48/04/15
حكم الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة ودور المعصوم في إدارة الفتوحات/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /حكم الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة ودور المعصوم في إدارة الفتوحات
أقوال الفقهاء المعاصرين والمتأخرين في الجهاد الابتدائي
جماعةٌ من الأعلام قائلون بأنَّ الجهاد الابتدائي لا يسقط في زمن الغيبة؛ فمن القدماء جماعة، ومن متأخري الأعصار والمعاصرين يميل صاحب الجواهر إلى ذلك، وممن ذهب إلى هذا الرأي أيضاً السيّد عبد الأعلى السبزواري في “مهذب الأحكام”[1] حيث بحث عدم سقوط الجهاد الابتدائي في الغيبة الكبرى، وكذلك السيّد محمد صادق الروحاني في “فقه الصادق” [2] ، ومن تلامذة السيّد الخوئي أيضاً الميرزا جواد التبريزي، والسيّد محمود الهاشمي، والشيخ المنتظري؛ فهناك جماعة كثيرة من المعاصرين يذهبون إلى هذا الرأي.
وفي المقابل نجد في “المسالك” وغيرها القول بعدم الاكتفاء بنائب الغيبة في الجهاد الابتدائي وأنَّه لا يجوز له تولّيه، بل في “الرياض” نفيُ علم الخلاف فيه[3] ، ومسألة نفي الخلاف لا يُعوَّل عليها دائماً؛ فالإنسان إذا تتبّع وجد الأمر بخلاف ذلك، فكم من دعوى للتسالم يظهر بالتتبّع خلافها، وقد نفى الخلاف حاكياً له عن ظاهر “المنتهى” للعلامة الحلّي وصريح “الغنية” لابن زهرة، - وإجماعات الغنية مما يحتاج الباحث إلى التثبّت فيها -، إلا عن أحمد بن حنبل في الأول.
وقد علّق صاحب الجواهر بأنَّ ظاهرهما الإجماع، مضافاً إلى ما تضافر من النصوص المعتبرة في اشتراط حضور الإمام، وإلّا لأمكنت المناقشة فيه بعموم ولاية الفقيه في زمن الغيبة نيابةً عن المعصوم (عليه السلام) الشاملة لهذا الشأن، المعتضدة بعموم أدلة الجهاد فترجّح على غيرها[4] ، مما يعكس ميل صاحب الجواهر إلى عدم سقوط الجهاد الابتدائي.
دلالة كلام الشيخ المفيد وتلازم الجهاد الدفاعي مع الابتدائي
وأما من القدماء، فقد تقدّم كلام الشيخ المفيد في “المقنعة” في باب القضاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[5] ؛ حيث فوّض الأئمة (عليهم السلام) النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم، وقرّر أنّ من استطاع إقامة الحدود على من يليه وأمِن بوائق الظالمين لزمه ذلك، وهذا فرضٌ متعيّنٌ على من نصبه سلطان الجور المتغلّب قاضياً أو حاكماً أو والياً على ظاهر خلافته له أو الإمارة من قبله، فيلزمه إقامة الحدود وتنفيذ الأحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار ومن يستحق ذلك من الفجّار.
وهذه وظيفة الحاكم والوالي ووظيفة السلطة التنفيذية، وفيها تصريحٌ بأنَّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مختصاً بالعمل الفردي، فيجب تنفيذ الأحكام وجهاد الكفار، مما يُثبت المسؤولية والنشاط العسكري، فهذا نصٌّ صريحٌ من الشيخ المفيد.
وقد يُشكل على ذلك: بأنَّ مراد الشيخ المفيد هنا هو الجهاد الدفاعي للكفار وليس الجهاد الابتدائي.
أولاً: كلامه مطلقٌ لم يُقيَّد بزمن الحضور دون الغيبة.
وثانياً: سنبيّن أنّ جهاد الكفّار الدفاعيَّ متلازمٌ مع جهاد الكفّار الابتدائي، وهذا أحدُ أدلّة عدم سقوط الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة الكبرى؛ إذ في مقام الدفاع إذا انتصر المسلمون ولم يروا أَمْناً من دَحْر عدوّهم إلّا بالاستيلاء على مناطق منه، فإنّ طبيعة المناوشات العسكرية القائمة على الكرّ والفرّ تستدعي الغزو وتوسعة دار الإسلام. وهذا ممّا يُنبّه على أنّ الجهاد الدفاعي يستلزم الجهاد الابتدائي أيضاً لتوسعة الرقعة، كما هو معمولٌ به بين البشر في التنازع العسكري؛ حيث إنّ الدولة المنتصرة توسّع رقعتها على الدولة الأخرى، سواء أكان ذلك عدواناً أم عدلاً، فبالتالي تُمثّل المبادأة بالقتال إحدى آليات الدفاع الواقعي.
والمتحصّل: أنّ عبارة الشيخ المفيد هذه الواردة في «المقنعة»[6] يظهر منها مشروعيّة الجهاد الابتدائي في ظلّ سلطان الجور؛ حيث فكّك الشيخ المفيد في هذه العبارة ليبيّن أنّ هذا مشروطٌ بإذن الإمام (عليه السلام) لا بإذن سلطان الجور.
موقف أبي الصلاح الحلبي والتفكيك بين نصرة الدين وسلطان الجور
وممّن ذهب إلى ذلك أيضاً أبو الصلاح الحلبي[7] المعاصر للشيخ الطوسي (والظاهر أنّه توفي قبله)، وهو تلميذ الشريف المرتضى وتلميذ الشيخ المفيد، وكان متضلّعاً في علم الكلام؛ ومن ثَمَّ كان تدقيقه في الفقه السياسي أكثر من غيره من الأعلام، حيث يقول في مصنّفه: «يجب جهاد كل من الكفار والمحاربين من الفساق ، عقوبة على ما سلف [ من ] كفره أو فسقه ، ومنعا له من الاستمرار على مثله بالقهر والاضطرار ، لكون ذلك مصلحة للمجاهد على جهة القربة إليه سبحانه والعبادة له ، على كل رجل حر كامل العقل سليم من العمى والعرج والمرض مستطيع للحرب ، بشرط وجود داع اليه »[8] .
والشرط هنا: هو وجود قائدٍ داعٍ إليه، فما هي شرائط هذا الداعي ومواصفاته؟ سواء أكان معصوماً (عليه السلام) أم نائب المعصوم؛ فيُشترط وجود داعٍ إليه يُعلَم أو يُظَنّ من حاله السير في الجهاد بحكم الله تعالى لكلّ من وصفناه من المحاربين، فإن كان الداعي إليه غير من ذكرنا وجب التخلّف عنه مع الاختيار، فإن خِيف جانبه جاز النفير معه لنصرة الدين لا لنصرة سلطان الجور.
والدلالة فيه: أنّ هذا تصريحٌ بأنّ الجهاد في ظلّ سلطان الجور مشروعٌ إذا وُظّف لصالح نصرة الدين؛ فمَيّز الحلبي نظام الدين عن نظام السلطان الجائر، وهو ما قرّرناه سابقاً من أنّ النظام طبقاتٌ وليس طبقةً واحدة.
ويقول الحلبي بعد ذلك: «وليقصد المجاهد والحال هذه نصرة الإسلام والدفع عن دار الايمان ، دون معونة المتغلب على البلاد من الأمر»[9] ؛ وخالف الجهاد الدفاعيُّ الجهادَ الأوّل، لأنّ الجهاد الأوّل جهادٌ مبتدأٌ وُقِف فرض النصرة فيه على داعي الحقّ لوجوب معونته، دون داعي الضلال لوجوب خذلانه، وحال الجهاد الثاني — وهو الدفاع — بخلاف ذلك؛ لتعلّقه بنصرة الإسلام، ودفع العدوّ عن دار الإيمان، لأنّه إن لم يُدفع العدوّ دُرِسَ الحقّ وغُلِبَ على دار الإيمان وظَهَرَت كلمة اللغو والكفر، ونصُّ هذا التعليل هو عينُ المضمون الوارد في علل الرضا (عليه السلام) [10] [11] .
«ان لم يدفع العدو ، درس الحق وغلب على دار الايمان وظهرت بها كلمة الكفر.» [12] ؛ فهذا المضمون يظهر من كلام أبي الصلاح الحلبي في بعض الصور والأحوال.
ومقتضى ذلك: أنَّ الجهاد الابتدائي غير ساقط في زمن الغيبة الكبرى، وغاية الأمر أنَّه يجب على المجاهد أن يوجّهه لنصرة الدِّين والإسلام، لا لنصرة سلطان الجور.
تنبيه: حين يُقال: ليس لنصرة سلطان الجور، فلا يعني ذلك أنَّه لو تلازم الأمران ألا يُراعى الأهمّ، وهو اتّساع دار الإسلام والذّود عن حريمها، كما سنبيّن ذلك جليّاً من سيرة الأئمة التّسعة من ولد الإمام الحسين (عليه السلام)؛ فإنَّ سيرتهم التاريخية جرت على هذا النحو تماماً.
والشاهد على ذلك: سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسِهِ حين غُصبت الخلافة منه؛ إذ كان مع ذلك المهندس الأوّل والقائد المدبّر لفتح بلاد فارس وفتح الروم، وهو القائل ما مضمونه: «إنَّها لي، وأتى الجيلُ اللاحق لا يعلم أنَّها لي»، حيث نُسبت تلك الفتوحات تدبيراً لزعماء السقيفة[13] ، وهو عين ما نقلناه واستقصيناه في كتابنا «الصحابة بين العدالة والعصمة» في فصول الفتوحات[14] .
والحاصل: أنَّ هذا التدبير كان عاملاً منبّهاً إلى أنَّ دعوى أمير المؤمنين (عليه السلام) تسندها وثائق ومستندات تاريخية قطعية؛ إذ إنَّ كتب الفتوحات والتاريخ المتقدّمة في القرون: الثاني والثالث والرابع، تطفح بالشواهد الجليلة على أنَّ العقل المدبّر والمخطّط العسكري لتلك الفتوحات هو شخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
• ففي معركة القادسية: لولا حضور عمّار بن ياسر وما قدّمه من توجيهات وخطط حاسمة لما كُتب الفتح للمسلمين، خلافاً لما يُدعى ويروّج له لسعد بن أبي وقّاص، وهذا مثبت في صريح مصادرهم التاريخية.
• وكذلك في معركة نهاوند: كما أثبته أحمد بن أعثم الكوفي في كتابه «الفتوح» وغيره[15] ، حيث يُذكر أنَّ عمر بن الخطّاب كان يرتجف وتصطكّ أسنانه هلعاً وخوفاً ممّا بلغه من الحشود العظيمة المجتمعة للفرس في نهاوند، فقام الصحابة يشيرون عليه بآراء شتّى، فقال متوجّهاً لأمير المؤمنين: يا أبا الحسن، قم فدِين ابن عمّك يتهدّده الخطر وأغثنا! فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) ورسم في ثلاث صفحات مخطّطاً عسكرياً محكماً وتوزيعاً دقيقاً للجند، وطُلب منه إدارة الخطّة والإشراف على تطبيقها، وهذه التفاصيل مبثوثة في فتوح ابن أعثم وشواهدها مستفيضة في كتب الصحاح والتواريخ.
ومن الشواهد أيضاً: ما جمعناه في ملفّ فتح بلاد الروم، ولا سيّما في معركة اليرموك التي تُعدّ أعظم واقعة تاريخية دارت بين المسلمين والروم؛ إذ بلغ جيش الروم أربعمائة ألف مقاتل، بينما كان جيش المسلمين أربعين ألفاً، أي عُشر العدد. وقد بدأت الجولة الأولى بقيادة أبي عبيدة بن الجرّاح فهُزم المسلمون، ثمّ دارت الجولة الثانية بقيادة خالد بن الوليد فهُزم المسلمون أيضاً، فصاح خالد حينئذٍ بمالك الأشتر يستنجده ويسأله عمّا يراه صاحبه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال مالك: «سلّموني القيادة وأنا أطبّق ما أمر به»، فسلّموا له قيادة الجيش، وكانت هند بنت عتبة تستبشر بكسر المسلمين في الميدان وتنشد أشعار معركة أُحُد: « نحن بنات طارق نمشي على النمارق»[16] ، فكتب الله تعالى النصر الحاسم للمسلمين على يد مالك الأشتر بتدبير وتوجيه أمير المؤمنين (عليه السلام) في اليرموك، وكذلك جرى التخطيط والإسناد في معارك جلولاء وقنّسرين وغيرها.
والنتيجة: أنَّ التدبير العسكري والسياسي كان معقوداً لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وما جمعتُه في هذا الباب كان بادرة تأسيسية، ثمّ توسّع في تتبّع هذه البادرة واستقرائها الشيخ علي الكوراني (رحمه الله) في خمسة مجلّدات، ونِعْمَ ما أودع واستقصى في كتابه «جواهر التاريخ»[17] ؛ حيث استقصى المصادر المتقدّمة ونظّمها بصورة أوسع.
والخلاصة: أنَّ هذا البحث يكتسي أهمّية بالغة؛ فمع أنَّ الأمر ينطلي على كثير من المؤرّخين ويُحسب في الإطار الدعائي لصالح زعماء السقيفة، إلّا أنَّ واقع حركة انتشار الإسلام وتوسيع رقعته الجغرافية كان بتدبير مباشر وتوجيه استراتيجي من أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
بل عند تتبّع هذا الملفّ يظهر أنّه ما من انتشارٍ للإسلام إلّا وكان ببركة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وذرّيّتهم من السادة، حتّى في أقصى البلدان كماليزيا وإندونيسيا، وكذلك في «قازان» وهي حاضرة إسلاميّة خاضعة للسلطة الروسيّة بالقرب من موسكو، حيث دخل أهلها في دين الله أفواجاً سلماً. ويعترف الكاتب إبراهيم الفقي في مقالةٍ مهمّة له بأنّ اعتناق أهل مصر وبلاد المغرب العربيّ للإسلام لم يكن مدفوعاً بحدّ السيف وحركة الفتوحات، بل كان نتاجاً لسيرة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)؛ إذ كان أهل الذمّة والمعاهدة يسلمون تأثّراً بمداراتهم وحسن تعاملهم.
والمقصود من هذا الاستعراض: تبيان أنّ الوظائف الشرعيّة الملقاة على عاتق الأئمّة (عليهم السلام) لا تسقط تحت ظلّ سلطان الجائر، ولم يكونوا (عليهم السلام) ليعطّلوها مع إمكان التصرّف وبلوغ المكنة.
والشاهد عليه: ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في ردّه على مقولة الخوارج: ««وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الْأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ»[18] ، فعلّة هذه اللابدّيّة والضرورة العقليّة والاجتماعيّة هي القيام بوظائف إدارة المجتمع وحفظ النظام العامّ المذكورة في كلامه (عليه السلام).
ومثال ذلك أيضاً: ما رواه الإمام الرضا (عليه السلام) في صحيحة يونس بن عبد الرحمن المعتمدة في فتاوى الفقهاء، حين سأله عن الرجل يرابط في الثغور، فمنعه الإمام (عليه السلام) في شقوقٍ متعدّدة، حتّى قال: «يُرَابِطُ وَ لَا يُقَاتِلُ وَ إِنْ خَافَ عَلَى بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ وَ الْمُسْلِمِينَ قَاتَلَ فَيَكُونُ قِتَالُهُ لِنَفْسِهِ وَ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ ... لِأَنَّ فِي دُرُوسِ الْإِسْلَامِ دُرُوسَ دِينِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)» [19] [20] ؛ فالدفاع واجبٌ لئلّا تنقلب دار الإسلام دار كفر، وهذا ليس واجباً منوطاً بقوميّة أو فئةٍ مخصوصة، بل هو تكليفٌ شرعيّ عامّ يقع على كاهل المسلمين جميعاً.
ويتفرّع على ذلك: فتوى مراجع النجف الأشرف بوجوب الجهاد الدفاعيّ إبّان الاحتلال الأجنبيّ لليبيا وفلسطين — كالسيد محمد كاظم اليزدي والميرزا محمد تقي الشيرازي وغيرهما — انطلاقاً من المرتكز نفسه، وهو عدم سقوط هذه الوظائف الشرعيّة، مع الالتفات إلى التفكيك الدقيق بين حفظ نظام الإسلام وحوزة الإيمان من جهة، وبين دعم السلطان الجائر من جهةٍ أخرى.
وعلى هذا النهج جرى دخول علي بن يقطين في حكومة بني العباس؛ إذ مثّل عمليّاً تفكيكاً بين شخص السلطان الجائر وبين بنية النظام ومصالحه العامّة، فهذا النظام ليس ملكاً شخصيّاً لآباء العباسيين، بل هو مِلْكٌ للمسلمين جميعاً تجري حمايته ورعايته بوصفه أمانةً دينيّة، كما عبّر عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: ««فَصَبَرْتُ وَ فِی الْعَیْنِ قَذًی وَ فِی الْحَلْقِ شَجًا أَرَی تُرَاثِی نَهْباً»»[21] ؛ حيث لم يقصد التراث القبليّ والعشائريّ، وإنّما قصد وراثة المقامات والوظائف الدينيّة والسياسيّة التي سنّها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيتعيّن حفظ هذا التراث النبويّ والعلويّ من هذا المنطلق وبهذا اللحاظ.
والحاصل: أنّ أبا الصلاح الحلبيّ يلتزم بهذا الرأي من بين القدماء، أمّا الشيخ الطوسي (رحمه الله) فالظاهر من كلماته الإجمال الذي لا يحمل نفياً قاطعاً ولا إثباتاً صريحاً؛ حيث قرّر في «النهاية» اشتراط وجوب الجهاد بظهور الإمام العادل أو حضور من نصبه للقتال، وسقوط الوجوب مع عدمهما[22] ، وتردّد مراده بمن نصبه الإمام بين المنصوب الخاصّ والنائب العامّ، ثمّ استثنى (رحمه الله) قائلاً: «اللهمّ إلّا أن يدهم المسلمين أمرٌ من قبل العدوّ يُخاف منه على بيضة الإسلام ويُخشى بواره، أو يُخاف على قومٍ منهم، وجب حينئذٍ أيضاً جهادهم ودفاعهم»[23] ؛ مبيّناً أنّ قصد المكلّف حينذاك هو الدفاع عن النفس وحوزة الإسلام والمؤمنين، لا الجهاد تحت راية السلطان الجائر لإدخال الكفّار في الإسلام. ويسير كلام الشيخ في «المبسوط» و«الاقتصاد» على هذا المنوال[24] [25] ، وهو سياقٌ مجملٌ لا يُستفاد منه نفيٌ جازم للجهاد الابتدائيّ ولا إثباتٌ قطعيّ له في عصر الغيبة.
قال: «وَلِوُجُوبِهِ شُرُوطٌ؛ أَوَّلُهَا وُجُودُ إِمَامٍ عَادِلٍ، أَوْ مَنْ نَصَبَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ لِلْجِهَادِ»، فكما قال الشيخ الطوسيّ في الفقه بنصبه في الغيبة للقضاء، فهل نصبه أيضاً للجهاد أم لا؟ ومقتضى ذلك أنّ كلام الشيخ لا يُفهم منه النفي ولا الإثبات، بل هو كلامٌ مجمل. وكذلك كلام الشيخ الطوسيّ في «مصباح المتهجد» —وهو يشتمل أيضاً على أبوابٍ فقهية في العبادات— حيث ذكر المضمون ذاته من أنّه: «لا يلزم الجهاد إلا بحضور إمام عادل أو من نصبه الامام للجهاد، ومع فقد الامام العادل أو فقد من نصبه لا يلزم الجهاد،»[26] ؛ فكلامه (رحمه الله) في «المصباح» أو في «المبسوط» أو في «الاقتصاد» لا يتضمّن نفياً صريحاً ولا إثباتاً.
وأمّا كلام الحلبيّ الآخر: —وهو غير أبي الصلاح الحلبي— المعاصر للشيخ الطوسيّ، فقد قال في كتابه «إشارة السبق» في باب الجهاد الابتدائيّ عند ذكره لشروط الوجوب: «والحرية والذكورة والبلوغ وكمال العقل… مع أمر الإمام الأصل به—وإمام الأصل يعني المعصوم، وهو اصطلاحٌ فقهيٌّ لدى الإمامية— أو من نصبه وجرى مجراه أو ما حكمه حكم ذلك»[27] .
والسؤال هنا: ما هو هذا الشقّ الثالث؟
والحاصل: أنّ الحلبيّ أيضاً يُفهم من كلامه أنّ جهاد الكفار يشرع في جملةٍ من الحالات؛ وحيث إنّ جهاد الدفاع ضدّ الكفار يتلازم مع الجهاد الابتدائيّ —كما مرّ بنا— فهذا ما نرجئ بيانه إلى الدرس القادم.