« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

48/04/21

بسم الله الرحمن الرحیم

مباحث الألفاظ/الوضع /الأوامر (مقدّمة الواجب/الواجب المعلق/ قیود الواجب و الوجوب و ثمرة التفصیل بینهما)

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/الوضع /الأوامر (مقدّمة الواجب/الواجب المعلق/ قیود الواجب و الوجوب و ثمرة التفصیل بینهما)

 

ملخّص الدرس السابق: ذكرنا في الدرس السابق أنّ شرط الوجوب هو شرط فعلية الوجوب، وأنّ شرط الواجب هو شرط تحقّق الواجب وامتثاله. وكلّ شرط للوجوب هو شرط للواجب أيضاً، ولكن العكس ليس كليّاً. ويجب تحصيل شرط الواجب، بخلاف شرط الوجوب؛ كما في الاستطاعة للحجّ. ففي موارد مثل استطاعة الحجّ، ونصاب الزكاة، وشروط الخمس، إذا كان القيد شرطاً للوجوب، فلا يجب تحصيله، أمّا إذا كان شرطاً للواجب، فيلزم تحصيله.

وإذا شككنا في كون القيد شرطاً للوجوب، فإنّ أصالة البراءة يمكن أن تثبت عدم الوجوب. و برأینا، الأصل هو عدم تقييد الوجوب. وقد تمسّك بعض العلماء، كالمحقّق الإيرواني والمحقّق النائيني، باستصحاب عدم الوجوب، وإن أُشكل في وحدة الموضوع. و البراءة و الاستصحاب، على تقدير جريانهما، كلاهما يفضيان إلى عدم ثبوت الوجوب في مورد الشكّ. و القول الثالث: التفصيل بين القيد المتّصل و المنفصل أيضاً، و سيأتي بحثه في تتمّة البحث.

أقسام القيود من حيث تعلّقها بالواجب أو الوجوب

من المباحث الأصولية أنّه إذا كان القيد قيداً للمادّة يقيناً، «فَلَا بَحْثَ»؛ أي إنّ ذلك القيد يتعلّق بالواجب، و يكون تحصيله واجباً أيضاً، كالوضوء و الغسل و التيمّم. ففي هذه الموارد، يكون القيد قيداً للواجب. و إذا كانت القيود قيوداً للهيئة، فلا بحث في هذه الصورة أيضاً، كالبلوغ و القدرة و العقل. فهذه الأمور قيود للوجوب، و هذا الأمر واضح أيضاً.

أمّا إذا شككنا في أنّ القيد قيد للواجب أو قيد للوجوب، فهناك أقوال:

أحد الأقوال أنّ القيد في مورد الشكّ يكون قيداً للمادّة و متعلّقاً بالواجب.

ذهب بعضهم إلى أنّ القيد قيد للوجوب، و ليس قيداً للواجب.

القول الثالث هو أنّه إذا كان التقييد متّصلاً، صار الكلام مجملاً، و إذا كان التقييد منفصلاً، كان القيد قيداً للمادّة، لا قيداً للهيئة. (محلّ النزاع)

توضيح محلّ النزاع

لتوضيح محلّ النزاع، يمكن التمثيل بقيد الاستطاعة. افترضوا أنّ القيد ورد بهذه الصورة: «إِنِ اسْتَطَعْتَ فَحُجَّ»، أي إذا كنت مستطيعاً، فأتِ بالحجّ. وهنا يُطرح السؤال الآتي: هل يجب على المكلّف أن يسعى إلى تحصيل الاستطاعة وجمع المال حتّى يصبح مستطيعاً ويتمكّن من الذهاب إلى الحجّ؟ و في هذه الحالة، يكون تحصيل الاستطاعة واجباً عليه أم أنّه ليس مكلّفاً بذلك، فلا يسعى إلى تحصيل الاستطاعة، و إنّما يذهب إلى الحجّ إذا حصل على المال و أصبح مستطيعاً؟

إذا كان قيد الاستطاعة قيداً للوجوب، فمعناه أنّ المكلّف ليس ملزماً بالسعي إلى تحصيل الاستطاعة، بل إذا هيّأ الله تعالى له أسباب الاستطاعة و أصبح مستطيعاً، وجب عليه الحجّ، و لزمه أداؤه. و هذا هو رأي العلماء في الوقت الحاضر أيضاً؛ أي إنّ الإنسان ليس ملزماً بالسعي إلى تحصيل المال من أجل الاستطاعة، بل إذا حصل على المال و أصبح مستطيعاً، أتى بالحجّ.

و هنا ينبغي البحث في أنّ «إِنِ اسْتَطَعْتَ» هل هو قيد للواجب أم قيد للوجوب؟

إذا كان قيداً للوجوب، فمعناه: «فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهُ»، أي لا يجب تحصيله. أمّا إذا كان قيداً للواجب، فمعناه: «فَيَجِبُ تَحْصِيلُهُ»، أي يجب تحصيله. و بذلك يتّضح الفرق بين قيد الواجب و قيد الوجوب في هذا المقام؛ فإذا كانت الاستطاعة قيداً للوجوب، لم يلزم تحصيلها، و إذا كانت قيداً للواجب، لزم تحصيلها.

القول الثالث: التفصیل بین القید المتّصل و القید المنفصل

قال بعض الأصولیّين: «إِنَّ التَّقْيِيدَ إِنْ كَانَ بِالْمتّصل، وَدَارَ أَمْرُهُ بَيْنَ تَقْيِيدِهِ لِلْمَادَّةِ أَوْ لِلْهَيْئَةِ، فَيَصِيرُ الْكَلَامُ مُجْمَلًا، وَلَا يَنْعَقِدُ كِلَا الظُّهُورَيْنِ لِوُجُودِ مَا يَصْلُحُ لِلْقَرِينَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَوْنُ مُقْتَضَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ حَسَبَ الْقَوَاعِدِ رُجُوعَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا الْمُعَيَّنِ خُرُوجٌ عَنِ الْمَفْرُوضِ، فَلَا مَنَاصَ حِينَئِذٍ إِلَّا مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْأُصُولِ الْعَمَلِيَّةِ، وَمُقْتَضَاهَا هِيَ الْبَرَاءَةُ عَنِ الْوُجُوبِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ ذَلِكَ الْقَيْدِ وَعَدَمِ لُزُومِ تَحْصِيلِهِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ بِالْمُنْفَصِلِ، فَلَا شَكَّ فِي انْعِقَادِ الظُّهُورِ الْإِطْلَاقِيِّ لِكِلَيْهِمَا، وَحِينَئِذٍ تَقْيِيدُ الْهَيْئَةِ مُوجِبٌ لِرَفْعِ ظُهُورَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْأَعْظَمُ الْأَنْصَارِيُّ (قُدِّسَ سِرُّهُ)، وَاعْتَرَفَ بِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ (قُدِّسَ سِرُّهُ) أَيْضًا، وَأَمَّا تَقْيِيدُ الْمَادَّةِ فَلَا يُوجِبُ إِلَّا رَفْعَ ظُهُورٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الظُّهُورُ الْإِطْلَاقِيُّ لِلْمَادَّةِ، وَأَمَّا إِطْلَاقُ الْهَيْئَةِ فَيَبْقَى بِحَالِهِ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ إِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ خِلَافِ ظَاهِرَيْنِ وَبَيْنَ خِلَافِ ظَاهِرٍ وَاحِدٍ، فَالِاجْتِنَابُ عَنِ الْأَوَّلِ وَارْتِكَابُ الثَّانِي مُتَعَيِّنٌ، فَيَتَعَيَّنُ تَقْيِيدُ الْمَادَّةِ.»[1]

ذهب بعضهم هنا إلى التفصيل، أي إنّهم فرّقوا بين القيود المتّصلة و المنفصلة؛ فالقيود تارةً تكون متّصلةً و أخرى تكون منفصلةً.

فعلى سبيل المثال، هل تُعدّ الآية الكريمة :﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ﴾[2] و آیة :﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾[3] متّصلتين أم منفصلتين بالنسبة إلى إحداهما الأخرى؟ إنّهما منفصلتان. و قد ذهب بعضهم إلى أنّه في مورد القيد المنفصل، يُطرح احتمالان من جهة مخالفة الظهور و خلاف الظاهر: فهل ينبغي الالتزام بمخالفتين للظاهر أم بمخالفة واحدة للظاهر؟

نعدّ هنا «لِدُلُوكِ الشَّمْسِ» قيداً. فإذا اعتبرنا هذا القيد متعلّقاً بالواجب، فمعناه أنّ أداء الصلاة يكون من وقت الظهر، لا أنّ وجوب الصلاة يبدأ من الظهر؛ أي إنّ وجوب الصلاة قد ثبت قبل ذلك، و لكنّ أداء الصلاة يتعلّق بوقت الظهر.

و الاحتمال الآخر هو أن نقول إنّ «لِدُلُوكِ الشَّمْسِ» قيد لكليهما؛ أي إنّ وجوب الصلاة يبدأ من أوّل الظهر، كما أنّ الواجب نفسه، أي أداء الصلاة، يكون في أوّل الظهر.

