48/04/28
بسم الله الرحمن الرحیم
الواجب النفسي و الغیري (ترشّحيّة الوجوب الغيري و مسألة المصلحة)/الأوامر (مقدّمةالواجب)/مباحث الألفاظ
الموضوع: مباحث الألفاظ/الأوامر (مقدّمةالواجب)/ الواجب النفسي و الغیري (ترشّحيّة الوجوب الغيري و مسألة المصلحة)
خلاصة الجلسة السابقة: ذكرنا في الجلسة السابقة، في بحث الواجب النفسي و الغيري، أنّ الملاك هو وجوب الشيء لواجب آخر، لا غرض العمل و مصلحته؛ و بناءً على ذلك، تكون الصلاة واجباً نفسياً، و الوضوء واجباً غيرياً. و العمل الذي يكون مقدوراً بواسطة يُعدّ مقدوراً؛ لكنّ تحقّق آثار الصلاة، مثل «معراج المؤمن»، ليس بالضرورة تحت اختيار المكلّف. فالصلاة مُعِدّة و مقتضية لتحقّق بعض الآثار، و ليست علّةً تامّةً لها؛ و لذلك، قد تحول الموانع دون تحقّق تلك الآثار. و يثبت الوجوب للواجب النفسي لحسنه الذاتي، و للواجب الغيري لكونه مقدّمةً لواجب آخر؛ و قد يكون الواجب الغيري حسناً بالذات، و قد لا يكون كذلك. و يتعلّق التكليف بالعمل المقدور، لا بالآثار التي لا يكون تحقّقها تحت اختيار المكلّف. و أوضح مصاديق الواجب النفسي معرفة الله تعالى؛ لأنّ المعرفة مطلوبة بذاتها، لا بوصفها مقدّمةً لواجب آخر.
مراجعة تعريف الواجب النفسي و الواجب الغيري
كان النقاش في الواجب النفسي و الواجب الغيري. و قد تقدّم أنّ الواجب النفسي هو: «مَا وَجَبَ لِنَفْسِهِ وَ يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ»؛ أي ما وجب لأجل نفسه، و يترتّب العقاب على تركه. و الصلاة من هذا القبيل؛ لأنّها وجبت لأجل نفسها، و يترتّب العقاب على تركها. أمّا الوضوء، فهو «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ»؛ لأنّه وجب لأجل الصلاة، و «لَا يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ»، أي لا يترتّب العقاب على تركه.
و بناءً على ذلك، إذا لم يتوضّأ شخص و لم يؤدِّ الصلاة أيضاً، فإنّ العقاب يترتّب على ترك الصلاة؛ إذ يُسأل عن سبب عدم أدائه الصلاة، لا عن سبب عدم وضوئه.
التعریف السادس
«إِنَّ الْوُجُوبَ النَّفْسِيَّ مَا كَانَ وُجُوبُهُ غَيْرَ مُتَرَشِّحٍ مِنْ وُجُوبٍ آخَرَ، بِخِلَافِ الْوُجُوبِ الْغَيْرِيِّ، فَإِنَّهُ هُوَ الْوُجُوبُ الَّذِي يَتَرَشَّحُ مِنْ وُجُوبٍ آخَرَ.»[1]
أضاف بعضهم قيداً آخر إلى التعريف. و بناءً على هذا الرأي، يكون وجوب الواجب الغيري «ترشّحياً»، في حين أنّ وجوب الواجب النفسي ليس ترشّحياً. و المقصود بكونه ترشّحياً أن يكون الوجوب ناشئاً من ناحية أمر آخر؛ كما أنّ الوضوء و الغسل قد وجبا لأجل الصلاة، و يُسمّى هذا النوع من الوجوب وجوباً ترشّحياً. و بعبارة أخرى، يترشّح الوجوب من واجب آخر و يعرض على هذا الواجب الغيري؛ و من ثمّ، فإنّ وجوب الواجب الغيري وجوب ترشّحي.
و قد نُقل هذا المطلب عن الميرزا النائيني و بعض الآخرين. و هنا يطرح هذا السؤال: هل هذا الكلام صحيح أم لا؟
الإشكال: المقدّمات السابقة لوجوب ذي المقدّمة
يمكن في هذا المقام أن نذكر الحجّ مثالاً. لنفترض أنّ للحجّ مقدّماتٍ كثيرةً؛ إذ يجب التسجيل و دفع مبلغ من المال قبل عدّة سنوات، و بعد عشر سنوات يُعلَن أنّ الدور قد حان، و عندئذٍ يجب التسجيل من جديد في إحدى الحملات و دفع مبالغ أخرى. فالحجّ له مقدّمات عديدة لا بدّ من تحصيلها حتى يتمكّن الإنسان من التشرّف بالحجّ.
يمكن عدّ هذه المقدّمات من قبيل «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ وَ لَا يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ»؛ و لكن هل يمكن عدّها واجباً «ترشّحياً»؟ إنّ كون الوجوب ترشّحياً يقتضي أن يصبح ذلك الواجب واجباً أولاً، ثم يترشّح منه الوجوب إلى المقدّمة؛ و ما لم يصبح ذلك الواجب واجباً، فلا معنى للترشّح. فقد يتمكّن الإنسان من الذهاب إلى الحجّ بعد عشر سنوات؛ فهل يكون تحصيل المقدّمات قبل وجوب الحجّ ترشّحياً؟
يمكن القول إنّ هذه المقدّمات من قبيل «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ»؛ أي إنّ من يقصد الحجّ لا بدّ له من اجتياز هذه المقدّمات. و لكن أُشكل في كونها ترشّحيةً. و وجه الإشكال أنّ الحجّ لم يجب علينا بعدُ. فإلى عشر سنوات قادمة، لا يُعلم هل سيبقى الإنسان حيّاً أم لا، و هل ستتوفّر المقدّمات أم لا، و هل ستكون العلاقات بين الجمهورية الإسلامية و إيران و السعودية جيّدة أم لا؛ فهناك مئات المقدّمات اللازمة حتى يتمكّن الإنسان من التشرّف بالحجّ. و هذه مقدّمات لا بدّ من القيام بها قبل وجوب ذي المقدّمة، و من دونها لا يمكن الذهاب إلى الحجّ.
فهل هذه المقدّمات ترشّحية؟ قالوا: كلا؛ فالمقدّمات التي يلزم القيام بها قبل الواجب بوقت طويل ليست ترشّحيةً؛ لأنّ معنى الترشّح هو أن يصبح ذو المقدّمة واجباً أولاً، ثم تصبح المقدّمة واجبةً؛ في حين أنّه لم يتّضح بعدُ ما الذي سيؤول إليه أمر ذي المقدّمة، و متى ستتوفّر المقدّمة و ذو المقدّمة؛ فهذا أمر يتعلّق بالمستقبل.
إنّ عبارة «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ» صحيحة في هذه المقدّمات؛ لأنّ القيام بهذه الأمور لازم لأجل الحجّ، و من يريد أداء الحجّ لا بدّ له من القيام بها. و لكن هل فيها ترشّح أم لا؟ قالوا: لا ترشّح فيها؛ لأنّ الحجّ نفسه لم يصبح بعدُ واجباً ثابتاً علينا، و لعلّه بعد عشر سنوات أو اثنتي عشرة سنةً، بل قد يتّضح بعد سبع عشرة سنة، هل سيتحقّق التوفيق لأداء الحجّ أم لا.
توضيح معنى الترشّح بمثال الصلاة
ينبغي الآن التأمّل في أنّ هذا التعبير، أي «الترشّحي»، هل هو صحيح أم لا؟ لقد استعمل المرحوم الميرزا النائيني هذا المصطلح. و السؤال هو: هل جميع مقدّمات الواجب ترشّحية، أم يمكن أن تكون بعض المقدّمات غير ترشّحية؟
إنّ كون الوجوب ترشّحياً يعني أن يصبح ذلك الواجب واجباً أولاً، ثم يترشّح منه الوجوب إلى المقدّمة؛ كما أنّه بدخول وقت الصلاة تجب الصلاة، و يضطرّ الإنسان إلى الوضوء؛ فهذا ترشّحي. أمّا إذا لم يصبح الشيء نفسه واجباً فعلياً بعدُ، فكيف يكون التسجيل و توفير مقدّماته قبل سبعة عشر عاماً ترشّحياً؟ قالوا إنّ عنوان الترشّح لا يصدق على هذه المقدّمات؛ و لكن يمكن القول إنّها من قبيل «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ»؛ فقد وجبت لأجل الحجّ، لكنّ عنوان الترشّح لا يصدق هنا.
يقول القائلون بالترشّح إنّ الترشّح موجود في مثال الصلاة؛ أي إنّ الصلاة تجب أولاً، ثم يجب الوضوء. و لكن في مسألة الحجّ ينبغي أن نسأل: هل وجب الحجّ أولاً، ثم وجبت هذه المقدّمات؟ في الوقت الحاضر، يقوم كثير ممّن لم تتحقّق لهم الاستطاعة بتوفير مقدّمات الحجّ، و يقولون: إن شاء الله، لعلّ الله يرزقنا المال خلال خمس عشرة سنةً أو سبع عشرة سنةً؛ لأنّ تكاليف الحجّ باهظة، في حين أنّ التسجيل لا يكلّف كثيراً، فيسجّلون أسماءهم ليروا ما الذي يقدّره الله، فلعلّ المال يتوفّر لهم بعد خمس عشرة سنةً، و يذهبون إلى الحجّ إن كانوا على قيد الحياة.
فهل يصدق هنا عنوان الترشّح أم لا؟ لقد طُرح هذا الإشكال، و قالوا إنّ تعبير «الترشّحي» الذي استعمله الميرزا النائيني في تعريف الواجب الغيري ليس تعريفاً جامعاً و كاملاً، و لا يمكن اعتباره قيداً في جميع الموارد؛ لأنّ عنوان الترشّح لا يصدق على بعض المقدّمات البعيدة التي تفصل بينها و بين الواجب مدّة طويلة.
مثال الوضوء قبل دخول وقت الصلاة
إذا أراد شخص أن يتوضّأ لصلاة الظهر في الساعة الحادية عشرة و النصف، فهل يكون الوضوء واجباً أيضاً في هذه الحالة؟ و هل يشمله هذا البحث؟ في هذا الفرض، لا يكون الوضوء واجباً، بل يكون مستحبّاً؛ و هو استحباب يكفي فيه قصد الصلاة، لكنّه لا يبلغ حدّ الوجوب.
و لو افترضنا الوجوب، فهل يكون وجوب الوضوء ترشّحياً؟ نعم؛ فبدخول وقت الصلاة تجب الصلاة، و يكون وجوب الوضوء ترشّحياً. أمّا في الساعة الحادية عشرة، فلم يجب الوضوء بعدُ حتى يُعدّ واجباً غيرياً؛ بل هو مستحبّ، و ذلك استحباب نفسي، أي أن يكون الإنسان على وضوء و أن يبقى متطهّراً.
و على أيّ حال، فهذا هو رأي المرحوم النائيني، و قد أورد بعضهم إشكالاً مفاده أنّه لا يمكن القول بصدق عنوان الترشّح في جميع الموارد.
تعريف آخر
«إِنَّ الْوَاجِبَ النَّفْسِيَّ عِبَارَةٌ عَمَّا هُوَ مَطْلُوبٌ لِذَاتِهِ بِمَا لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَالْوَاجِبُ الْغَيْرِيُّ عِبَارَةٌ عَمَّا هُوَ مَطْلُوبٌ لَا لِنَفْسِهِ.»[2]
و ثمّة نقطة أخرى، و هي أنّنا نقول إنّ الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد. فجميع الأحكام يُعمل بها ابتغاء مرضاة الله تعالى و تحصيل رضاه. و هذا الأمر يجعل الواجب غيرياً؛ أي إنّ الصلاة تُؤدّى ابتغاء مرضاة الله، و الصوم يُؤتى به ابتغاء مرضاة الله، و جميع الواجبات تُؤدّى ابتغاء مرضاة الله، كما أنّ المحرّمات تُترك ابتغاء مرضاة الله؛ فكلّ ذلك لرضا الله، و المصلحة هي رضا الله. و المصالح و المفاسد التي يُتحدّث عنها هي رضا الربّ تعالى.
أمّا البحث عن المصلحة في كلّ شيء و السعي إلى إدراك تلك المصالح، كأن يُسأل عن مصلحة الصلاة، و مصلحة الصوم، و مصلحة ذلك الواجب، فهو أمر آخر. و ما له الأهميّة هو رضا الربّ؛ إذ يحصل الإنسان على رضا الربّ من خلال هذا العمل، و لكن قد لا يدرك المصلحة الأخرى و لا يكون على علم بها. فقد تكون هناك مصالح لا يستطيع الإنسان إدراكها؛ فمثلاً، ما المصلحة في مسح الرأس، أي تمرير جزء من الإصبع على الرأس، أو تمرير الإصبع على القدم؟ فقد لا يفهم الإنسان ذلك. و بالطبع، قد تكون المصلحة أحياناً في «الْمَجْعُولِ»، و أحياناً في «الْجَعْلِ». فالمصلحة في المجعول، مثلاً، أن يُقال: أدّوا الخمس و الزكاة لكي تستقيم معيشة الفقراء؛ فالمصلحة هنا في المجعول. أمّا أحياناً فتكون المصلحة في الجعل؛ فمثلاً، إذا أراد شخص أن يجعل طفلاً مطيعاً، قال له: انهض و قم بهذا العمل؛ فهو لا ينظر إلى العمل نفسه، بل يريد أن يربّي الطفل، و يجعله ينهض من مكانه و يتعلّم القيام بعمل ما؛ فالمصلحة هنا في الجعل.
[توضيح: المراد من «المصلحة في المجعول» أنّ المصلحة تكمن في متعلّق الحكم نفسه، والمراد من «المصلحة في الجعل» أنّ المصلحة تكمن في نفس التشريع و الأمر، و إن لم تكن لمتعلّقه فائدة مستقلّة.]
ولا ينبغي في جميع الموارد، البحث عن مصالح الأشياء و مفاسدها، و التساؤل عن المصلحة التي يحقّقها هذا العمل للمجتمع أو للفرد؛ إذ ليس من الضروري البحث عن المصالح و المفاسد في الأحكام الشرعية.