47/08/04
بسم الله الرحمن الرحیم
الأجرة علی تعليم القرآن/التکسّب بالواجبات /المکاسب المحرّمة
الموضوع: المکاسب المحرّمة/التکسّب بالواجبات /الأجرة علی تعليم القرآن
الأجرة على تعليم القرآن
النقاش الجاري في الفقه يتعلّق بتعليم القرآن، أي هل يجوز أخذ الأجرة في مقابل تعليم القرآن أم لا؟ و في هذا الشأن توجد أقوال متعدّدة بين الفقهاء؛ فبعضهم يرى حرمة أخذ الأجرة، و بعضهم يحكم بالكراهة، مع اختلافهم في مقدار هذه الكراهة. و في المقابل، يذهب فريق آخر إلى الجواز المطلق و لا يرى فيه كراهةً أصلًا. كما فرّق بعضهم بين ما إذا شُرِط الدفع مسبقاً و ما إذا دُفِع المال من دون شرط، فعدّوا الاشتراط حراماً أو مكروهاً.
دراسة الرواية الأولى و الأصل الأصولي في الأوامر و النواهي
الْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ[1] عَنِ النَّضْر[2] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ سُلَيْمَان[3] عَنْ جَرَّاحٍ الْمَدَائِنِيِّ[4] عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) قَالَ: الْمُعَلِّمُ لَا يُعَلِّمُ بِالْأَجْرِ وَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ إذا أُهْدِيَ إِلَيْهِ».[5]
سندُ الرواية صحيح.
هناك سؤال مع فرض صحة السند من أنّه هل المقصود من «المعلّم» هو خصوص معلّم القرآن، أم كلُّ معلمٍ يقوم بواجبٍ كفائي؟
و في تحليل هذه الرواية، لا بدّ من الالتفات إلى مبنیً أصولي؛ بينما أنّ كثيراً من العلماء یعتقدون بأنّ الأمر يدلّ على الوجوب، و أنّ النهي يدلّ على الحرمة، فإنّه بناءً على مصادرنا الحديثيّة نری ظهور الأوامر في الاستحباب و ظهور النواهي في الكراهة، ما لم توجد قرينة قطعية على الوجوب أو الحرمة. و مع التأمل في آيات القرآن، يُرى أنّ معظم الأوامر (تسعین بالمأة أو خمسة و تسعين بالمئة) تدلّ على الاستحباب، و هذه النسبة تجري كذلك في النواهي بالنسبة إلى الكراهة. و لذلك، كان استعمال صيغة الأمر في الندب (الاستحباب) شائعاً جدّاً في عرف الأئمة (عليهم السلام) وفقاً لما قال صاحب المعالم. و بناءً على ذلك، يُحمل النهي الوارد في الرواية الأولى («لا يعلم بالأجر») على الكراهة لا على الحرمة.
«فائده مهمّة إنّ استعمال صيغة الأمر في الندب كان شايعاً في عرف الأئمة عليهمالسلام بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها من اللفظ لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجّح الخارجي ، فيشكل التعلّق في إثبات وجوب أمر بمجرّد ورود الأمر به منهم عليهمالسلام».[6]
الرواية الثانية: سيرةُ أمير المؤمنين (عليه السلام) و مفهوم «الحظّ في القيامة»
«[7] مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ[8] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنَبِّهِ[9] عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ[10] عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ[11] عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ[12] عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ (علیه السلام) أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ فَقَالَ لَهُ وَ لَكِنِّي أُبْغِضُكَ لِلَّهِ قَالَ وَ لِمَ قَالَ لِأَنَّكَ… تَأخذ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَجْراً وَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله) يَقُولُ مَنْ أخذ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَجْراً كَانَ حَظَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».[13]
الرواية الثانية و هي ضعيفة السند، و في تحليل هذه الرواية، ذكر العلماء أنّ عبارة «كان حظّه يوم القيامة» لا تدلّ على عقاب، بل على أنّ من أخذ أجره في الدنيا لا يُكتب له ثوابٌ في الآخرة، أو يكون ثوابه قليلاً. و مع ضعف السند، لا تصلح الرواية دليلاً على الحرمة، و لكن يمكن عدّها مؤيّداً للكراهة، و أنّ أخذ المال مقابل تعليم القرآن أمر غير مُستحسن.
و قد ذكر «صاحب الحدائق» في ذيل هذه الرواية أنّه لو كان هذا الفعل محرّماً، لكان المعصومُ يؤكّد على استحقاق العقوبة، لا على عدم إيصال الثواب، حیث قال: «إنّه لو كان الأجر محرّماً لم يقتصر على كونه حظّه يوم القيامة، الذي هو عبارة عن عدم إيصال الثواب اليه، بل يكون مستحقّاً للعقاب لارتكابه فعلاً محرّماً».[14]
الروایة الثالثة و الرابعة: الفرق بین تعليم القرآن و قرائته
«عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا[15] عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ[16] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ[17] عَنِ الْفَضْلِ بْنِ كَثِيرٍ[18] عَنْ حَسَّانَ الْمُعَلِّمِ[19] قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنِ التَّعْلِيمِ فَقَالَ: لَا تَأخذ عَلَى التَّعْلِيمِ أَجْراً».[20]
الرواية ضعيفة السند.
لقد نهى الإمام الصادق (عليه السلام) صراحةً عن أخذ أجر مقابل التعليم.
«[21] مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى[22] عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ[23] عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ[24] عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِسْكِينٍ[25] عَنْ قُتَيْبَةَ الْأَعْشَى[26] قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام): إِنِّي أُقْرِئُ الْقُرْآنَ فَتُهْدَى إِلَيَّ الْهَدِيَّةُ فَأَقْبَلُهَا قَالَ: لَا. قُلْتُ: إِنْ لَمْ أُشَارِطْهُ قَالَ: أَ رَأَيْتَ لَوْ لَمْ تُقْرِئْهُ كَانَ يُهْدِي لَكَ. قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَلَا تَقْبَلْهُ».[27]
في رواية منسوبة إلى «قُتيبة الأعشى»، ورد أنه سأل الإمام (عليه السلام) عن تلاوة القرآن في المجالس، مثل سورة الفاتحة. وسأل عما إذا كان يجوز له قبول مبلغ من المال يُقدَّم له كهدية، دون شروط. فأجاب الإمام (عليه السلام): "لا؛ لأنهم لو لم يكونوا يرغبون في القرآن، لما قدموا لك هذه الهدية، فتقبلها من أجل القرآن. هذه الرواية ضعيفة السند و موضوعها هو تلاوة القرآن و هو ما يختلف عن الموضوع الأصلي، و هو تعليم القرآن.
الرواية الخامسة و الرأي النهائي للمصادر
عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُنْدَارَ[28] عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ[29] عَنْ شَرِيفِ بْنِ سَابِقٍ[30] عَنِ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي قُرَّةَ[31] قَالَ: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام): هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ إِنَّ كَسْبَ الْمُعَلِّمِ سُحْتٌ. فَقَالَ: كَذَبُوا أَعْدَاءُ اللَّهِ إِنَّمَا أَرَادُوا أَنْ لَا يُعَلِّمُوا الْقُرْآنَ وَ لَوْ أَنَّ الْمُعَلِّمَ أَعْطَاهُ رَجُلٌ دِيَةَ وَلَدِهِ لَكَانَ لِلْمُعَلِّمِ مُبَاحاً».[32]
في مقابل الروايات السابقة، نُقلت رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) رُدَّ فيها على رأي الذين يعدّون كسبَ المعلّم «سُحتاً» (حراماً). فقد قال الإمام (عليه السلام): كذب أعداءُ الله؛ إنهم يريدون بهذا الكلام أن يقتلعوا تعليم القرآن من المجتمع. و بناءً على هذه الرواية، فإنّ المبالغ التي تُعطى لمعلّم القرآن مباحة.
و في الخلاصة النهائية، ذهب الإمام الخميني (رحمه الله) استناداً إلى المصادر إلى القول بالجواز، بل لا يقبل الکراهة أیضاً، و يرى أنّ أخذ المال من أجل نشر القرآن و تعليمه لا إشكال فيه. و مع ذلك و بالنظر إلى مجموع الروايات، يبدو أنّه و إن كان إثبات الحرمة أمراً مشكلاً، فإنّ القول بالكراهة، و لا سيما إذا اشترطت الأجرة على التعليم، هو الأوفق بالروايات. و یمکن أن يشمل هذا الحكم بالكراهة أيضاً قراءة القرآن في المجالس.