و قد ذهب بعضهم إلى أنّنا إذا قلنا هنا بأنّ القيد لكليهما، نكون قد ارتكبنا مخالفتين للظاهر؛ أي إنّنا أجرينا تقييدين: قيّدنا الوجوب و الواجب معاً. و معنى ذلك أنّنا قيّدنا الوجوب بأوّل الظهر، و قيّدنا الواجب نفسه أيضاً بأوّل الظهر؛ و بذلك يكون قد تحقّق تقييدان. أمّا إذا كان التقييد للمادّة، أي إنّنا قيّدنا الواجب وحده، ففي هذه الحالة نكون قد أجرينا تقييداً واحداً. «إِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ تَقْيِيدَيْنِ أَوْ تَقْيِيدٍ وَاحِدٍ، فَالتَّقْيِيدُ الْوَاحِدُ مُقَدَّمٌ»؛ لأنّ التقييد مجاز وخلاف الأصل، والأصل هو أصالة الإطلاق، والتقييد خلافها. و لذلك، يكون التقييد الواحد أولى في هذا المقام. وبناءً على ذلك، يقال: «لِدُلُوكِ الشَّمْسِ قَيْدٌ لِلْوَاجِبِ، لَا لِلْوُجُوبِ»، أي إنّ «لِدُلُوكِ الشَّمْسِ» ليس قيداً للوجوب، بل هو قيد للواجب. و الوجه في ذلك أنّ الأمر يدور بين تقييدين و تقييد واحد؛ فهل ينبغي إجراء تقييدين أم تقييد واحد؟ التقييد الواحد هو المقدّم.

و قد ذكرنا سابقاً أيضاً أنّ مقتضى البراءة عن الوجوب هو عدم وجوب تحصيله. ففي مورد الاستطاعة، لا نعلم هل يجب علينا السعي إلى تحصيلها أم لا. و في هذه الحالة، لا يلزمنا السعي إلى تحصيل الاستطاعة. و البراءة عن الوجوب هي أحد الاستدلالات المطروحة في هذا المقام. و الآن ينبغي أن نبحث هل لهذا البحث ثمرة عملية أم لا.

ثمرة البحث

لبيان ثمرة هذا البحث، نذكر عدّة أمثلة:

١) صلاة الميّت: في صلاة الميّت، يُشترط «الْإِذْنُ مِنَ الْوَلِيِّ»، أي لا بدّ من الاستئذان من الولي. فإذا لم يكن الوليّ متاحاً، يُطرح هذا السؤال: هل يجب البحث عن الوليّ و العثور عليه و الاستئذان منه لكي تُقام صلاة الميّت، مع أنّ الميّت لا يزال على الأرض؟

يقول جميع العلماء باشتراط إذن الوليّ؛ و لذلك، يجب على أبناء الميّت أن يأذنوا لشخصٍ ما بأن يصلّي على الميّت. والآن، إذا قيل إنّ هذا الإذن من الوليّ، الذي يُشترط في صلاة الميّت، هو «شَرْطٌ لِلْوَاجِبِ لَا لِلْوُجُوب»، فهل يجب تحصيله أم لا؟ ذكرنا سابقاً أنّ تحصيل شروط الوجوب ليس واجباً، أمّا شروط الواجب، كالوضوء و الغسل و التيمّم، فلا بدّ من تحصيلها. و بناءً على ذلك، ينبغي البحث في أنّ إذن الوليّ هل يجب تحصيله أم لا؟ و هل يجب على المكلّف السعي للعثور على الوليّ، أم ينبغي للوليّ نفسه أن يحضر و يأذن له بأداء صلاة الميّت؟ و يتجلّى الفرق بين الشرط للوجوب و الشرط للواجب في هذه النقطة بالذات، و هي: هل يجب تحصيل الشرط أم لا؟

فإذا كان إذن الوليّ شرطاً للوجوب، فلا يجب تحصيله، أمّا إذا كان شرطاً للواجب، فيجب تحصيله.

٢) النصاب في صلاة الجمعة: لكي تنعقد صلاة الجمعة، لا بدّ من حضور خمسة أشخاص أو سبعة أشخاص على الأقلّ. افترضوا أنّ وقت صلاة الجمعة قد حان، و لكن لم يحضر أحد. و هنا يُطرح السؤال الآتي: هل يجب على المكلّف أن يذهب إلى الشارع بحثاً عن أشخاص، و يجمع عدداً منهم، و يطلب منهم المشاركة في صلاة الجمعة، لكي يكتمل العدد المطلوب، و هو خمسة أو سبعة أشخاص؟

إنّ وجوب صلاة الجمعة يتوقّف على حضور سبعة أشخاص على الأقل فإذا كان هذا العدد شرطاً للوجوب، فمعناه: «فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهُ» و لذلك، إذا تحقّق هذا العدد من تلقاء نفسه، نؤدّي صلاة الجمعة، و إذا لم يحضر الأشخاص، فلا نؤدّيها. أمّا إذا كان هذا العدد شرطاً للواجب، فمعناه: «يَجِبُ تَحْصِيلُهُ».

و هناك مسائل متعدّدة مشابهة لهذه المسألة، ففي الموارد التي يكون فيها الشرط شرطاً للوجوب، لا يجب تحصيله، أمّا إذا كان الشرط «شرطاً للوجب»، فإنّ تحصيله يكون واجباً.


هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo