« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

48/04/22

بسم الله الرحمن الرحیم

تعریف الواجب النفسي و الغیري/الأوامر (مقدّمة الواجب) /مباحث الألفاظ

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/الأوامر (مقدّمة الواجب) /تعریف الواجب النفسي و الغیري

 

خلاصة الجلسة الماضية:

ذكرنا في الجلسة الماضية، في بحث شرط الوجوب و شرط الواجب، أنّ قيد الواجب كالوضوء، يجب تحصيله، بخلاف قيد الوجوب كالبلوغ و القدرة، فإنّه لا يجب تحصيله. فإذا شككنا في أنّ قيداً ما هل هو قيد للوجوب أم قيد للواجب، فهناك ثلاثة أقوال: قيد الواجب، و قيد الوجوب، و التفصيل بين القيد المتّصل و المنفصل؛ فعلى القول الثالث، إذا كان القيد متّصلاً، صار الكلام مجملاً، و إذا كان منفصلاً، كان قيداً للواجب.

و الدليل على كون القيد المنفصل قيداً للواجب هو أنّه إذا أرجعنا القيد إلى كليهما، أي الوجوب و الواجب، لزم تقييدان، و لكن إذا أرجعناه إلى الواجب فقط، كفى تقييد واحد. و بما أنّ التقييد خلاف الأصل، و الأصل هو أصالة الإطلاق، فإنّ التقييد الواحد يكون مقدّماً.

و أمّا إذا اعتبرنا القيد قيداً للوجوب، فإنّ مقتضى البراءة عن الوجوب هو عدم وجوب تحصيله، كالاستطاعة، إذ لا يجب السعي لتحصيلها.

و بناءً على ذلك، تظهر ثمرة النزاع في وجوب التحصيل؛ فإذا كان القيد شرطاً للوجوب، لم يجب تحصيله، و إذا كان شرطاً للواجب، وجب تحصيله كإذن الولي في صلاة الميّت و النصاب في صلاة الجمعة.

المبحث الثالث: في تقسيم الواجب إلى النفسي و الغيري

بمناسبة بحث «مقدّمة الواجب»، يُطرح بحث «الواجب النفسي» و«الواجب الغيري». فمقدّمة الواجب واجب غيري، و الصلاة واجب نفسي، أمّا الوضوء فهو واجب غيري.

قال الشيخ محمد تقي الأصفهاني (رحمة الله عليه): «أنّ الواجب باعتبار تعلّق الخطاب به وعدمه ينقسم إلى أصلي وتبعي ، وباعتبار كونه مرادا في نفسه وعدمه إلى نفسي وغيري».[1]

تعريف الواجب النفسي و الغيري

وردت تعبيرات مختلفة في تعريف الواجب النفسي و الواجب الغيري. فإذا سُئل: ما الواجب النفسي، و ما الواجب الغيري؟ فينبغي القول إنّ هناك عدّة تعبيرات:

أ. أحد هذه التعبيرات هو: «مَا وَجَبَ لِنَفْسِهِ»، أي إنّ الواجب النفسي هو ما وجب لأجل نفسه؛ فالصلاة وجبت لأجل نفسها. و في المقابل: «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ»، فالوضوء وجب لأجل الصلاة. فما وجب لأجل نفسه هو الواجب النفسي، و ما وجب لأجل غيره، كالوضوء و الغسل و التيمّم للصلاة، فهو «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ» و الواجب الغيري. يقول الشيخ محمد تقي الأصفهاني (رحمة الله عليه): «والواجب النفسي: ما يكون مطلوبا لنفسه، والغيري: ما يكون مطلوبا لأجل غيره أي: لحصول الغير والإتيان به».[2]

بـ. و هناك تعريف أُضيف إليه قيد، و هو: «مَا وَجَبَ لِنَفْسِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ»، أي إنّ تاركه يُعاقَب. و في المقابل، الواجب الغيري هو: «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ»، أي إنّ تاركه لا يُعاقَب.

وجه ذکر قید «يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ»

يُذكر هذا القيد لأنّ هناك مصالح ملحوظة في جميع الواجبات؛ فمثلاً، ورد بشأن الصلاة: «الصَّلَاةُ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ»[3] ، «الصَّلَاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ»[4] ، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾[5] فللصلاة أهداف. فإذا حلّلنا هذه الأهداف تحليلاً جيداً، فهل تكون الصلاة «مَا وَجَبَ لِنَفْسِهِ» أم «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ»؟ فإذا كانت لأجل المعراج، كما ورد في «الصَّلَاةُ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ»، أصبحت «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ».

