« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

48/04/16

بسم الله الرحمن الرحیم

مباحث الألفاظ/الأوامر(مقدّمة الواجب/الواجب المعلّق) /هل القیود راجعة إلی المادة أو الهیئة؟

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/الأوامر(مقدّمة الواجب/الواجب المعلّق) /هل القیود راجعة إلی المادة أو الهیئة؟

 

خلاصة الجلسة السابقة:

قلنا في الجلسة السابقة، في توضيح القيد و الشرط و التقيّد، إنّ القيد خارج عن الواجب، و لكن تقيّد الواجب بذلك القيد جزء من الواجب. شرط الصلاة هو شرط الواجب، و شرط وجوب الصلاة فهو شرط الوجوب.

الشروط المشكوكة: في موارد مثل وقت الصلاة، إذا كان شرطاً للوجوب، فلا يكون الوجوب فعليّاً قبله؛ أمّا إذا كان شرطاً للواجب، فالوجوب ثابت، و قد يلزم تحصيل المقدّمات اللازمة.

الأصل العملي: يُرجع أوّلاً إلى إطلاق الأدلّة، و عند عدم إمكان ذلك، يُرجع إلى البراءة أو استصحاب عدم الوجوب. كما أنّ وجوب المقدّمة تابع لثبوت وجوب ذي المقدّمة.

التقييد المتّصل و المنفصل: في التقييد المتّصل، يكون الظهور مقيّداً منذ البداية؛ أمّا في التقييد المنفصل، فينعقد الظهور الإطلاقي أوّلاً، ثمّ يقيّده الدليل المنفصل.

النتيجة: لا تفاوت بين المتّصل و المنفصل في مقام الثبوت، ولكنّهما يختلفان في مقام الإثبات بسبب الاختلاف في انعقاد الظهور؛ و نرى أنّ هذا الاختلاف لا بدّ من قبوله.

يدور النقاش حول ما إذا كان القيد متعلّقاً بالمادّة و الواجب، أم بالهيئة و الوجوب؛ و بعبارة أخرى، هل القيد شرط للواجب أم شرط للوجوب؟ بعض القيود، كالوضوء و الغسل و التيمّم، شروط للواجب، أمّا البلوغ و العقل و القدرة فهي شروط للوجوب؛ أي إنّ وجوب الصلاة يصير فعليّاً بالنسبة إلى الشخص البالغ و العاقل و القادر. و «كُلُّ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ شَرَائِطُ لِلْوَاجِبِ»؛ أي إنّ كلّ شرط للوجوب هو أيضاً شرط للواجب؛ لأنّه إذا كانت الصلاة واجبةً على شخص، وجب عليه عند أداء تلك الصلاة مراعاة الشروط المتعلّقة بالواجب أيضاً. و بناءً على ذلك، فإنّ الشخص الذي يريد أداء الصلاة يجب أن يكون بالغاً و عاقلاً و قادراً.

ثمرة البحث

قال بعض الأصولیّين: «ليس البحث بحثاً علمياً صرفاً، بل له ثمرة عملية، وذلك لأنّه إن دلّ الدليل على رجوع القيد إلى الهيئة يكون من قبيل الواجب المشروط فلا يجب تحصيل الشرط، وإن رجع إلى المادة فإنّ إطلاق الوجوب يقتضي وجوب تحصيل القيد إذا كان أمراً اختيارياً، إلاّ إذا دلّ الدليل على أنّ المطلوب حصول القيد لا تحصيله».[1]

النقطة التي ينبغي الالتفات إليها هنا هي أنّ شروط الوجوب تنقسم هي نفسها إلى قسمين:

شروط الوجوب الاختيارية؛

شروط الوجوب غير الاختيارية.

فعلى سبيل المثال، البلوغ شرط لوجوب الصلاة، و لكنّه غير اختياري؛ أي إنّ بلوغ الإنسان ليس أمراً يقع تحت اختياره بحيث يصبح بالغاً متى شاء، بل لا بدّ من أن يبلغ سنّ البلوغ. و العقل كذلك؛ فإذا كان الشخص مجنوناً و فاقداً للعقل، لم تجب عليه الصلاة، كما أنّ تحصيل العقل ليس أمراً يقع تحت اختياره. و القدرة أيضاً قد تكون أحياناً خارجةً عن اختيار الإنسان. فعلى سبيل المثال، إذا انكسرت ساق شخص و لم يتمكّن من أداء الصلاة قائماً، فإنّ هذا العجز ليس أمراً يقع تحت اختياره.

و بناءً على ذلك، يمكن عدّ هذه الموارد من شروط الوجوب غير الاختيارية. و في المقابل، هناك بعض شروط الوجوب، یکون اختیاريّاً، كالاستطاعة في وجوب الحجّ. يقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾[2] و السؤال هنا هو: هل الاستطاعة شرط للواجب أم شرط للوجوب؟ و هل يجب على الإنسان السعي إلى تحصيل الاستطاعة، كأن يسعى إلى كسب المال ليصبح مستطيعاً و يذهب إلى الحجّ، أم أنّ الحجّ يجب عليه إذا تحقّقت الاستطاعة له بصورة طبيعية؟

تحصيل شرط الواجب و عدم وجوب تحصيل شرط الوجوب

ينبغي الالتفات إلى أنّ إحدى الثمرات المهمّة للتفريق بين شرط الوجوب و شرط الواجب هي أنّ شرط الواجب يجب تحصيله في الموارد التي يكون تحصيله فيها مقدوراً و لازماً، أمّا تحصيل شرط الوجوب فليس واجباً.

فعلى سبيل المثال، الوضوء شرط لواجب الصلاة. فيجب عليكم توفير الماء و الوضوء ثمّ أداء الصلاة. و إذا كان تكليفكم هو الغسل، وجب عليكم الاغتسال، و إذا كان تكليفكم هو التيمّم، وجب عليكم التيمّم. و بناءً على ذلك، فهذه شروط يلزم تحصيلها لأداء الواجب.

أمّا البلوغ و العقل فليس الأمر فيهما كذلك؛ إذ لا يجب على الإنسان تحصيلهما. و وقت الصلاة كذلك؛ فعندما يحين وقت الصلاة، لا تسعون إلى تحصيل الوقت، بل يحلّ الوقت من تلقاء نفسه. أمّا الوضوء، فيجب عليكم السعي إلى الحصول على الماء و الوضوء.

إذن، إحدى الثمرات المهمّة لهذا البحث هي أنّه إذا علمنا في موردٍ ما أنّ قيداً معيّناً شرط للواجب، وجب السعي إلى تحصيله؛ أمّا إذا علمنا أنّه شرط للوجوب، فلا يجب تحصيله.

و من هنا، إذا سُئلنا: «هَلِ الِاسْتِطَاعَةُ شَرْطٌ لِلْوَاجِبِ أَمْ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ؟» فإنّ الإجابة عن هذا السؤال تترتّب عليها آثار عمليّة مهمّة.

ثمرة البحث في استطاعة الحجّ

إذا قلنا إنّ الاستطاعة شرط للواجب، وجب السعي إلى تحصيل المال و الثروة لكي تتحقّق الاستطاعة و نتمكّن من الذهاب إلى الحجّ. فإذا كنّا قادرين، وجب علينا السعي إلى تحصيل المال لنصبح مستطيعين و نؤدّي الحجّ.

أمّا إذا كانت الاستطاعة شرطاً للوجوب، فالمسألة مختلفة. ففي هذه الحالة، إذا تحقّقت الاستطاعة للإنسان، وجب عليه الحجّ و لزمه الذهاب إليه؛ أمّا قبل تحقّق الاستطاعة، فلا يجب تحصيل المال للوصول إليها.

و بناءً على ذلك، إذا حصل شخص على مال و أنفقه في أمور مختلفة، و لم يَدَع مالَه يبلغ حدّ الاستطاعة للحجّ، فإنّ مجرّد ذلك لا يوجب القول بأنّه كان يجب عليه حتماً الاحتفاظ بالمال حتّى يصبح مستطيعاً؛ لأنّه إذا كانت الاستطاعة شرطاً للوجوب، فلا يجب تحصيلها.

كان المرحوم آية الله العظمى النجفي المرعشي يقول إنّي لم أصبح مستطيعاً للحجّ حتّى نهاية عمري. فقد كانت تصل إليه أموال و مبالغ مالية، لكنّه لم يكن يحتفظ بها، بل كان ينفقها سريعاً في أمور مختلفة، و نتيجة لذلك، لم تتحقّق له الاستطاعة للحجّ.

وبناءً على ذلك، فإنّ لهذا البحث ثمراتٍ عديدةً.

ثمرة البحث في نصاب الزكاة

على سبيل المثال، للزكاة نصاب؛ فإذا بلغ الذهب الذي يملكه الإنسان مقداراً معيّناً، تعلّقت به الزكاة. و للفضّة أيضاً نصاب و كذلك الحنطة و الشعير.

والسؤال هنا هو: هل النصاب شرط للوجوب أم شرط للواجب؟

إذا اعتبرنا النصاب شرطاً للواجب، وجب السعي إلى تحصيله؛ أي يجب أن نسعى إلى بلوغ الحنطة التي نملكها حدّ النصاب لكي نؤدّي زكاتها، أو أن يبلغ الذهب و الفضّة اللذان نملكهما حدّ النصاب لكي ندفع زكاتهما.

أمّا إذا كان النصاب شرطاً للوجوب، فمعناه أنّه إذا أنعم الله تعالى على الإنسان بمال وفير وبلغ ماله حدّ النصاب، وجبت عليه الزكاة؛ ولكن لا يلزم الإنسان أن يسعى إلى بلوغ ماله حدّ النصاب لكي تجب عليه الزكاة.

ويُطرح البحث نفسه في الخمس أيضاً. فهل يجب على الإنسان السعي إلى جمع الثروة لكي يجب عليه الخمس؟ إذا كان الشرط المتعلّق بالخمس شرطاً للوجوب، فلا يوجد مثل هذا الإلزام.

إذن، إذا قلنا إنّ الشرط شرط للوجوب و ليس شرطاً للواجب، فلا يجب تحصيله؛ أمّا إذا قلنا إنّ الشرط شرط للواجب و ليس شرطاً للوجوب، فيلزم تحصيله.

وبناءً على ذلك، إذا علمنا أنّ شرطاً ما، شرط للوجوب فالمسألة واضحة، و إذا علمنا أنّه شرط للواجب، فالأمر واضح أيضاً. و في كلتا الحالتين، لا يكون الاجتهاد و استنباط الحكم أمراً صعباً. و إنّما يقع البحث في الموضع الذي نشكّ فيه في أنّ شرطاً معيّناً هل هو شرط للوجوب أم شرط للواجب.

تطبيق البحث على الخمس

في هذا الصدد، توجد في المسائل الفقهية آراء مختلفة حول بعض المصاديق. فبعض الأشخاص، بالنظر إلى الظروف و الآراء المختلفة، يسعون إلى العمل بطريقة يترتّب عليها تعلّق الخمس أو الزكاة بأموالهم، في حين لا يرى بعضهم الآخر وجود مثل هذا الإلزام.

و بناءً على ذلك، فالسؤال هو: إذا سألنا أحد مراجع التقليد: هل يجب علينا السعي إلى كسب المال لكي يجب علينا الخمس أم لا؟

إذا وصل إلى الإنسان مال و دخل، و بقي منه مقدار زائد لم ينفقه، بل أودعه مثلاً في البنك و انتفع بعوائده، ففي هذه الحالة، إذا تحقّقت شروط تعلّق الخمس، وجب عليه الخمس؛ و لكن هل يلزم تحصيل المال قبل تحقّق تلك الشروط لكي يجب الخمس على الإنسان أم لا؟

إذن، النقطة التي ينبغي الالتفات إليها هنا هي أنّ إحدى الجهات المطروحة في بحث الشكّ بين شرط الوجوب و شرط الواجب هي مسألة تحصيل الشرط.

وقد طرح المرحوم المحقّق النائيني (رحمه‌الله) و آية الله العظمى الشيخ السبحاني (سلّمه الله تعالى)، وغيرهما هذا البحث، و ذكروا أنّه إذا كان الشرط شرطاً للوجوب، فلا يجب تحصيله.

أي إذا كانت الزكاة متوقّفةً على بلوغ المال حدّ النصاب، و اعتبرنا النصاب شرطاً للوجوب، فلا يلزم الإنسان السعي إلى زيادة ماله لكي تجب عليه الزكاة. و كذلك إذا كان الشرط المتعلّق بالخمس شرطاً للوجوب، فلا يلزم الإنسان السعي إلى جمع الثروة لكي يجب عليه الخم نعم، لا إشكال في أن يقوم شخص بذلك، و لكنّه غير واجب. أمّا إذا كان الشرط شرطاً للواجب و ليس شرطاً للوجوب، فيلزم تحصيله.

و بناءً على ذلك، إذا تيقّنّا في موردٍ ما أنّ الشرط شرط للوجوب، فلا بحث في ذلك؛ و إذا تيقّنّا أنّه شرط للواجب، فالمسألة واضحة أيضاً. و السؤال الأساسي هو: إذا شككنا، فما الذي ينبغي علينا فعله؟

جريان أصل البراءة في موارد الشكّ

قلنا إنّه في موارد الشكّ، يمكن أن يكون الأصل العملي هو أصل البراءة. و توضيح ذلك أنّ أصل اشتراط القيد للواجب ليس محلّ بحثنا، و المفروض أنّ كونه شرطاً للواجب أمر قطعيّ. وإنّما يدور البحث كلّه حول ما إذا كان هذا الشرط شرطاً للوجوب أيضاً أم لا.

فإذا شككنا في كونه شرطاً للوجوب، قيل بإمكان إجراء أصل البراءة؛ أي إنّنا نشكّ في أنّ هذا الشرط هل هو قيد للوجوب أم لا. وبناءً على أصل البراءة، لا نلتزم بكونه شرطاً للوجوب، ونتيجةً لذلك، لا يثبت لنا الوجوب الذي يتوقّف على تحقّق ذلك الشرط.

فهل هذا الكلام صحيح أم لا؟

نرى أنّ هذا الكلام صحيح؛ لأنّه ينبغي أن ننظر هل الوجوب الثابت علينا وجوب مطلق أم وجوب مقيّد. فإذا شككنا في تقييد الوجوب، ولم يكن لدينا دليل على تقييده، أمكن إجراء البراءة عن هذا القيد.

التمسّك باستصحاب عدم الوجوب

ذهب بعضهم هنا إلى التمسّك باستصحاب عدم الوجوب. و يقول المرحوم المحقّق الإيرواني في حاشية الكفاية:

«إِذَا تَعَيَّنَ رُجُوعُ الْقَيْدِ إِلَى كُلٍّ مِنَ الْمَادَّةِ وَالْهَيْئَةِ بِنَاءً عَلَى مَعْقُولِيَّةِ رُجُوعِهِ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فَهُوَ، وَإِلَّا بِأَنْ أُجْمِلَ الْخِطَابُ وَلَمْ يَكُنْ مُعَيِّنٌ خَارِجِيٌّ ـ فَاللَّازِمُ الرُّجُوعُ إِلَى الْأُصُولِ الْعَمَلِيَّةِ، أَعْنِي اسْتِصْحَابَ عَدَمِ الْوُجُوبِ إِلَى زَمَانِ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ.» [3]

ثمّ يوضّح الأصول العملية، و يطرح استصحاب عدم الوجوب إلى زمان تحقّق الشرط. و تقريب الاستدلال هو أنّنا إذا شككنا في وجوب أمرٍ ما، فقد كنّا على يقين سابق بعدم وجود الوجوب. و الآن نشكّ في أنّ الوجوب هل تحقّق أم لا. و بناءً على ذلك، نستصحب عدم الوجوب السابق.

يتمسّك المحقّق الإيرواني (رحمه‌الله) باستصحاب عدم الوجوب، كما أنّ المحقّق النائيني (رحمه‌الله) يقبل أيضاً استصحاب عدم الوجوب في هذا المقام.

و نتيجةً لذلك، يمكن التمسّك بأصل البراءة، كما يمكن التمسّك باستصحاب عدم الوجوب.

الفرق بين الاستصحاب و البراءة

قد يُطرح السؤال الآتي: إذا كانت نتيجة البراءة و الاستصحاب واحدةً، فلماذا نفرّق بينهما؟

و الجواب هو أنّ «الِاسْتِصْحَابُ، عَرْشُ الْأُصُولِ وَ فَرْشُ الْأَمَارَاتِ»؛ أي إنّ الاستصحاب يحتلّ مرتبة أعلى مقارنةً بالأصول العملية، ولكنّه يقع في مرتبة أدنى بالنسبة إلى الأمارات. و وجه ذلك أنّ للاستصحاب ميزةً إضافيةً، و هي الحالة السابقة؛ إذ لا بدّ في الاستصحاب من وجود حالة سابقة، ثمّ الشكّ في بقائها. أمّا في أصل البراءة، فلا نحتاج إلى حالة سابقة. و بناءً على ذلك، إذا جرى الاستصحاب في موردٍ ما، فلا يبقى مجال يُذكر للرجوع إلى البراءة، بل نقول إنّ لدينا استصحاباً.

و بناءً على ذلك، يتمسّك المرحوم المحقّق الإيرواني بـ«استصحاب عدم الوجوب»، في حين يتمسّك المرحوم الآخوند غالباً بـ«أصل البراءة».

احتمال الإشكال في جريان الاستصحاب: وحدة الموضوع

قد يكون وجه تمسّك المرحوم الآخوند بالبراءة هو أنّ جريان الاستصحاب يتوقّف على وحدة الموضو

و الآن، ينبغي أن نبحث فيما إذا كان الموضوع هنا واحداً أم لا؟

فعلى سبيل المثال، فإنّ «الإنسان القادر» و «الإنسان العاجز» و «الإنسان الحاضر» و «الإنسان المسافر» كلّهم إنسان واحد من حيث الشخص، و لكنّ حالاتهم و عناوينهم قد تغيّرت. و قد يقال هنا إنّ للمكلّف وضعاً معيّناً قبل تحقّق الشرط، ثمّ يصبح له وضع آخر بعد تحقّقه.

فعلى سبيل المثال، قبل تحقّق الاستطاعة، لا يكون الشخص مستطيعاً، و بعد تحقّقها يصبح مستطيعاً. فهل يمكن القول بأنّ الموضوع في كلتا الحالتين موضوع واحد لكي يجري الاستصحاب، أم إنّ الموضوع قد تغيّر بتغيّر الحالة و العنوان؟

إذا كان الموضوع مختلفاً، فلا يمكن إجراء استصحاب عدم الوجوب بسهولة؛ لأنّ وحدة الموضوع من أركان الاستصحاب. ومن هنا، قد يقع التردّد في جريان الاستصحاب في هذا المقام. ولهذا السبب، تمسّك بعضهم بأصل البراءة، في حين تمسّك آخرون بالاستصحاب.

نتيجة البراءة و الاستصحاب

مع وجود هذا الاختلاف، فإنّ كلا البيانين يؤدّي من حيث النتيجة، إلى نتيجة واحدة في هذه المسألة؛ أي إنّه سواء أجرينا استصحاب عدم الوجوب أم أصل البراءة، فالنتيجة هي أنّ الوجوب لا يثبت في هذا المقام عند الشكّ. و بناءً على ذلك، إذا جرى الاستصحاب، قلنا إنّنا نستصحب عدم الوجوب السابق؛ أمّا إذا لم نجرِ الاستصحاب بسبب الإشكال المتعلّق بوحدة الموضوع، فإنّنا نرجع إلى أصل البراءة. و في كلتا الحالتين، تكون النتيجة العملية واحدةً.

القول الثالث: التفصيل بين المقيّد المتّصل والمنفصل

ذهب بعضهم إلى القول: «إِنَّ التَّقْيِيدَ إِنْ كَانَ بِالْمتّصل، وَدَارَ أَمْرُهُ بَيْنَ تَقْيِيدِهِ لِلْمَادَّةِ أَوْ لِلْهَيْئَةِ، فَيَصِيرُ الْكَلَامُ مُجْمَلًا، وَلَا يَنْعَقِدُ كِلَا الظُّهُورَيْنِ لِوُجُودِ مَا يَصْلُحُ لِلْقَرِينَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَوْنُ مُقْتَضَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ حَسَبَ الْقَوَاعِدِ رُجُوعَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا الْمُعَيَّنِ خُرُوجٌ عَنِ الْمَفْرُوضِ، فَلَا مَنَاصَ حِينَئِذٍ إِلَّا مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْأُصُولِ الْعَمَلِيَّةِ، وَمُقْتَضَاهَا هِيَ الْبَرَاءَةُ عَنِ الْوُجُوبِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ ذَلِكَ الْقَيْدِ وَعَدَمِ لُزُومِ تَحْصِيلِهِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ بِالْمُنْفَصِلِ، فَلَا شَكَّ فِي انْعِقَادِ الظُّهُورِ الْإِطْلَاقِيِّ لِكِلَيْهِمَا، وَحِينَئِذٍ تَقْيِيدُ الْهَيْئَةِ مُوجِبٌ لِرَفْعِ ظُهُورَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْأَعْظَمُ الْأَنْصَارِيُّ (قُدِّسَ سِرُّهُ)، وَاعْتَرَفَ بِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ (قُدِّسَ سِرُّهُ) أَيْضًا، وَأَمَّا تَقْيِيدُ الْمَادَّةِ فَلَا يُوجِبُ إِلَّا رَفْعَ ظُهُورٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الظُّهُورُ الْإِطْلَاقِيُّ لِلْمَادَّةِ، وَأَمَّا إِطْلَاقُ الْهَيْئَةِ فَيَبْقَى بِحَالِهِ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ إِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ خِلَافِ ظَاهِرَيْنِ وَبَيْنَ خِلَافِ ظَاهِرٍ وَاحِدٍ، فَالِاجْتِنَابُ عَنِ الْأَوَّلِ وَارْتِكَابُ الثَّانِي مُتَعَيِّنٌ، فَيَتَعَيَّنُ تَقْيِيدُ الْمَادَّةِ.»[4]

القول الثالث في هذه المسألة هو التفصيل بين المقيّد المتّصل و المقيّد المنفصل. و بناءً على هذا التفصيل، إذا كان المقيّد متّصلاً، صار الكلام مجملاً، و لا يمكن التمسّك بإطلاقه؛ أمّا إذا كان المقيّد منفصلاً، فيُطرح بحث التمسّك بالإطلاق، و عند عدم إمكان التمسّك به، تصل النوبة إلى أصل البراءة.

و بناءً على ذلك، يمكن طرح ثلاثة مسالك في المسألة محلّ البحث:

أوّلاً: التمسّك بأصل البراءة؛

ثانياً: التمسّك باستصحاب عدم الوجوب؛

ثالثاً: التفصيل بين المقيّد المتّصل والمنفصل، وبحث إمكان التمسّك بالإطلاق في فرض كون القيد منفصلاً.

وسيُطرح تفصيل هذا البحث، ودراسة الفرق الدقيق بين المقيّد المتّصل والمنفصل، إن شاء الله تعالى، في المستقبل.


هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo