47/08/04
بسم الله الرحمن الرحیم
مباحث الألفاظ/ الأوامر/ مقدّمة الواجب/ الواجب المعلّق/ قيد الواجب أم قيد الوجوب؟
الموضوع: مباحث الألفاظ/ الأوامر/ مقدّمة الواجب/ الواجب المعلّق/ قيد الواجب أم قيد الوجوب؟
خلاصةُ الجلسةِ الماضية: كان النقاش في الجلسة السابقة حول «الواجب المعلَّق» (كالحجّ)، وذكرنا أنّ المقدّمات تنقسم إلى وجوديّة و وجوبيّة، و أنّ البحث في وجوب المقدّمة ينصبّ غالباً على المقدّمات الوجوديّة. و بعضُ المقدّمات ـ كالاستطاعة ـ تكون وجوديّةً و وجوبيّةً معاً، و يثبت وجوبُها عند وجوب ذي المقدّمة. و العناوين المذكورة في النصوص (كالمسافر و المستطيع) هي من شروط الوجوب، و تحقّقُها قد يكون أحياناً باختيار المكلّف فيترتّب عليه جريانُ الحكم. و قد ذهب آيةُ الله البهجت (رحمه الله) إلى أنّ وجوب المقدّمات مقيّدٌ بفعليّة وجوب ذي المقدّمة، و هو ما ينسجم مع نظريّة الواجب المعلَّق. و أمّا المحقّق الخوئيّ (رحمه الله)، فقد بيّن بمثال الغُسل قبل الصوم أنّ وجوب المقدّمة قد لا يكون نفسيّاً و لا غيريّاً (بمعنى العلّة و المعلول). و الحلّ هو تفسير الوجوب الغيريّ بـ«مطلوبية ذي المقدّمة» و«الوجوب من أجلِه»، من دون الالتزام بعلاقةٍ علّيّةٍ زمانيّة.
في مباحث أصول الفقه و تحت عنوان «الواجب المعلَّق»، طُرحت مباحث متعدّدة، غير أنّه في مجموعها يوجد سؤالٌ أساسيّ قد يطرحه حضراتكم بوصفكم مجتهدين، و هو هذا السؤال:
إذا ذُكِر قيدٌ لواجبٍ ما، فهل ينبغي اعتبار هذا القيد قيداً للوجوب أم قيداً للواجب؟
السؤال واضحٌ تماماً. المفروض أنّكم في مقام الاجتهاد و استنباط الحكم الشرعي و تريدون إصدار الفتوى. فعند مواجهة قيدٍ ما، هل يرجع هذا القيد إلى أصل الوجوب، أم إلى متعلَّق الوجوب (أي الواجب)؟
و مثالُ ذلك من القرآن الكريم: صومُ شهر رمضان، حيث يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[1] .و يُقال: «صوموا من ابتداء طلوع الفجر في شهر رمضان». و هنا سؤال: هل «ابتداء طلوع الفجر» هو زمانُ الوجوب أم زمانُ الواجب؟ فأنتم ـ بوصفكم مجتهدين ـ تستفيدون من هذه الآية أنّ «الصوم واجب»، و أنّ هذا الوجوب مرتبط بشهر رمضان. و لکن هنا سؤال: هل «شهر رمضان» هو زمانُ الوجوب أم زمانُ الواجب؟
ثم تَرِدُ آيةٌ أخرى تُبيّن أنّ الصوم من ابتداء أذان الفجر إلى ابتداء أذان المغرب. فما هو دورُ هذا القيد الزماني؟ هل هذا الزمان هو زمانُ الوجوب أم زمانُ الإتيان بالواجب؟
تحليلٌ تفكيكيٌّ بين زمانِ الوجوب و زمانِ الواجب
برأينا، يُستفاد من الآية الشريفة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أنّ وجوب الصوم يتحقّق من ابتداء شهر رمضان؛ فشهرُ رمضان هو زمانُ الوجوب. و أمّا كون الصوم يجب الإتيان به من ابتداء أذان الفجر إلى ابتداء أذان المغرب، فهو ناظرٌ إلى زمانِ الواجب لا إلى زمانِ الوجوب. و عليه، يكون زمانُ الوجوب هو تمام شهر رمضان، و زمانُ الواجب من أذان الفجر إلى أذان المغرب.
مسألة مقدّمة الواجب و رفع الإشكال
يُقال لنا: إذا كان الشخصُ جنباً، وجب عليه أن يغتسل قبل أذان الفجر. هذا الغُسل يُعدّ مقدّمةً للواجب. و كان الإشكال المعروف يقول: «مقدّمةُ الواجب لا تصبح واجبةً قبل تحقّق وجوب الواجب».
أمّا مع هذا التحليل، فيُرفع الإشكال؛ لأن وجوب الصوم قد تحقّق من ابتداء شهر رمضان. وعلى الرغم من أنّ زمانَ أداء الواجب (الصوم) لم يحن بعد، إلا أنّ زمان الوجوب قد تحقق. لذلك، أداء الغُسل قبل أذان الفجر هو أداء مقدّمة الواجب في زمان وجوبه، لا قبل تحقّقه.
العودة إلى السؤال الرئيسي: القيد، قيد وجوب أم قيد واجب؟
الآن يُطرح السؤال الرئيسيّ مرّةً أخرى: إذا ورد قيدٌ زماني و شککنا هل هذا القيد قيد وجوب أم قيد واجب؟
هنا، لا يوجد دليل قطعي يُمكن أن يقرّر فوراً أنّ هذا القيد هو قيد الواجب، لأنّ الاحتمال قائم بأن يكون القيد قيد وجوب، أو قيد واجب. كلا الاحتمالين ممكن عقلاً و أصولاً، خاصّةً مع قبول إمكانيّة الواجب المعلّق و الواجب الاستقبالي. لذلك، لا يمكن الجزم قطعاً بأنّ هذا القيد قيد وجوب، كما لا يمكن الجزم قطعاً بأنّه قيد واجب. و تحديد ذلك يحتاج إلى قرائن و دلائل خاصّة.
النتيجة الأصولية في باب القيود
النتيجة المستفادة من مجموع بحث الواجب المعلّق أنّ القيود لها احتمالان: قيد وجوب أو قيد واجب، و على المجتهد أن يُحدّد ذلك بالرجوع إلى القرائن اللفظية و العقلية و العرفية ليتبيَّن له أنّ القيد المذکور إلی أيّهما راجع؟
النقطة الثانية: اعتبارية الأوامر و النواهي الشرعيّة
الأوامر و النواهي الشرعيّة أمور اعتباريّة و لا ينبغي قياس هذه الأمور الاعتباريّة بالأمور التكوينيّة و نظام العلّة و المعلول كما يُطرح في المنطق و الفلسفة. فلا يجوز فوراً القول بأنّ هذه علّة و هذا معلول، فإذا لم تأتِ العلّة، فكيف أتى المعلول؟ مثل هذه الإشكالات لا محلّ لها في هذا المقام.
إفترض أنّ والدك يقول لك: «مِن المحتمل قويّاً أنّه سيكون لدينا ضيوف اليوم». و على الرغم من أنّ قدوم الضيوف ليس مؤكّداً بعدُ، إلّا أنّ العقل و العرف یحکمان بتجهيز المقدّمات: مثل تحضير الطعام، شراء الفاكهة و ترتيب الأشياء. و هذا ليس من باب العلّة و المعلول، بل من باب حكم العقلاء في الأمور الاعتباريّة.
و في الواجبات الإلهية أيضاً، إذا وُجد احتمال للوجوب، يحكم العقل بوجوب تهيئة المقدّمات.
و عليه:
في مسألة مقدّمة الواجب، يكفي احتمال وجوب ذي المقدّمة لتكون هناك ضرورة لتهيئة المقدّمات، و لا ينبغي خلط هذه الأمور مع التحليلات الفلسفية المتشددة المتعلّقة بالعلّة و المعلول.