دراسة الإشكال و زیادة قيد «يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ»

أ) تقرير الإشكال

الإشكال المطروح هنا هو أنّ هناك أهدافاً و مصالح في جميع الواجبات، و قد وجب الواجب للوصول إلى تلك المصالح؛ فالصلاة وجبت لأجل المعراج، و لأجل «تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»، و لأجل التقرّب إلى الله تعالى، و هي أمور ينبغي أن تتحقّق. فهل الصلاة «مَا وَجَبَ لِنَفْسِهِ» أم «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ»؟ فقد يعترض أحد بأنّ هذه الصلاة نفسها، التي تُعدّ واجباً نفسياً، قد وجبت أيضاً للوصول إلى تلك المصالح، أي المعراج و «قُرْبَانِ كُلِّ تَقِيٍّ» و أمثال ذلك.

ب) الجواب: إضافة القيد

بناءً على هذا الإشكال، زِدنا قيداً إلى التعريف، و هو: «وَيُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ». فترك الصلاة يوجب العقاب، بخلاف ترك الوضوء. فإذا لم يصلِّ أحد، يُقال له: لماذا لم تصلِّ؟ و لا يُقال له: لماذا لم تتوضّأ، و لماذا لم تغتسل، و لماذا لم تتيمّم؟ فهناك عقاب على ترك الصلاة، و لكن لا عقاب على ترك الوضوء و الغسل و التيمّم؛ لأنّها واجبات غيرية. فالواجب الغيري لا يُعاقَب على تركه، أمّا الواجب النفسي فيُعاقَب على تركه.

و بناءً على ذلك، فإنّ للواجب النفسي خصوصيتين:

«مَا وَجَبَ لِنَفْسِهِ»؛ أي إنّه وجب لأجل نفسه، لا لأجل شيء آخر، كالوضوء الذي وجب لأجل الصلاة.

«وَيُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ»؛ فإذا تُركت الصلاة، ترتّب العقاب على تركها، بخلاف ترك الوضوء و الغسل؛ فالعقاب يكون على ترك الصلاة.

و عليه، فإنّ أفضل تعريف للواجب النفسي و الواجب الغيري، في رأینا، هو:

    • الواجب النفسي: «مَا وَجَبَ لِنَفْسِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ».

    • الواجب الغيري: «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ».

ج) إشكال الشيخ الأنصاري (رحمة الله عليه)

بناءً على ذلك، إذا درسنا التعريفات الأخرى للعلماء، اتّضح ما إذا كانت هذه الإشكالات واردة عليها أم لا؛ ومن ذلك الإشكال الذي طرحه الشيخ الأنصاري (رحمة الله عليه) في «مطارح الأنظار»، حيث قال: :«يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ أَكْثَرُهَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ الْغَيْرِيَّةِ، إِذِ الْمَطْلُوبُ النَّفْسِيُّ قَلَّمَا يُوجَدُ فِي الْأَوَامِرِ، فَإِنَّ جُلَّهَا مَطْلُوبَاتٌ لِأَجْلِ الْغَايَاتِ الَّتِي هِيَ خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهَا، فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مُنْعَكِسٍ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ غَيْرَ مُطَّرِدٍ لِانْتِفَاءِ الْوَاسِطَةِ».[6]

أي إنّنا إذا أخذنا في التعريف «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ»، فإنّ الصلاة أيضاً تصبح واجباً غيرياً؛ لأنّها وجبت للتقرّب إلى الله و لتحقيق المعراج. و هذا هو الإشكال الذي طرحه الشيخ الأنصاري، و قد طرحه أيضاً جماعة أخرى من العلماء.

د) الجواب عن الإشكال

الجواب هو زیادة عبارة «وَيُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ» إلى التعريف؛ أي إنّ الواجب النفسي واجب لأجل نفسه، و يُعاقَب على تركه أيضاً. فإذا قيل إنّ الصلاة لأجل المعراج، قيل إنّ تركها يوجب العقاب، و هذا العنوان يشملها؛ فتكون واجباً نفسياً. أمّا في الواجبات الغيرية، فإنّه «لَا يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ»؛ إذ يُقال للإنسان: لماذا لم تصلِّ؟ و لكن لا يُقال له: لماذا لم تتوضّأ، و لماذا لم تغتسل، «وَأَمْثَالُ ذٰلِكَ».

وهذا أمر مبنائي. وعلى أيّ حال، فإنّ التعبير «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ» يتّسم بشيء من العمومية؛ أي إنّه يشمل ما وجب لأجل شيء آخر. فتارةً نريد الشيء نفسه، وتارةً لا نريده لذاته، بل نريده للوصول إلى شيء آخر؛ فمثلاً، الصلاة وسيلة للتقرّب إلى الله تعالى أو للوصول إلى المعراج. و هذا هو الإشكال الذي طرحه الشيخ الأنصاري.

وبرأینا، إذا زدنا قيد «وَيُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ»، اندفع هذا الإشكال؛ لأنّ العقاب يترتّب على تركه. فبالنسبة إلى الصلاة، وإن قيل إنّها لأجل المعراج، فإنّ تركها يوجب العقاب.

رأي الشهيد الصدر (رحمة الله عليه) ونقده

ذكر الشهيد الصدر (أعلى الله مقامه الشريف) مطلباً في كتابه «بحوث»، و هو كلام صحيح، حيث يقول: «لَيْسَتِ النَّفْسِيَّةُ وَالْغَيْرِيَّةُ فِي التَّعْرِيفِ بِلِحَاظِ عَالَمِ الْمِلَاكِ وَالْمَبَادِئِ، بَلْ بِلِحَاظِ عَالَمِ الْإِلْزَامِ وَتَحْمِيلِ الْمَسْئُولِيَّةِ مِنْ قِبَلِ الْمَوْلَىٰ عَلَى الْعَبْدِ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إِنَّ الْوَاجِبَ النَّفْسِيَّ مَا يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ بِمَا هُوَ هُوَ، وَالْوَاجِبَ الْغَيْرِيَّ مَا لَا يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ بِمَا هُوَ هُوَ، بَلْ بِمَا هُوَ يُؤَدِّي إِلَىٰ تَرْكِ شَيْءٍ آخَرَ، وَعَلَىٰ هٰذَا الْأَسَاسِ فَإِذَا جُعِلَتِ الْمَصْلَحَةُ بِنَفْسِهَا فِي عُهْدَةِ الْمُكَلَّفِ ابْتِدَاءً فَاشْتَغَلَتِ الذِّمَّةُ بِهَا كَانَتْ هِيَ الْوَاجِبَ النَّفْسِيَّ وَالْفِعْلُ الْمُحَصِّلُ لَهَا وَاجِبًا غَيْرِيًّا، لِأَنَّ اشْتِغَالَ الذِّمَّةِ وَاسْتِحْقَاقَ الْعُقُوبَةِ يَكُونَانِ بِلِحَاظِهَا، أَمَّا إِذَا جُعِلَ نَفْسُ الْعَمَلِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي الْعُهْدَةِ وَاشْتَغَلَتِ الذِّمَّةُ بِهِ كَانَ الْفِعْلُ وَاجِبًا نَفْسِيًّا، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعُقُوبَةِ يَكُونُ بِلِحَاظِهِ لَا بِلِحَاظِ الْمَصَالِحِ الَّتِي قَدْ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.»[7]

إنّ الملاك و المصالح و المفاسد ليست هي المعيار، بل المعيار هو «الإلزام الشرعي». فالإلزام الشرعي إنّما هو لأجل الصلاة نفسها، لا لأجل المعراج. و لعلّ أكثر صلواتنا لا يتحقّق فيها المعراج، و لا يتحقّق فيها أيضاً «تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»، و قد يتحقّق فيها «قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ» إلى حدٍّ ما، و قد لا يتحقّق. و لكنّ تلك المصالح و المفاسد لا تُدرك دائماً؛ لأنّنا لا نمتلك الكيفية المطلوبة، و تكون حواسّنا مشتّتة؛ فالديون و مشاغل الحياة و مشكلاتها و «أَمْثَالُ ذٰلِكَ» تحول دون حضور الذهن في الصلاة، و أحياناً لا نصل إلى تلك المصالح و المفاسد التي ذكروها للواجبات و المحرّمات.

يقول الشهيد الصدر: «لَيْسَتِ النَّفْسِيَّةُ وَالْغَيْرِيَّةُ فِي التَّعْرِيفِ بِلِحَاظِ عَالَمِ الْمِلَاكِ وَالْمَبَادِئِ». أي إنّ تعريف الواجب النفسي والغيري ليس بلحاظ الملاكات، بل بلحاظ عالم الإلزام؛ أي إنّ هذا الفعل لازم و واجب الإتيان به. فنحن نقول، من حيث الدليل، إنّ هذا الواجب نفسي؛ لأنّه متعلّق بالإلزام. أمّا تحقّق تلك المصالح و المفاسد أو عدم تحقّقها، فلا تأثير كبيراً له في ذلك؛ «بَلْ بِلِحَاظِ عَالَمِ الْإِلْزَامِ وَتَحْمِيلِ الْمَسْئُولِيَّةِ مِنْ قِبَلِ الْمَوْلَىٰ عَلَى الْعَبْدِ وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إِنَّ الْوَاجِبَ النَّفْسِيَّ مَا يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ بِمَا هُوَ هُوَ، وَالْوَاجِبَ الْغَيْرِيَّ مَا لَا يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ بِمَا هُوَ هُوَ، بَلْ بِمَا هُوَ يُؤَدِّي إِلَىٰ تَرْكِ شَيْءٍ آخَرَ.»

و قد لفت الشهيد الصدر النظر إلى أنّه إذا زیدَ هذا القيد، حُلَّ الإشكال؛ لأنّ العقاب يترتّب على ترك الواجب النفسي، أمّا الواجب الغيري، فلا يترتّب العقاب على تركه بما هو هو، بل من حيث إنّه يؤدّي إلى ترك واجب آخر.

ج) نقد كلام الشهيد الصدر

برأینا، إنّ كلام الشهيد الصدر جيّد، و لكن ينبغي ضمّه إلى التعريف السابق، لا أن يكون هو المعيار الوحيد. و الإشكال الوارد على كلام الشهيد الصدر هو أنّه جعل «يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ» و «لَا يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ» وحدهما معياراً؛ فإذا كان هناك عقاب على تركه، كان واجباً نفسياً، و ما لا عقاب على تركه كان واجباً غيرياً. و برأینا، فإنّ تعريف الشهيد الصدر وحده غير كافٍ، بل ينبغي ضمّ الجزء الأوّل أيضاً: «مَا وَجَبَ لِنَفْسِهِ وَ يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ». و ينبغي ذكر الأمرين معاً؛ لأنّ جعل العقاب وحده معياراً قد يستلزم الدور.

أ) تقرير لزوم الدَّور

كيف يلزم الدَّور؟ و من أين يمكن القول بأنَّ هذا الأمر يترتَّب عليه العقاب أو لا يترتَّب عليه؟ و من أين يُقال إنَّ ترك الوضوء و ترك الغسل لا يترتَّب عليهما العقاب؟ و ما الدليل على ذلك؟ فقد لا يكون لدينا دليل، فنقع من جديد في الإشكال، و هو أنَّه إذا أتى شخص بمقدّمات الحجّ و لم يأتِ بالحجّ، أو لم يأتِ بمقدّمات الحجّ، فهل يُعاقَب على ترك المقدّمات أم لا؟ و على أيِّ حال، فإنَّ مسألة ترتُّب العقاب على ترك المقدّمات أو عدم ترتُّبه قد تَرِد عليها هي نفسها شبهةٌ، أي قد يُقال إنَّ ترك الغسل يترتَّب عليه العقاب؛ فالشخص الذي يُجنِب و لا يغتسل يُعاقَب عقاباً مستقلاً عن العقاب المترتِّب على ترك الصلاة، أي إنَّ هناك عقاباً على ترك الغسل أيضاً. و قد تَرِد شبهةٌ أخرى أيضاً تستحقّ البحث.

ومن هنا، فإنَّ اتّخاذ «يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ» معياراً يستلزم نوعاً من الدَّور. و المقصود بالدَّور أنَّ هذا المعيار نفسه يشتمل على نوعٍ من الإجمال، و لا يمكن تشخيصه بصورةٍ تامّة. و لكن إذا ضُمَّ «مَا وَجَبَ لِنَفْسِهِ» إلى «يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ»، أمكن القول إنَّ ذلك يشكّل تعريفاً جامعاً و كاملاً نسبياً.

ب) الأمثلة و إمكان ترتُّب العقاب على بعض المقدّمات

سؤال أحد الطلّاب: إذا صلّى شخصٌ من دون وضوء، فهل يُقال له في محضر الله تعالى: لماذا لم تصلِّ، أم يُقال له: لماذا صلّيت من دون وضوء؟

إجابة الأستاذ: لاحظوا أنَّنا لم نأتِ من عند الله تعالى [حتّى نعلم ذلك بصورةٍ قطعيّة]؛ فمثلاً، هناك شخصٌ لا يغتسل و لا يصلّي، و شخصٌ آخر يغتسل عند الجنابة، و لكنَّه لا يصلّي. فماذا يمكن أن نقول؟ لا يمكن الجزم بالرأي في هذا الشأن، و إنّما يمكن القول إنَّ ذلك ممكن. ولعلّه يمكن القول إنَّ ترك بعض المقدّمات يترتّب عليه العقاب، فهذا احتمالٌ وارد. ومن هنا، فإنَّ إثبات «يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ» إذا أخذناه وحده قد يكون صعباً بعض الشيء، و قد لا نتمكّن في جميع الموارد من إثبات وجود العقاب في هذا المورد أو عدمه. و لكن إذا ضممنا الأمرين معاً، أي: «مَا وَجَبَ لِنَفْسِهِ وَ يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ»، فيبدو أنَّ الإشكال يرتفع تماماً في هذا المقام.

ج) الثواب على المقدّمات و التعريف المختار

ومن هنا، نلاحظ أنَّ الثواب يترتّب على المقدّمات؛ أي إنَّ معنى هذه التعابير، كتعبير الرواية: «الْوُضُوءُ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ»[8] ، هو أنَّ عليها ثواباً. فالثواب يترتّب على المقدّمات، كما في قوله: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا»[9] ؛ فإذا كانت مقدّماته أكثر، كان ثوابه أكثر. و لا يمكن اتّخاذ مسألة الثواب و العقاب معياراً قطعياً، و لكن يمكن اعتبارها إحدى العلامات، فيُقال:

    • الواجب النفسي: «مَا وَجَبَ لِنَفْسِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ».

    • الواجب الغيري: «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ».

و نرى أنَّ هذا التعريف صحيحٌ، و لا إشكال فيه.

المقدّمات المُفَوِّتة و غير المُفَوِّتة

لا فرق في المقام بين كون المقدّمات مُفَوِّتة أو غير مُفَوِّتة. و المقدّمة المُفَوِّتة هي المقدّمة التي إذا فاتت، لم یمکن تحقّق «ذِي الْمُقَدِّمَةِ»؛ و هي المقدّمة الأخيرة التي يؤدّي تحقّقها إلى تحقّق «ذِي الْمُقَدِّمَةِ». فإذا أُتي بجميع المقدّمات و لم يُؤتَ بتلك المقدّمة الأخيرة، لم یمکن الإتيان بـ«ذِي الْمُقَدِّمَةِ».

الإشكال الثاني

«يَرِدُ عَلَىٰ تَعْرِيفِ الْمَشْهُورِ النَّقْضُ بِوُجُوبِ الْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَىٰ تَرْكِهَا فَوْتُ الْوَاجِبِ فِي ظَرْفِهِ، فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِي تَعْرِيفِ الْوُجُوبِ الْغَيْرِيِّ عَلَىٰ تَعْرِيفِ الْمَشْهُورِ، مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَقْسَامِ الْوُجُوبِ النَّفْسِيِّ.»[10]

و قد فرّق بعضهم، كالمرحوم النائيني، بين المقدّمات المُفَوِّتة و غير المُفَوِّتة؛ و لكن يبدو أنَّ الأمر ليس كذلك، بل حتّى المقدّمات المُفَوِّتة التي يؤدّي تركها إلى فوات الواجب، لا يترتّب العقاب على تركها، و إنّما يترتّب العقاب على ترك نفس الواجب.


[3] «الصَّلَاةُ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ» ما جستجو کردیم روایتی برای آن نیافتیم؛ ظاهراً مشهور شده است.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo