< قائمة الدروس

بحث الفقه - الاستاذ حسن الجواهري

العقود

31/11/16

بسم الله الرحمن الرحیم

العنوان: عقود الاذعان

انتهينا من عقود الصيانة وقلنا:

ان عقد الصيانة:

اذا كان عقداً مستقلاً فيشمله «اوفوا بالعقود» واذا كان عقد التعهد بالصيانة بأشكاله الثلاثة فأيضاً يشمله «اوفوا بالعقود» واذا كانت الصيانة شرطاً في ضمن عقد فالشرط يجب الوفاء به استناداً الى «المؤمنون عند شروطهم»

ولكن هذا بأجمعه يختص بصورة ما اذا كانت الصيانة محدده بوقت اولاً، والآلآت المصانة محددة ثانياً، والثمن محدد ثالثاً، فيختص بهذه الحالة، فهنا اما أن لاتكون جهالة عند الفنيين أو اذا كانت جهالة فهي يسيرة، بل نترقى ونقول حتى اذا كانت الجهالة كبيرة فان هذه الجهالة الكبيرة لاتفسد هذا العقد العرفي الداخل تحت «اوفوا بالعقود» لأن بعض العقود توجد فيها جهالة في العمل مع أنها صحيحة وذلك كالجعالة على عمل شيئ فالعمل لتحصيل الضالة غير محدد من حيث المدة مع ان العقد صحيح، وكذا في عقد التأمين الذي ذهبنا الى صحته وذهب جمع كثير من علمائنا الى صحتة توجد جهالة في مقدار التعويض ومع ذلك قالوا بالصحة فلتكن في عقد الصيانة جهالة كبيرة في العمل لكنه عقد عرفي فهو ليس اجارة ولا مقاولة ولابيع حتى يكون شرطه معلومية العوضان، بل هذا عقد جديد تعارف عليه الناس وليس فيه نهي فليكن مثل الجعالة والتأمين.

والآن ننتقل الى بحث جديد وهو «عقود الاذعان» وقبل ذلك نمهد للبحث فنقول:

أولاً: ان طبيعة الحياة المعاصرة جعلت هناك شخصيات اعتبارية كالشركات التي تقوم بالعقود مع انه لا يوجد مالك حقيقي لهذه الشركة نعم قد تكون هناك شخصيات حقيقية الاّ ان الحياة المعاصرة أوجدت الشخصيات الاعتبارية كشركة النفط ومركز البريد ومركز الاتصالات والبنك المركزي فكل هذه الشخصيات اعتبارية حقوقية هذه تكون طرفاً في المعاملات مع الناس كشركة الكهرباء والماء والغاز فهي طرفاً للمعاقدات مع الناس، والمعاقدات في هذا الزمان ليست فردية وان وجدت معاملات فردية فهي قليلة تنعقد على شيئ بسيط ليس ذي بال ولكن المعاقدات الموجودة هي بين الشركات العملاقة الكبيرة وأفراد الناس (أي أحد اطراف المعاملة قوي جداً والآخر ضعيف جداً) هذا اولاً.

وثانياً: الأرباح الكثيرة ادّت بالمؤسسات الى كثير من الكفائة فتوجد كفاءات عالية في المؤسسات وهي تقلل تكاليف الانتاج، فوجدت الشركات العملاقة ووجد المزيد من الكفاءات فيها تريد تقليل نفقات الانتاج نتج من هذين الأمرين مايسمى بـ (العقود النمطية) وهذه العقود النمطية او النمط العقدي هو علاقة تعاقدية يعدّها احد طرفي العقد بصورة منفردة ويعرضه على الطرف الآخر الذي ليس له الاّ الموافقة عليه كما هو او رفضه، فواحد من طرفي العقد يعدّ العقد بصورة منفردة وهذه الشروط التي يعدها احد الطرفين بصورة منفردة ليؤمن مصالحه والطرف الآخر اما ان يقبل او يرفض وليس له ان يغير من شروط العقد وليس له المساومة والمجذابة سواء كان في الثمن أو في حكم من الاحكام وهذه العقود تقع على وحدات نمطية تعد بمأت الالاف أو بالملايين بحيث تكون تكلفة الوحدة قليلة فمثلا شركة الكهرباء عقودها تقع على وحدات تصرفها من الكهرباء بالالاف أو الملايين فهو عقد نمطي ومثل هذا يقال له عقود الاذعان.

والعقود النمطية على قسمين:

قسم منها فيها اذعان وقسم ليس فيها هذا التعسف وليس فيها اذعان،

ولكن بعضها فيها اذعان واذلال للمشترك ولذا سميت بعقود الاذعان .

طبعاً التسمية الحقيقية لهذه العقود (بالفرنسية) ليس عقود اذعان بل عقود انظمام ولكن القانونيين ومنهم السنهوري (أو هو نفسه) آثر أن يُسمي هذه العقود بعقود الاذعان لا عقود الانظمام، فعقود الاذعان هي قسم من العقود النمطية التي أوجبتها طبيعة الحياة المعاصرة والكفاءات في الشركات الاعتبارية والضغط على قلّة نفقات الانتاج والسرعة في ايجاد العقد، ولايوجد غيرهم يبيع هذه السلعة فلذا سمي بعقد الاذعان، نعم اذا كان هناك شركات اخرى متعددة فالعقود النمطية لاتكون عقود اذعان لأن المشتري بالخيار في اختياره للشرط المناسب له بشرط عدم اتفاق وتواطئ بين الشركات المتعددة على شروط معينة ومشابهة والاّ فهو عقد اذعان .

بعض الفوائد: والآن نذكر بعض الفوائد التي تعود الى طرفي العلاقة في العقود النمطية فمنها:

اولاً: اختصار الوقت، وتقليل الاجراءات الادارية باعتبار ان الصيغة جاهزة وقد حصلت الموافقة عليها من قبل القوي وهو الشركة، والمساومة والمجذابة في العقد ممنوعة، فجعلت الشروط، ومعه فلا نحتاج الى وقت للمساومة والمجاذبة مع كل فرد فرد فيختصر الوقت ويكون الوقت له احترام، وهذا يسمى عصر السرعة وهو اختصار الوقت في التعاقد، والتعامل يكون نمطياً لا فردياً .

ثانياً: التنميط في العقود يؤدي الى جعل العلاقة بين المؤسسة والعملاء او الموظفين بصورة جماعية وعلى نسق واحد بدلاً من العلاقات المختلفة فالمشتركون كلهم بصورة واحدة وجميع الزبائن يتعامل معهم بصفة واحده وعلى نسق واحد، وهذا هو الموجود في الفقه فان المعاملات لابد أن تكون بصفة واحدة لجميع الناس والاً فهو مكروه، وفائدة العقود النمطية هو تساوي المتعاملين مع الطرف القوي، وحينئذ ففي العقود النمطية تتفادى التفرقة بحسب القوّة التفاوضيّة.

ثالثاً: العقود النمطية تؤدي الى وضوح الصياغة المكتوبة في العقد ودقة العبارة ووضوح الفهم مما يؤدي الى تسريع عمل المحاكم، لأن الدعوى والادعاء والحكم كل منهم معروف وهذا الأمر يؤدي الى تسهيل وتسريع فض النزاعات.

قلنا ان من العقود النمطية عقد الاذعان، وعقد الاذعان على قسمين:

الاول: تارة العقد موجود مع الثمن ومع الاحكام المترتبة عليه، فتكون انت مشتركاً بمجرد الموافقة، وان لم ترضا بالشروط فلا تقبل بالعقد ولا تمضي الشروط .

الثاني: وتارة هناك عقد اذعان لايُتاح للمتعامل ان يطّلع على صيغة وشروط ونص العقد ويجب عليه ان يوافق على العقد وما جاء فيه قبل اطلاعه على النص، مثلاً : كأن يقال للشخص اعطيك احد دكاكين هذا السوق وأستلم منك الآن عشرون مليون، وذلك دون علم المشتري بالمكان والثمن والمساحة فهذا عقد نمطي اذعاني، ولايوجد محل آخر في غير هذا السوق.

ونقول ليس كل العقود النمطية هي عقود اذعان، لأن العقود النمطية فيها فائدة للطرفين، ويعرف عقد الاذعان من غيرة بملاحظة الشروط:

اولاً: ان كانت الشروط في العقد النمطي ترجح مصلحة الطرف الواضع للعقد وتحمي حقوق معد العقد وتلزم الطرف الآخر بالتزامات لايقبلها الطرف الآخر لو كان حراً في التعامل ولايوجد طرف آخر للتعامل، فهو عقد اذعان، كما لوحكمت هيئة الشركة بعدم اللجوء الى القضاء في صورة النزاع وقبول ماتفرضه الهيئة التابعة للشركة ومع الرجوع للمحاكم الحكومية يحرم من جميع المزايا الحاصلة من الشركة، فهذا شرط اذعان واذلال.

ثانياً: ان يشترط في البنك عند افتتاح الحساب انه في صورة حدوث نزاع بين البنك وبين الزبون فان دفاتر البنك هي التي تكون البينة والدليل على مقدار الموجود في الحساب، فالحكم في المسألة الخلافية هو ما يوجد في سجلات البنك، وهذا شرط تعسفي .

ثالثاً: قد يشترط سقوط حق المطالبة في اتفاقيات فتح الحسابات المصرفيّة بعد فترة وجيزة من حدوث الخطأ (مثلا خمسة عشر يوماً)، بأن يكون الخطأ ملزماً لو لم يعترض صاحب الحساب خلال الفترة المعينة، وهو يعني الاعتراف بصحة ذلك الكشف والاقرار بما فيه بعد المدة المقررة حتى لو تبين خطئه، وهذا شرط تعسفي واضح وهو عقد اذعان .

رابعاً: ان مجرد صدور وارسال الفواتير والاعلانات (الاشعارات) يعني ابلاغ الزبائن بالمقرارت الجديدة ولابد من اجرائها عليهم، مثل تغير الرسوم أو تغير الخدمات أو تعديلات في اجور الخدمات، واذا لم تلتزم بالقرار الجديد فحينئذ تحسب عليك غرامات وهذا من عقود الاذعان .

خامساً: الطرف القوي يشترط في ضمن العقد ان تكون له الحرية في نقض بعض القرارات دون موافقة الطرف الآخر وليس للعميل الحق في ذلك، فالحق للطرف القوي فقط في نقض وابقاء بعض الشروط ونقضها، كنقض بطاقات الائتمان متى شاء القوي، وهذا من الشروط التي تجعل العقد النمطي عقد اذعان .

BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo