم يكن معناها امرا نادرا وانما بعد صدورها ووصولها للمكلفين اصبح الاخلال العمدي أو الاخلال عن جهل بسيط من دون تعلم امرا نادرا، فبما ان الندرة في طول الادلة لا في عرضها فلا مانع من حمل الادلة عليها ولا يلزمن من ذلك الاستهجان العرفي.
ولكن المشكلة في التخصيص ليس ما ذكره سيدنا «قده»، وانما المشكلة في التخصيص هي: ان التخصيص مبني على رؤية جميع الادلة بمثابة دليل واحد، بأن نقول «من زاد في صلاته في صلاته فعليه الاعادة» و«من رأى في ثوبه دما فصلى فيه فعليه الاعادة» و«الصلاة في وبر كل شيء حرام اكله فاسدة» وامثال ذلك. جميع الادلة التي دلت على الاعادة عند الاخلال بجزء أو شرط، دليل واحد، نسبة «لا تعاد» له نسبة الخاص الى العام فتقدم عليه بالتخصيص، فهذا مبني على النظر لمجموع الأدلة دليلا واحدا وهو أمر يحتاج الى مؤونة عرفية. فإن العرف إذا نظر لهذه الادلة ورأى اختلافها موضوعا وان اتحدت محمولا وهو الحكم بالإعادة في الصلاة، إلا انه مع اختلافها موضوعاً فإن اعتبارها بمثابة دليل واحد يقدم عليه حديث «لا تعاد» بالتخصيص مما يحتاج الى المؤونة والتأمل العرفي وهو مما لم نجد له شاهداً.
اذن نذهب الى النحو الثاني، وهو ان نقول: نلحظ كل دليل على حده مع دليل لا تعاد، فإذا لاحظنا كل دليل على حدة مع دليل لا تعاد، كانت النسبة عموما من وجه، فإن قوله: «إن الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فاسدة» يشمل العامد ويشمل الجاهل البسيط ويشمل الجاهل القاصر. فهو من هذه الجهة اعم من حديث «لا تعاد». وحديث «لا تعاد» وان اختص بالجاهل القاصر والناسي مثلا فهو اعم من دليل من صلى في وبر الحرام اكله فالصلاة فاسدة. اعم منه لانه يشمل الاجزاء الاخرى والشرائط الاخرى. لأن مفاده هو: لا تنقض السنة الفريضة، والسنة هي قد تكون عدم الصلاة فيما لا يؤكل وقد تكون غيره.
فإذن هذه الفقرة من حديث «لا تعاد» اعم من تلك الرواية من وجه. وتلك الرواية اعم من حديث «لا تعاد» من وجه، فالنسبة بينهما عموم من وجه. ولكن حديث «لا تعاد» حاكم على هذه الادلة، فهو ليس مقدما عليه بالتخصيص لان النسبة عموم من وجه وانما يقدم عليها من باب الحكومة.
إلّا أنّ سيد المستمسك «ج1، ص529» وكذلك السيد الإمام في «كتاب الخلل، ص48» منعا من الحكومة، وقالا: ان ما يتصور الحكومة عرفا مع اختلاف اللسان لا مع وحدة اللسان فإن هذا يقتضي التباين بين الحاكم والمحكوم، فلو قال «إذا صليت فاقرأ فاتحة الكتاب» وقال في دليل آخر: «لا تنقض السنة الفريضة»، ربما يقال بأن الثاني حاكم على الأول، لعدم تعارض اللسانين، أما إذا قال: «من زاد في صلاته فعليه الاعادة»، ثم قال: «لا تعاد» الصلاة الا من خمسة. فإن النسبة بين تعاد ولا تعاد التباين. ومع التباين اللسان فإن الحكومة غير عرفية، لأن الحاكم ناظر للمحكوم متصرف في موضوعه أو محموله بالتوسعة أو التضييق وهذا يقتضي تلائم اللسانين لا تصادمهما.
ولكن الصحيح في دفع هذا الاشكال:
أولاً: ما ذكرنا سابقا: ان الملاك في الحكومة النظر _أي ان الدليل الحاكم ناظر للمحكوم عرفا_ والنظر قد يكون لخصوصية لسانية وقد يكون لخصوصية سياقية.
اما النظر لخصوصية لسانية: مثلا: أن يقول: «لا صلاة إلا بطهور» ثم يقول: «الطواف بالبيت صلاة». فلأجل الخصوصية اللسانية اعتبر الثاني حاكم على الاول. هذا في حالة التوسعة.
او مثال في التضييق: بأن يقول: «من شك بين الثلاث والاربع بنى على الاربع» ثم يقول فدليل آخر: «لا شك لكثير الشك». فإنه لاجل الخصوصية اللسانية وهو كون الثاني متصرفا في موضوع الاول بالتوسعة أو بالتضييق صار الثاني ناظرا للأول حاكما عليه.
وإما ان تكون الخصوصية خصوصية سياقية كما في حكومة لا ضرر على الادلة الأولية، فإن الادلة الاولية، عندما يقول: «إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم» فإنه ناظر الى وجوب الوضوء عند الصلاة. فإذا جئنا لحديث لا ضرر ولا ضرار، فإن سياقه سياق تضييق ما دلت عليه الأحكام الاولية وبيان أن شرطية الوضوء لا تشمل حال كون الوضوء ضررياً، فبما ان سياقه سياق التضييق والتقييد كان ناظرا للادلة الاولوية. ولذلك لولا وجود الادلة الاولية لكان وجود لا ضرر لغوا، بينما لولا وجود لا ضرر لم يكن وجود الادلة الاولية لغوا، فالادلة الاولية في مقام بيان الجزئية والشرطية والمانعية وجد لا ضرر أم لا يوجد، وجدت لا تعاد أو لم توجد، بينما حديث لا ضرر لا معنى له لولا وجود احكام في رتبة سابقة يكون في مقام تضييقها وتقييدها.
كذلك الامر في المقام، أي لولا وجود الادلة والشرائط الآمرة بالاعادة عند الاخلال بها لكان وجود حديث لا تعاد لغواً، فإن معنى حديث «لا تعاد» ان هناك اجزاء وشرائط وموانع فإذا اخل بها المكلف عن عذر لم يكن اخلاله مبطلا إذا كان ما اخل به من السنن. فبما ان حديث «لا تعاد» سياقه سياق التضييق فهو في طول الادلة الاولية عرفا ومقتضى هذه الطولية ان يكون ناظراً لها، ومقتضى نظره له ان يكون حاكما عليها.
فلا يرفع الحكومة مجرد المصادمة اللسانية بين لا تعاد وبين لا اعاد.
وثانياً: لو اغمضنا النظر عما ذكرناه سابقا فإن فقرة الحكومة في الذيل لا في الصدر، فلنفترض اننا لو جمدنا على عبارة الصدر لكان هناك تناف بين قوله «اعاد» وبين قوله «لا تعاد»، ولكن إذا نظرنا الى الذيل الذي هو الكبرى حيث إن الكبرى مذكورة في الذيل لا في الصدر، إذا نظرنا الى الكبرى وهو قوله: «لا تنقض السنة الفريضة»، فإن لسانه مع لسان الادلة الاولية لسان المسالمة لا لسان المصادمة لا يوجد مصادمة بين قوله «إذا صليت فاقرأ فاتحة الكتاب» وبين قوله «لا تنقض السنة الفريضة» أو قوله «لا صلاة الا بفاتحة الكتاب أو قوله «لا تنقض السنة الفريضة» أو قوله «من زاد في صلاته فعليه الاعادة» أو قوله «لا تنقض السنة الفريضة». إذن بالنتيجة: بما ان الكبرى مذكورة في الذيل ولسان الذيل لسان الملائمة لا لسان المصادمة لذلك كان حديث «لا تعاد» حاكما على جميع الأدلة الأولية سواء كانت هذه الأدلة بصيغة الامر «اقرأ فاتحة الكتاب»، أو كانت هذه الادلة بصيغة الشرط «لا صلاة الا بفاتحة الكتاب»، أو كانت هذه الأدلة بصيغة الاعادة «من زاد في صلاته فعليه الاعادة».
اذن: تم الكلام في الامر الثاني وهو عدم شمول حديث «لا تعاد» للجاهل البسيط وللعامل العامد.
الأمر الثالث: هل يشمل حديث «لا تعاد» الجاهل المقصر المعتقد بصحة عمله. أي انه حين تمييزه وبلوغه كان ملتفتا الى انه كان هناك احكام وشرائط وموانع في الصلاة ولكنه قصر في التعلم. فقصر في التعلم فنتج عن تقصيره في التعلم غفلة بالكلية حين العمل، فأتى بالصلاة متعقدا صحة عمله وان كان مقصّراً في تعلمه، فهل يشمله مثل حديث «لا تعاد» أم لا؟
ذهب الى الشمول السيد الصدر وشيخنا الأستاذ «قدس سرهما» وهو: ان حديث «لا تعاد» لا يقصر عن شمول الجاهل قاصراً أو مقصّراً _يشمله ما دام معتقدا بصحة عمله_، اما لظهور الصدر في ذلك أو لظهور الذيل في ذلك، اما لان الصدر وهو قوله: لاتعاد الصلاة الا من خمسة. ظاهر في من لم يلتفت للخل الا بعد وقوعه، فكان مقتضى التفاته للخلل بعد وقوع ان يخاطب باعد الصلاة، فيأتي حديث «لا تعاد» فينفي هذا الخطاب ويقول: «لا تعاد الا من خمسة»، فنفس لسان «لا تعاد» ناظر لمن التلفت للخلل بعد وقوعه وهذا مطلق يشمل من كان جاهلا معتقدا بصحة علمه، فإنه لا يلتفت للخل إلا بعد التعلم ووقوع الخلل منه حال جهله.
وأما لشمول الذيل له وهو قوله: «لا تنقض السنة الفريضة»، فإن ظاهر الذيل ان الاخلال بما هي سنة لا يبطل الفريضة، أي ان مقتضى اصالة الاحترازية في العناوين: ان لعنوان السنة موضوعية في هذا الحكم، فكأنه قال: ما اخل به ان كان من السنة فلأنّه سنة لا يضر الاخلال به ومن الواضح ان هذا المفاد مطلق يشمل الجاهل المقصر المعتقد بصحة عمله. إذن بناء على اطلاق الصدر والذيل نقول: من قصر وصلى معتقدا بصحة عمله كانت صلاته صحيحة.
ولكن اورد على هذا المدعى بثلاثة اشكالات:
الاشكال الاول: قام الإجماع على أن الجاهل المقصر كالعامد من حيث استحقاق العقوبة، فبما ان الجاهل المقصر كالعامد من حيث استحقاق العقوبة فكيف يتصور شمول الحديث له، إذا علمه صحيح فكيف يستحق العقوبة؟ فإذا قلتم بأن عمل الجاهل المقصر صحيح فكيف يجتمع مع استحقاقه للعقوبة على فرض تقصيره؟.
واجيب عن ذلك في كلمات شيخنا الأستاذ «قده» بأنه لا ربط بين أثرين: ففي الفقه تفكيك بين الأثرين يعني استحقاق العقوبة من جهة وترتب أثر ترخيصي من جهة أخرى. مثلاً: من وطأ امرأة شبهة، لاعتقاده بزوجيتها له وان كان مقصّراً في مبادئ هذا الاعتقاد، فإنه وان كان مقصرا في مقدمات هذا الاعتقاد إلا أنه إذا وطئها معتقدا زوجيتها له كان الولد ولداً شرعياً له. فهو وإن كان معاقبا من جهة الا انه يترتب الاثر الوضعي له وهو كون الولد ولدا له.
وكذلك من عقد على المعتدة، وذات البعل، معتقدا انه خلية من العدة والبعولة. فإنها لا تحرم عليه مؤبداً وإن كان مقصرا في مقدمات اعتقاده، ما دام قد عقد عليها جاهلا بالموضوع وان كان جهله عن تقصير فانها لا تحرم عليه مؤبدا مع انه مستحق للعقوبة.
وايضا في محظورات الاحرام: من ارتكب محظورا من محظورات الاحرام لجهله لكونه محظورا وان كان جهله عن تقصير فإنه يستحق العقوبة من جهة لكن لا تثبت عليه الكفارة، لصحيحة عبد الصمد ابن بشير: «أي رجل ركب امرا بجهالة فلا شيء عليه» وموردها الجاهل المقصر. حيث إن موردها من قصّر في التعلم وجاء الحج وارتكب المحظور.
ومن هذه الموارد: من اتم في موضع القصر جاهلا بوجوب القصر على المسافر وكان جهله عن تقصير فإن صلاته صحيحة وإن كان مستحقاً للعقوبة.
ومنها: من جهر في موضع الاخفاء أو اخفت في موضع الجهر، جهلا تقصيريا فإنه يستحق العقوبة لكن صلاته صحيحة.
ومنها: من وصلت اليه اموال عن طريق المعاملة الربوية جاهلا بحرمة الربا جهلاً تقصيرياً ثم تاب، فإن الاموال تحل له وان كان معاقبا على تقصيره في التعلم.
إذن لا مانع من الجمع بين الامرين بأن نقول: من اخل بجزء أو شرط أو مانع من السنن عن تقصير عوقب على تقصير لكن صلاته صحيحة بمقتضى اطلاق الصدر أو اطلاق الذيل أو كليهما.
الإشكال الثاني: ما ذكره سيدنا الخوئي «قده» «ص208، ج12»: وأما الجاهل المقصر غير المتردد، _يعني المعتقد صحة عمله_ فالحديث فيه حد نفسه غير قاصر للشمول له، يعني هو مسلم بإطلاق الصدر بحيث يشمل الجاهل المقصّر. لكن يمنع من ذلك ما ورد في غير واحد من الاخبار فيمن اخل بجزء أو شرط أو مانع. وذكرنا هذه الاخبار، فإن لازم شمول حديث «لا تعاد» للجاهل المقصر حمل هذه الاخبار «الامرة بالإعادة» على العامل العامد أو الجاهل المتردد، وهو حمل على الفرد النادر، فيلزم من الشمول المزبور حمل هذه الاخبار على كثرتها على الفرد النادر وهو قبيح مستهجن ففرارا عن هذا المحذور يمنع عن شمول الحديث للجاهل المقصر.
وذكرنا سابقا ان لازم ذلك: هو التعارض لا ادخال احد الفردين تحت الدليل الآخر، فإن شمول هذا الدليل على هذا الفرد يقتضي حمل الدليل الآخر على الفرد النادر فلازم ذلك التعارض بينهما في هذا الفرد، هذا يقتضي شموله وهذا يقتضي شموله، لا ترجيح لاحدهما على الاخر في الشمول، فإن هذا جمع تبرعي، بأن نخرج هذا الفرد وهو الجاهل المقصر عن حديث «لا تعاد» وندخله تحت الأدلة الآمرة بالإعادة فقط لأجل ان لا تبقى على فرد نادر.
الاشكال الثالث: إن قلت: مقتضى شمول حديث «لا تعاد» للنسيان والجهل قصورا وتقصيرا عدم وجوب التعلم. _على كل حال صلاته صحيحة في القاصر والمقصر _ مقتضى هذا: عدم وجوب كل جزء يخل المكلف به نسياناً أو جهلاً قصورا أو تقصيراً.
وبعبارة أخرى: لا يجب إيجاد شرط الوجوب وإنما يجب إيجاد شرط الواجب، فإذا اخذ في الوجوب العلم، يعني إنما يجب عليك الفاتحة إذا كنت عالما بالحكم، وإلا إذا كنت جاهلاً جهلا قصوريا أو تقصيرياً، أساساً جزئية الفاتحة لا تشملك بمقتضى حديث لا تعاد. فإذا كان حديث «لا تعاد» حاكما على الادلة الاولية مضيقاً لجزئيتها وشرطيتها بحيث لا تشمل فرض الجهل، اذن معناه ان العلم مأخوذ في الموضوع، يعني إن علمت كانت جزءا في حقك وإلا فلا، فالعلم اصبح شرطاً للوجوب لا للواجب ولا يجب ايجاد شرط الوجوب، إذن لا يجب عليه التعلم واذا لم يجب عليه التعلم وعمله صحيح فلا نحرز استحقاقه للعقوبة. فمن اين نحرز انه فوت ملاكا مولويا يستحق عليه العقوبة.
قلت: يمكن تخريج المطلب ثبوتاً بما ذكره جمع من الاعلام منهم السيد الصدر في بحث اجزاء التمام في موضع القصر: هو ان يقال بتعدد الامر في حق الجاهل، فهناك امران:
امر بالصلاة التامة في حقه، وامر بالجامع بين الصلاة التامة والصلاة الناقصة حال الجهل.
فان اتى بالصلاة التامة امتثل كلا الامرين ولم يكن مستحقا للعقوبة، وان اتى بالصلاة الناقصة عن جهل امتثل الامر بالجامع، ومقتضى امتثاله للامر بالجامع أن صلاته صحيحة لانها امتثال لامر شرعي والصحة هي عبارة عن مطابقة المأتي به للمأمور به، فصلاته صحيحة لمطابقتها امرا شرعيا، لكن الامر بالصلاة التامة سقط عنه لانه مشروط بقاء لا حدوثا، لانه مشروط بقاء بعدم امتثال الامر بالجامع، فمن امتثل عنه الامر بالجامع سقط عنه الامر بالصلاة التامة. لماذا لا نقول مشروط حدوثا بعدم امتثال الأمر بالجامع؟
لو كان الامر الصلاة التامة مشروطا حدوثا بعدم امتثال الامر بالجامع، لجاء الإشكال: بأنه لا يجب عليه تعلمه إذن، لأنه اساسا لا يحدث في حقه، إذا امتثل الامر بالجامع. انا الذي فعلم الله سوف آتي بالصلاة الناقصة معناه أن الأمر بالصلاة التامة لم يصبح فعليا في حقي ولو آنا من الآنات، فإذا لم يصبح فعليا في حقي، واستحق العقوبة على مخالفته، فلابد أن نقول انه مشروط بقاءً لا حدوثاً.
إذن هناك امران: أمر بالصلاة التامة. أمر بالجامع فإن اتى بالصلاة التامة فقد امتثل كلا الامرين وان اتى بالصلاة الناقصة فقد امتثل الامر بالجامع فصحت صلاته لكنه يستحق العقوبة على تركه امتثال الامر بالصلاة التامة، ويجب عليه التعلم ما دام الامر بالصلاة التامة فعليا في حقه. ولو اغمضنا النظر عن هذا التخريج فنقول: ادلة التعلم تشمل الجاهل البسيط، والمفروض ان هذا قبل ان يعتقد بصحة عمله كان ملتفتا لان محل كلامنا في الجاهل المقصر والجال المقصر، والجاهل المقصر هو من التفت يوما الى الاحكام الشرعية لكنه قصر في تعلمها حتى اصابته الغفلة التامة فاعتقد في صحته. فبما انه كان ملتفتا ولو آنا شملته أدلة وجوب التعلم.
هذا تمام الكلام في شمول حديث «لا تعاد» للجاهل القاصر والمقصر، وإنما التزم السيد الأستاذ «دام ظله» بعدم شمول حديث «لا تعاد» للجاهل المقصر، لأنه يرى ان سياق حديث «لا تعاد» سياق المعذرّية. فبما ان سياقه سياق المعذرية والعقلاء لا يرون المقصر معذوراً كان من هذه الجهة منصرفا عن الجاهل المقصر.

BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo