48/04/16
الفقه السياسي ومفهوم بسط اليد الخفي في سيرة أهل البيت (عليهم السلام)/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الفقه السياسي ومفهوم بسط اليد الخفي في سيرة أهل البيت (عليهم السلام)
قد مرّ بنا الكلام في مسألة الجهاد الابتدائي من حيث الأقوال والآراء، حيث ورد في كلمات جماعة من متأخري الأعصار دعوى الإجماع على اشتراط إذن المعصوم فيه، وكان المرتكز في الذهن قديماً — تبعاً لكلمات هؤلاء الأعلام — أنّ المسألة إجماعية متسالمٌ عليها، ولم يخالف في ذلك إلا صاحب «الذخيرة» و«الكفاية» المحقق المولى محمد باقر السبزواري، والسيد الخوئي (قدس سرهما) [1] [2] ، نظراً إلى أنّ عبارات متأخري المتأخرين توحي بكون المسألة إجماعية لا خلاف فيها.
تحقيق دعوى الإجماع في اشتراط بسط اليد
ولكن بالتتبع الأخير: يظهر بجلاء أنّ المسألة ليست إجماعية، لا عند المتقدمين ولا عند المعاصرين من متأخري الأعصار، بل ذهب جملة منهم إلى مشروعية — بل وجوب — الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة، أو حتى في عصر حضور المعصوم (عليه السلام) وظهوره مع عدم بسط يده[3] ، كما كان الحال في زمن الأئمة: السجاد، والباقر، والصادق (عليهم السلام) وهلمّ جرّاً، أو في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) قبل أن تؤول إليه الخلافة الظاهرة، أو في عهد الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) في فترات عدم بسط أيديهما، وإن كانت قد مرت على أمير المؤمنين والحسنين (صلوات الله عليهم) فترات بسط يد تارةً، وفترات عدم بسط يد تارةً أخرى.
مفهوم بسط اليد الخفي والشبكات الموازية
والنكتة المهمة هنا: أنه ليس من الضروري حصر فرض بسط اليد في دائرة العلن والظهور فقط؛ إذ يمكن تصوير بسط اليد في الخفاء أيضاً، مع أنّ فقهاءنا (رحمهم الله) أو علماء الكلام والمفسرين لم يعنونوا هذا البحث مستقلاً في مصنفاتهم، وهو بحث جوهري من أبحاث الفقه السياسي والاعتقادي، ومفاده: أنّ بسط اليد لا ينحصر بالضرورة في الجانب المعلن، وعدم بسطه علناً لا يمنع من إمكانية أو فعلية تحقق بسط اليد في الخفاء؛ حيث إنّ بسط اليد يعدّ نوعاً من الحاكمية والنفوذ والقوة الاجتماعية والسياسية، وتلك نكتة بالغة الأهمية.
فإن قيل: هل كان لأهل البيت (عليهم السلام) دولة وشبكة خفية؟
فالجواب: نعم، حتى في العهد المكي لسيد الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله) كانت له (صلى الله عليه وآله) دولة وشبكة خفية بلا ريب. وكذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) طيلة خمسة وعشرين عاماً في عهد الخلفاء المتقدمين، كانت له شبكة استطاع بتوسطها أن يدير شؤون الفتوحات وإدارة الدولة في جانبي القضاء والتنفيذ؛ إذ لم يكن القوم بمستوى إدارة شؤون الأمة، وخلفاء بني أمية وبني العباس كانوا أهل لهو وقصور في التدبير، فكان الأئمة (صلوات الله عليهم) في واقع الأمر هم الذين يحفظون هذا الكيان ويديرونه. والشواهد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) على إدارتهم للأمور العامة وسياسة الأمة في الخفاء كثيرة جداً لمن تتبعها، وسيظهر للباحث الفاحص الشيء الكثير منها وإن لم ينكشف لنا كل تفصيل.
والحاصل: إنّ مسألة بسط اليد تصدق للأئمة المعصومين (عليهم السلام)، كما تصدق للفقهاء والمراجع وعلماء الدين، وليس بالضرورة أن تكون متمثلة في سلطان معلن؛ والشاهد على ذلك ما عشناه في زمن النظام البائد في العراق، حيث كان للسيد الخوئي (رحمه الله) نفوذ واقتدار عظيمان بلا شك وإن لم يكن ذلك معلناً في سلطة رسمية، وكان موقفه موقفاً شجاعاً بطولياً مشهوداً، بحيث لم يستطع ذلك النظام الجائر أن ينتزع منه كلمة واحدة لصالحه، وقد قدم السيد الخوئي (قدس سره) تضحيات جسيمة في هذا السبيل.
إنَّ دولةَ النظام البائد لم تستطع أن تفرض إرادتها على الدولة الخفيّة للسيد الخوئي (رحمه الله) على الرغم من كل ما اقترفته من ممارسات؛ وما نلمسه في عصرنا الحاضر كان متحقّقاً في عصر الأئمة (عليهم السلام) بصورةٍ أعظم وأوسع، حيث كان نفوذهم أشدَّ رسوخاً وأبعدَ مدى؛ فالإمام الصادق (عليه السلام) وإن كان موقعه الجغرافيّ في المدينة المنورة، إلا أنَّ نفوذه وسلطته كانا ممتدَّين إلى خراسان والعراق، وتُجبى إليه الأموال الطائلة، وتصل آثاره إلى بلدان غرب إفريقيا وما سواها.
الشواهد الروائية والتاريخية على مشروع إدارة المجتمع
والحاصل: إنَّ مسألة بسط اليد لأهل البيت (عليهم السلام) — بحسب المعالجة التي تناولها بها الأعلام طيلةَ عشرة قرون، سواءٌ في علم الحديث أم في علم الكلام أم في الفقه — محلُّ نظر وتأمّل؛ فإنَّ بسط اليد الظاهرة مبحثٌ، وبسط اليد الخفيّة مبحثٌ آخر، وتأسيس الإمام الصادق (عليه السلام) للمجتمع المؤمن على مستوى الإدارة والتنظيم أمرٌ مشهودٌ تاريخياً وروائياً؛ إذ إنَّ أكثر الروايات الواردة في نصب الفقهاء قضاةً وحكّاماً قد صدرت عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، حيث أقام نسيج المجتمع المؤمن على أساس الانقياد ابتداءً لنظام الإيمان.
ومثال ذلك: مقبولة عمر بن حنظلة الواردة عنه (عليه السلام): «انْظُرُوا إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا، وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا، وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا، فَارْضَوْا بِهِ حَكَماً، فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِماً»[4] [5] ؛ ممّا يكشف عن أنَّ الأئمة (عليهم السلام) كانوا يديرون حكومةً في خفاءٍ نسبيّ لا مطلق. ولا تنحصر الدلالة في روايةٍ مفردة، بل تتوافر شواهدُ أخرى كمعتبرة داود بن الحصين، ومعتبرة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال[6] [7] ، وغيرهما من المعتبرات.
والشاهد الآخر: ما ورد في صلاة الجمعة؛ إذ كان (عليه السلام) يحثُّ أصحابه — كزرارة ومحمد بن مسلم — على إقامتها، حتى روى زرارة أنَّه ظنَّ إرادة الحضور عنده، فقال له: أَنغدو عليك؟ فأجابه (عليه السلام): «لَا، إِنَّمَا عَنَيْتُ عِنْدَكُمْ»[8] [9] ؛ أي أقيموها فيما بينكم إذا أمنتم؛ ومقتضى إناطة السلطة القضائية وإقامة الحدود وإقامة صلاة الجمعة بالجماعة المؤمنة أنَّ الأئمة (عليهم السلام) كانوا بصدد بناء دولةٍ ومجتمعٍ متكامل ينصاع للقوانين الشرعيّة ويأتمر بنظامٍ داخليٍّ محكم.
والنتيجة: إنَّ استشعار الدولتين الأموية والعباسية لهذا الخطر الداهم كان هو السبب الحقيقي وراء ملاحقة الأئمة (عليهم السلام) واغتيالهم؛ لشعور تلك السلطات بأنَّ الإمام (عليه السلام) يملك بسطَ يدٍ واقعياً ونفوذاً وقاعدةً شعبية ودولةً موازية، فضلاً عن المحبّة العامّة التي يكنّها سائر المسلمين لأهل البيت (عليهم السلام)، ناهيك عن خواصّ شيعتهم المستعدين للبذل والفداء. وفي ضوء العلوم السياسية والاستراتيجية المعاصرة، لا تنحصر الدول في الأنماط البسيطة، بل تتشكّل دوماً في هيئات مركّبة ومتمازجة داخل البنى المجتمعية، على نحو يشبه الأنماط الفدرالية أو صيغ تقاسم النفوذ وتوزيع القوى.
وعليه: فإنَّ الدعوى القائلة بأنَّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قد انكفأوا على أنفسهم بعد واقعة عاشوراء، أو أنَّ غايتهم القصوى انحصرت في مجرّد حقن دماء المؤمنين، دعوى مجانبةٌ للصواب؛ إذ كانوا سائرين في مشروع بناء مجتمعٍ مؤمن وإرساء حكومة ظلّ فاعلة.
والدليل على ذلك: التقرير الاستخباراتيّ المرفوع في زمن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى هارون الرشيد، والمثبت في المصادر الرجالية والتاريخية[10] ، حيث رفع الواشي تقريراً أمنياً بالغ الخطورة مفاده: إنَّ في الأرض خليفتين يُجبى إليهما الخراج؛ موسى بن جعفر بالمدينة وأنت بالعراق، محذّراً من أنَّ بقاء نشاط الإمام ونفوذه المجتمعي سيؤدي حتماً إلى تقويض أركان الدولة العباسية.
«لماذا أنتَ يا هارون معك مائةُ ألف سيفٍ ضارب وتُجبى إليك الأموال، وموسى بن جعفر يتبعه سبعون ألف سيف ضارب؟!»؛ وهذا العدد مختصٌّ بالمقاتلين فحسب، أي سبعون ألف مقاتل، فكان لموسى بن جعفر (عليه السلام) عُدَّةٌ عسكريةٌ بحسب هذا التقرير، كما كانت لهارون عُدَّته، وكان عند الإمام رأسُ مالِ دولةٍ كما كان عند الخليفة العباسي؛ ومن هنا ثار الاستنفار الأمنيّ عند هارون، وشرع في سجن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، وهذا التقرير ذكره الطبريّ في تاريخه، والمتنُ عينُه مثبتٌ قبله في رجال الكشّيّ.
سعة مفهوم المهدوية وحتمية الدولة الإلهية
ولسنا الآن في صدد تفاصيل الحدث التاريخي، بل في مقام بيان المنصب الإلهي وشأن الأئمة (عليهم السلام)؛ ولذلك ورد في الروايات أنّه كان مقرَّراً بعد الإمام الحسين، ثمّ بعد الإمام الصادق، بل في بعضها بعد الإمام الباقر (عليهم السلام)، أن يكون مهديّ آل محمد هو الحسين (عليه السلام) [11] ، وهي رواياتٌ عديدة وليست روايةً واحدة، وهذا المعنى لا ينافي أبداً كون الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه) هو المهديّ الموعود؛ إذ الأمرُ دائرٌ مدارَ القضايا الشرطية؛ بمعنى أنّه لو قام المؤمنون بمسؤوليتهم لتمّ الأمر، وحيث قصّروا وتخاذلوا فقد بدا لله تعالى[12] .
والحاصل: أنّ مفهوم “المهديّ” في بيانات الوحي ليس محصوراً بالضرورة في خصوص خاتم الأئمة (عليهم السلام)، بل للمهدوية معانٍ ومراتبُ عديدة، والمرادُ منها في هذه الروايات: أوّلُ إمامٍ من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تتوفّر له الظروف الموضوعية لإقامة دولةٍ إلهيةٍ تامّة لا تتقوّض إلى يوم القيامة، بحيث لو تعاقبت عليها ألفُ سقيفةٍ لما استطاعت تقويضها، ولو جرت بعدها ألفُ كربلاءَ لما أمكن هدمُ بنيانها، فهذا هو المعنى المراد للمهديّ من آل محمد.
فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في متواتر حديثه: «مِنَّا سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ أَنَا، وَمِنَّا سَيِّدُ الْأَوْصِيَاءِ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَسَيِّدَةُ النِّسَاءِ فَاطِمَةُ، وَسَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ، وَالطَّيَّارُ»؛ فعدّد (صلى الله عليه وآله) جملةً من ألقاب الفضل ومقامات أهل البيت قائلاً: «مِنَّا مِنَّا، وَمِنَّا الْمَهْدِيُّ يَجْعَلُهُ اللهُ فِيمَنْ يَشَاءُ».[13]
تنبيه: إنّه ممّا أطبق عليه المسلمون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد مضى شهيداً مغتالاً بالسمّ ولم ينتقل عن دار الدنيا بموتٍ طبيعيّ على فراشه[14] [15] ؛ وأمّا تعيينُ المباشر لدسّ السمّ فمبحثٌ تاريخيّ وكلاميّ آخَر، والمقصودُ الوفاقُ على رحيله شهيداً مسموماً، وعلى كلّ تقديرٍ فإنّ ظروف الأمّة وتخاذلها لم يُسعفا النبيَّ (صلى الله عليه وآله) في تشييد تلك الدولة الخالدة ظاهراً في هياكلها التنفيذية، وإن كانت دولةُ الشريعة وأصلُ الدِّين محفوظينِ لا يزولان.
تجديد الفقه السياسي ولزوم الاستعانة بالعلوم الاستراتيجية
والنتيجة: أنّ هذه العناصر في الفقه السياسيّ إن لم نُدقّق في مفرداتها ومبانيها فستقع الغفلةُ عن حقائق كبرى، كما نبّه على ذلك الإمامُ السيّد محسن الحكيم (قدّس سرّه)؛ حيث درج الأعلام طيلةَ عشرة قرون على وتيرةٍ معيّنة من التدوين، فأكّد (رحمه الله) على أنّ أبواب الفقه السياسيّ بحاجةٍ ماسّة إلى صياغةٍ مستوعبة وتدوينٍ جديد في المصنّفات الفقهية[16] ، وثمّة فتوى أخرى ينقلها عنه أحدُ الأعلام — وقد طُبع الكتاب في حياته (رحمه الله) — سنأتي على بيانها لاحقاً، والمهمّ هو إصرارُه على إعادة صياغة هذا الفقه لينهضَ بالمسؤولية الإسلامية بكامل أبعادها.
إنّ من جملة ما يُسهم في تحقيق ما نبّه عليه السيد محسن الحكيم[17] وغيره من الأعلام، مسألة الاستعانة بأهل الخبرة الاستراتيجية في الشؤون العسكرية والأمنية؛ ولا يُراد بذلك خبيرٌ مفردٌ بعينه، بل مجموع خبراء البشر والمراكز البحثية والموسوعات الرصينة المعوَّل عليها إنسانياً في مجالات الاستراتيجية والإدارة والأمن وهياكل الدول والأنظمة؛ فإذا تمَّت الاستعانة بأهل الخبرة هؤلاء، أمكنت قراءة سيرة أهل البيت (عليهم السلام) قراءةً أكثر غوصاً وعمقاً من القراءة التي سطّرها علماؤنا الأعلام طيلة عشرة قرون، وشكر الله سعيهم ونحن عيالٌ على مائدة جهودهم، ولكن كما قيل: «كم ترك الأول للآخر»[18] ، من قبيل توظيف مفاهيم التوازن الرادع، وتوازن القوى، ونحوها من القواعد الحاكمة.
والحاصل: إنَّ الاستعانة بأهل الخبرة في هذه الحقول التخصصية لا تعني مجرد حملة الشهادات الأكاديمية العليا كالماجستير والدكتوراه -مع التقدير التام لجهود كل باحث علمي- بل المراد ما يضاهي إجماع أهل اللغة في علم اللغة، سواءٌ أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، أي الطبقة المتقدمة والرعيل الأول من أرباب الاختصاص في تلك العلوم، تماماً كما نفحص عن الأعلم في الفقه؛ وهذه الأعلمية مدارها البحث العلمي وليست تقليداً محضاً، ولا تنحصر بالمعاصرين منهم، بل تستوعب كافة الأجيال المتخصصة في علم الاستراتيجيات، وعلم الأمن، وعلم الاقتصاد.
وتأسيساً على ذلك: يظهر أنّ أهل البيت (عليهم السلام) قد أسّسوا «دول ظل» وأنظمةً خفية، ولم يكن الأئمة (عليهم السلام) -سواءٌ من تقدّم منهم على الإمام الحسين (عليه السلام) أو من تأخّر عنه- تاركين لمشروع إقامة الدولة قط؛ وإنَّ المقولة الشائعة بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) مكث طيلة خمسة وعشرين عاماً جليس بيته مقولةٌ باطلةٌ ومجافيةٌ للحقيقة التاريخية، إذ كان (عليه السلام) طوال تلك الحقبة في كبد المجتمع ووسط معترك الأحداث؛ وهذا المجتمع عينه -الذي خذل أمير المؤمنين (عليه السلام) في الأيام الأولى عقب رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله)- ما لبث أن بدأ ينبض بالثورة على مشروع السقيفة ومآلاته، ولم تنقدح شرارة هذه الحركة في عهد الخليفة الثالث فحسب، بل بدأت إرهاصاتها منذ عهد الثاني، حتى بلغت ذروتها في أواخر عهد الثالث، وكل ذلك كان ثمرةً لجهود أمير المؤمنين (عليه السلام) ونشاطه وتدبيره، كما صرّح بذلك الخليفة الثالث نفسه[19] [20] .
والشاهد على ذلك: أنّ هذا الحراك الدؤوب هو الذي دفع الأمة بأسرها إلى أن تهتف طواعيةً باسم علي (عليه السلام)، فكانت بيعته بيعةً عامةً حرةً لم تشبها شائبة سلاحٍ أو إرهاب؛ بخلاف بيعة الأول التي قامت تحت وطأة السلاح وسطوة القوة بمشاركة أربعة آلاف مقاتل أو أكثر من بني أسلم[21] [22] مع خذلان الأنصار، وعلى هذا النحو جرت البيعتان الثانية والثالثة، في حين تمخضت بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) عن اختيارٍ طوعي بلا إكراه؛ ولم يكن هذا التحول الجماهيري أمراً عفوياً، بل جاء نتاج نشاطٍ سياسي وتخطيطٍ محكم استمر ربع قرن.
ويتفرع على هذا المعطى: أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) استطاع أن يفرض على معاوية في وثيقة الصلح شرطاً يقضي بأن الخلافة لا يُعهد بها إلى أحد، بل تعود إليه بعد معاوية، فإن حدث به حدثٌ رجعت إلى الإمام الحسين (عليهما السلام) [23] [24] ؛ وإنَّ إذعان معاوية ورضوخه لهذا الشرط لخيرُ دليلٍ على امتلاك الإمام الحسن (عليه السلام) أوراق ضغطٍ وقوةٍ سياسية وعسكرية حقيقية، بحيث كان الصلح في واقعه معاهدةً بين دولتين ذاتَي سيادة، وليس تسليماً بين فردٍ ودولة.
إنَّ هذه الشؤون والوقائع إذا لم تُعرَض على خبراء استراتيجيين وأمنيين وعسكريين وإداريين، فإنَّها ستُقرَأ قراءةً سطحيةً خاويةً تجثم وتُعشِّش قروناً متطاولةً في الأذهان، وهذا أمرٌ يستتبع مسؤوليةً شرعيةً وعلميةً خطرة؛ إذ لا يسوغ بحالٍ قراءةُ سيرة الأئمة (عليهم السلام) بنظرةٍ مجتزأةٍ ساذجة، فهذا دينٌ وشريعةٌ يقتضي استنباطُ أحكامهما الاستعانةَ بأهل التخصّص والموضوعات، تماماً كما نستعين باللغويين في فهم دلالات الألفاظ، وبأهل الفلك في إدراك المطالع والظواهر الكونية، وبالمتخصّصين في علم التشريح والطب، ومقتضى ذلك سريانُ القاعدة عينِها على علوم الإدارة والاجتماع والسياسة، وليس المراد بالاستناد هنا الانتماءَ إلى فئةٍ أو جهةٍ سياسيةٍ معيّنة، بل الاستفادةُ من التراكم المعرفي للمجتمع البشري المتخصّص في العلوم السياسية وروّاد هذا الشأن؛ فالأعلمية في تشخيص هذه الحيثيات لا تنحصر في فردٍ بعينه، بل مرجعها إلى مجموع أهل الخبرة من ذوي الاختصاص، وسواءٌ أكان الخبيرُ مسلماً أم غيرَ مسلم؛ لأنَّ هذه العلوم جهاتٌ معرفيةٌ قائمةٌ برأسها، كعلم القيادة العسكرية، والتدبير الأمني، والتخطيط الاستراتيجي، ونحوها.
والحاصل: أنَّ المحمول يظلّ فقهياً محضاً، وتظلّ أدوات الاستنباط فقهيةً أصيلة، غيرَ أنَّ تنقيح الموضوع وتشخيصه — كما نبّه عليه الميرزا أبو الحسن الشعراني (رحمه الله) [25] — يُعدّ من أدقّ وأصعب المسائل في علم الفقه؛ إذ لكلّ بابٍ موضوعه الخاص وخبراؤه المعنيّون به.
وهذه نكتةٌ في غاية الأهمية عند تدوين أبواب الفقه السياسي وتأسيس مسائله، ومفادُها لزوم الرجوع إلى أهل الخبرة، وعدم الغفلة عن تدقيق مفهوم «بسط اليد»[26] ؛ فإنَّ هاجس إقامة الدولة وتثبيت أركان الحكم كان حاضراً وملازماً لحركة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) على الدوام، غيرَ أنَّ أشكال الدول والأنظمة ومستوياتها تتفاوت في درجاتها وظروفها الموضوعية.
سياسة التغلغل الإداري والنفوذ في هياكل الدولة
حتى إنَّ الأئمة (عليهم السلام) كانوا يعتمدون سياسة النفاذ والتغلغل، بدفع رجالاتهم وتثبيتهم داخل مفاصل الدولة القائمة؛ كما أثبت بعض الباحثين إحصاءَ ستة عشر رجلاً من خواص أصحاب الأئمة (عليهم السلام) أُدخلوا في أجهزة الحكم لدى الدولتين الأموية والعباسية، ولم تكن أدوارهم مقتصرةً على الشؤون الوظيفية العامة، بل كانوا فقهاءَ كباراً ووجوهاً تُقصَد في الفتيا والمعالم الشرعية، من قبيل:
• عبد الله بن سنان[27] ، الذي كان خازناً للمنصور والمهدي.
• وعلي بن يقطين[28] ، الذي تسنّم الوزارة في عهد هارون الرشيد بأمرٍ صريحٍ من الإمام الكاظم (عليه السلام).
• ومحمد بن إسماعيل بن بزيع[29] ، صاحب القصر الأبيض وأحد كبار رجال الدولة والوزارة في عهد المأمون؛ حيث كان توجيه هؤلاء الأعلام لشغل تلك المناصب صادراً من الأئمة (عليهم السلام) مباشرة.
والنتيجة: أنَّ الأئمة (عليهم السلام) كانت لديهم خطةٌ استراتيجيةٌ متكاملة لتمديد النفوذ واكتساب عناصر القوة وبناء كياناتٍ متعدّدة وفق القواعد الموضوعية للعلوم السياسية والاجتماعية؛ وهي هياكل تنظيمية متراكبة تقوم على آليات الاختراق المشروع والتغلغل الإداري، ورعاية النسيج الديمغرافي والاجتماعي للجماعة المؤمنة، وتأسيس نظام «حكومة الظل» والدولة الخفية التي تدير شؤون الأمة وترعى مصالحها.
وتأسيساً على ذلك: فإنَّ هذه المقامات والأبعاد لا تتجلّى حقيقتُها إلا بالاستنارة بمقررات الخبراء في الشؤون العسكرية والأمنية والإدارية والاستراتيجية؛ إذ لا يسوغ لمن يتصدّى لتدوين تاريخ الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) ومقاربة قراراته العسكرية والإدارية أن يستغني عن معطيات أهل الاختصاص، فالأمر يتجاوز حدود المعرفة اللغوية المحضة أو تتبّع النقول التاريخية المجرّدة دون فقه مراميها وسبر أبعادها، وتلك مسؤوليةٌ علميةٌ ومنهجيةٌ تقع على كاهل الباحثين لترصيف قواعد الاستنباط في حقل الفقه السياسي.