48/03/26
هيكل النظام السياسي والعسكري في الفقه الإسلامي ومسؤولية بناء القوة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /هيكل النظام السياسي والعسكري في الفقه الإسلامي ومسؤولية بناء القوة
قصور التدوين الفقهي في المسؤوليات السياسية والعسكرية
إنَّ المدوَّن في باب الجهاد وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — كما نبّه عليه السيد محسن الحكيم (رحمه الله) في إحدى فتاواه — لم يستوعب ما ينبغي استيعابه عبر تلك القرون المتطاولة من التدوين الفقهي، ولا يُحيط بمجمل الوظائف والمسؤوليات السياسية والاجتماعية والعسكرية والدينية العامة الملقاة على عاتق المؤمنين؛ ومقتضى عدم الاستيعاب هذا وقوعُ تفريطٍ في هذه الوظائف، وهو تفريطٌ تعليميٌّ يستتبعه بطبيعة الحال تفريطٌ عملي. وقد نقل هذه الفتوى عن السيد الحكيم والميرزا عبد الهادي الشيرازي (رحمهما الله) الشيخُ عبد الهادي الفضلي (رحمه الله) في كتابه «في انتظار الإمام»[1] ، كما نُشرت في مجلة «الأضواء» الصادرة في حوزة النجف الأشرف[2] ، والتي طُبع أرشيفها حديثاً في عدّة مجلدات.
ومفاد الفتوى: ما قرّره السيد محسن الحكيم والميرزا عبد الهادي الشيرازي (رحمهما الله) من أنّ المعروف والمنكر في الميادين السياسية والاجتماعية والأمنية من الأمور الخطيرة التي تُسترخص في سبيلها الدماء وتُبذل بإزائها المهج والغالي والنفيس؛ ومآل بيانهما أنّ ما هو الأهمّ والأعظم شأناً قد وقع التفريط في تدوينه وتدريسه في الحواضر العلمية، في حين استُفرغ الجهد وبُسط الكلام فيما هو دونه رتبةً وأثراً. وتأسيساً على ذلك، فلا غَرْوَ إن وُجد قصورٌ في الوسط العلمي عن إدراك هذه المسؤوليات والوعي بها، نظراً لغياب الضخّ والتدوين الفقهي الكافي في هذا المضمار.
وحتى ما دُوِّن في مباحث الجهاد — وهو ما يُعبّر عنه في الاصطلاح المعاصر بالمسؤوليات العسكرية — فإنه قاصرٌ عن استيعاب كافّة الوظائف تجاه القوة العسكرية؛ على الرغم من ثبوت فتاوى متسالمٍ عليها بين الفقهاء قاطبةً تتعلق بالقوة العسكرية وسائر القوى المنظِّمة للاجتماع الإنساني، إلا أنّهم أوردوها مفرَّقةً ومشتتة في أبوابٍ متفرقة، مع أنّ الحريّ بها والأنسب لمقتضاها أن تُدرج في مظانّها من باب الجهاد أو باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وليس الغرض من هذا العرض تسجيلَ عتابٍ تاريخي، بل هو نقلٌ صريحٌ لرأي جملةٍ من كبار الأعلام في ضرورة النهوض بحركةٍ علمية تستوعب هذه المسؤوليات وتتحمّل أعباءها.
بسط النظام الإسلامي ووجوب الجهاد في عصر الغيبة
ومن الشواهد البارزة على ذلك: التزام السيد الخوئي (رحمه الله) بوجوب الجهاد الابتدائي[3] في عصر الغيبة الكبرى، حيث يرى أنّ الجهاد الابتدائي يراد به توسعة دار الإسلام وبسط النظام الإسلامي؛ وفي هذا المبحث من «منهاج الصالحين» في كتاب الجهاد[4] ، لا يعترف السيد الخوئي بالحدود والأوطان الجغرافية التي رسمتها معاهدة سايكس بيكو[5] ، بل يعدّها حدوداً وهمية وفواصل مصطنعة أنشأها الاستعمار لتمزيق الأمة الإسلامية وتفتيتها؛ فالوطن في المنظار الفقهي الأصيل يُباين مفهوم الوطن بالمنظار الاستعماري الذي تأثّر به بعض الكتّاب والمفكرين في تنظيراتهم؛ وإقامة النظام الإسلامي وحفظه أمرٌ مفروغٌ منه عنده بوجوبه العيني وعدم سقوطه أو تعطيله في عصر الغيبة الكبرى.
والحاصل: أنّ هذا المسار البحثي ينبّه بوضوح إلى أنّ ثلّةً من أعاظم الفقهاء يرون أنّ ما دُوِّن عبر القرون السالفة في بابَي الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد جاء مختزلاً ومقتضباً، بل ومخلاً ببيان أعظم الوظائف والواجبات الملقاة على المكلفين؛ وما سنورده في هذا السياق ليس مجرد تمثيلٍ عابر، بل هو مؤشرٌ علميٌّ دقيق ومستندٌ فقهيٌّ وثيق.
تحريم بيع السلاح والتأسيس لقواعد المنعة وبناء القوة
لقد أثبت الفقهاء في باب المكاسب المحرّمة جملةً من المسؤوليّات السياسيّة والاجتماعيّة والعسكريّة والماليّة والإداريّة، ممّا لم يُدرجوه في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا في باب الجهاد؛ وتلك المسؤوليّات التي قرّروها في المكاسب المحرّمة جاءت على نحو الوجوب الإلزاميّ لا الاستحباب، وهو وجوبٌ عظيمٌ يفوق في خطورته وأبعاده كثيراً ممّا سُطّر في بابَي الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذا الأمر: يشهد بصدق ما تقدّم عن الأعلام؛ كالسيّد محسن الحكيم، والميرزا عبد الهادي الشيرازي، والسيّد الخوئي (رحمهم الله)[6] ، من أنّ الواجبات والمسؤوليّات العسكريّة والسياسيّة والأمنيّة والدينيّة العامّة لم تستوعبها المدوّنات الفقهيّة طيلة عشرة قرون في ذينك البابين.
والشاهد على ذلك: ما أفتى به الفقهاء في باب المكاسب المحرّمة من تحريم بيع السلاح لأعداء الدين؛ وهي فتوى وقع الاتفاق والإجماع عليها بين سائر الفقهاء قاطبة، سواءٌ في ذلك من عُرف عنه المسلك السياسيّ، أم من لم يكن له خوضٌ في الشؤون السياسيّة ممّن يُصطلح عليه بالمسلك التقليديّ؛ إذ اتّفقت كلمتهم جميعاً على هذه الفتوى.
ومؤدّى هذا الحكم: أنّ السلاح يمثّل القوّة العسكريّة التي يجب على المؤمنين حيازتها واختزانها، وتَحرُم الحيلولة دون ذلك بتمكين المخالفين منها، فضلًا عن الأعداء المحاربين.
وهنا نجد من يتنكّر للاقتداء بسيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، مع أنّ المعهود تاريخيّاً في افتراق الفِرَق إنّما كان بالزيادة في عدد الأئمّة أو بالوقف عند إمامٍ معيّن[7] ؛ فالزيديّة وقفوا عند الإمام زين العابدين (عليه السلام)، والفطحيّة والواقفيّة عند الإمام الكاظم (عليه السلام)، والناووسيّة عند الإمام الصادق (عليه السلام)؛ أمّا أن يعتقد المرء بالأئمّة اللاحقين وينفي في الوقت نفسه الاقتداء بالأئمّة السابقين كالإمام الحسين (عليه السلام) فهذه مقالةٌ مستحدثةٌ وغريبة؛ إذ كيف لا يُقتدى بسيّد الشهداء (عليه السلام)؟! ونحن في هذا المقام لا نُحاكم النوايا والضمائر، وإنّما نُحاكم خطورة ما تنطق به العبارة؛ فإنّ اللفظ هو مناط المؤاخذة والحساب، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾[8] .
والحاصل: أنّ هذا الحكم بحرمة بيع السلاح — الذي أجمع عليه علماء الإماميّة — لم يكن مستندُهم فيه مقتصراً على الروايات الخاصّة المرويّة عن الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام) بدعوى اختصاصها بظروفٍ معيّنة، أو بزعم أنّ الأئمّة المتأخّرين كفّوا عن النشاط السياسيّ والعسكريّ؛ إذ إنّ تلك المفاهيم القاصرة إنّما نشأت في الوسط العلميّ من جرّاء النقص في تدوين نظام الفقه السياسيّ لأهل البيت (عليهم السلام) على وجهه الأكمل.
والدليل على ذلك: أنّ علماء الإماميّة استدلّوا على حرمة بيع السلاح بقواعد وأصولٍ تشريعيّةٍ كبرى في الدين، كما نصّ على ذلك المحقّقون؛ كالسيّد اليزديّ[9] ، والآخوند الخراسانيّ[10] ، وصاحب الجواهر[11] وغيرهم؛ حيث تمسّكوا بقواعد قرآنيّة عامّة، كقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾[12] ، وقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾[13] ؛ فإنّ مقتضى العزّة المشروطة للمؤمنين أن لا يكونوا في موضع ضعفٍ وهوان، بل لا قوام لها إلّا بحيازة أسباب القوّة والمنعة.
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾[14] ؛ فهل جاء التعبير بـ (على المسلمين) أم بـ (على المؤمنين)؟ وما الفارق الدقيق بينهما؟ فإنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) يوجّه الأنظار إلى ضرورة الالتفات والتدقيق في هذه الموارد، ومثاله قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾[15] ، حيث يُحاسَب الكافر على ترك الزكاة؛ والمتحصّل من ذلك وجوب التدقيق في العناوين؛ إذ جاءت الآية بلفظ: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ دون لفظ المسلمين، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾[16] ؛ فهنالك فارقٌ دقيق. وكذلك النهي عن تولّي الكفار جاء مقيّداً بقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[17] [18] ، ولم يقل: (من دون المسلمين)؛ نظراً إلى أنَّ بعض المسلمين قد يوالون الطرف الآخر.
وكذلك استدلّ الفقهاء بآية نفي السبيل وبآيات أُخَر تُعدّ أصولاً دستوريّة تشريعيّة تمثّل فقه المقاصد العليا في الدّين كلّه، وقد قرّر الفقهاء أنَّ هذا الحكم لا يختصّ بمسألة السلاح فحسب، بل يسري إلى مجالات الاقتصاد، والمال، والعلم، والتكنولوجيا، وغيرها؛ إذ يقرّر الفقهاء قاطبةً أنَّنا مطالبون ببناء القوّة بشتّى مجالاتها للمؤمنين، ومطالبون ببناء العزّة وردع العدوّ لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا بدوره يؤسّس لنظام استراتيجيّ في مجالات واسعة ومتعدّدة.
والحاصل: أنَّ الوظيفة العليا في باب الجهاد لا تنحصر في مجرّد الاستعمال المباشر للقوّة العسكريّة، بل إنَّ ما هو أعظم شأناً من استعمالها يتمثّل في بناء القوّة العسكريّة واستمرار تناميها وبقيّة القوى الأُخرى، كالقوّة التكنولوجيّة، والسيبرانيّة، والماليّة، والاقتصاديّة، والزراعيّة، والتجاريّة، وفي سائر المجالات.
والشاهد على ذلك: أنَّ الإنسان أوّل ما يُسأل في قبره لا يُسأل عن إطعامه لأولاده، ولا عن وظائفه الفرديّة المجرّدة هل أتى بها أم قصّر، «أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ مَا يَسْأَلَانِكَ عَنْ رَبِّكَ الَّذِي كُنْتَ تَعْبُدُهُ، وَعَنْ نَبِيِّكَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكَ، وَعَنْ دِينِكَ الَّذِي كُنْتَ تَدِينُ بِهِ، وَعَنْ كِتَابِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتْلُوهُ، وَعَنْ إِمَامِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَلَّاهُ»[19] ؛ فالأوّل يمثّل طابع الدّين العامّ، والسؤال عن الإمام والوليّ ذو بعد سياسيّ واجتماعيّ؛ وإذا كانت هذه المسائل هي مدار السؤال الأوّل، فإنَّ مقتضى ذلك أن تكون هذه المسؤوليّات العامّة هي الأهمّ رتبةً؛ إذ لم يجعل الشارع شيئاً يعلو على التوحيد، والتوحيد لا يقتصر على كونه مجرّد اعتقاد قلبيّ فرديّ، بل هو طابع عامّ يسري في صميم واقع المجتمع، ونحن مكلّفون ومسؤولون عن إقامة هذا الطابع العامّ للإسلام والتوحيد.
التحقيق الفقهي في الواجب الكفائي ونفي التخاذل
فإن قيل: ما الوجه في تحميل عبء الأمّة كلّها على عاتق طائفة بعينها؟
فالجواب: إنَّ هذا ليس عبء الأمّة بما هي فحسب، بل هو عبء الإسلام ومسؤوليّته؛ فلو خذل المسلمون جميعاً الإسلام، فهل يُسوِّغ ذلك لنا التخاذل عنه وخذلانه؟ فهذا ليس منطقاً مستقيماً، فلا ينبغي التعبير عنه بكونه عبء الأمّة، بل هو مسؤوليّة الإيمان والإسلام، والتخاذل الذي وقع عن نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) أو ما جرى في السقيفة[20] إنّما نشأ من هذا المنطق العليل، حيث يُلقي كلّ طرف بالمسؤوليّة على كاهل غيره تملّصاً وتخاذلاً.
وعليه، فإنَّ مسألة الوجوب الكفائيّ في مسألة بيع السلاح قد حرّرها الفقهاء في الفقه بأدقّ وأفضل ممّا حُرّرت في علم الأصول؛ حيث أوضحوا أنَّ الوجوب الكفائيّ[21] لا يعني تعليق الامتثال والمسؤوليّة على قيام الآخرين به، بل إنَّ المكلّف مسؤولٌ عنه ومخاطَبٌ به على نحو الاستقلال بمقدار وسعه وطاقته وإسهامه في تحقيق الواجب العامّ، سواء نهض به الآخرون أم لم ينهضوا؛ وهذا التحرير يباين التعريف الشائع للواجب الكفائيّ في علم الأصول، والذي قد يُفرز نوعاً من التخاذل والتملّص من المسؤوليّات العامّة، في حين أنَّ التحقيق الذي أصّله الفقهاء في هذا الباب دقيقٌ للغاية؛ ومؤدّاه أنَّ الواجب الكفائيّ — لأهمّيّته البالغة — حمّل الله تعالى مسؤوليّته المشتركة على عاتق الجميع.
والمكلَّفُ مخاطَبٌ به سَواءٌ فَعَلَهُ الآخرون أم لم يفعلوه، وسواءٌ قاموا به أم قعدوا؛ فهذه المسألةُ المصيريّةُ للأمّةِ يُتساءَلُ عن مَظَنّتِها: هل موضعُها كتابُ «المكاسب المحرَّمة»، أم بابُ «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، أم بابُ «الجهاد»؟
والحاصل: أنّ هذه المسألةَ هي أُسُّ بابِ الجهادِ وقاعدتُه؛ إذ ليس الاستعمالُ المباشرُ «الساخن» للقوّةِ العسكريّةِ هو الواجبَ الفوقيَّ المهيمنَ في هذا الباب، بل إنّ كُلّاً من الجهادِ الابتدائيّ والجهادِ الدفاعيّ شُعبةٌ منه، في حين تُمثّل المسؤوليّةُ العسكريّةُ العُليا تناميَ القوّةِ العسكريّةِ وسائرِ القُوَى الأُخرى، وهو عينُ ما يندرجُ تحت بابِ «النظام السياسيّ».
الضرورة التكوينية والتشريعية للنظام ومقومات الدولة
ولاحِظْ في هذا السياقِ بيانَ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام) حينَ يُقرّرُ أنّ ضرورةَ النظامِ في كلّ زمانٍ ضرورةٌ تكوينيّةٌ خارجيّة، وليست مجرّدَ ضرورةٍ تشريعيّةٍ اعتباريّةٍ فحسب؛ فهذا النظامُ تنطوي ضرورتُه التكوينيّةُ على مقوّماتٍ أساسيّة:
• دفعُ العدوّ: وهو ما يُعبَّرُ عنه في الهيكليّةِ المعاصرةِ بـ(وزارة الدفاع والجهاد).
• تأمينُ السُّبُل: وهو ما يُمثّلُ وظيفةَ (وزارة الداخليّة).
• جبايةُ الفيء: أي إدارةُ الثرواتِ والميزانيّةِ العامّةِ عن طريقِ الأميرِ الذي لا غِنى للناسِ عن وجودِه، «بَرّاً كَانَ أَوْ فَاجِراً»[22] ، وهو ما يُمثّلُ واقعَ (وزارةِ الاقتصـادِ والماليّة).
وقد نبّه أميرُ المؤمنينَ (عليه السلام) في نهج البلاغة ومصادرَ عديدةٍ أُخرى على أنّ منطقَ الخوارجِ منطقٌ متفلّتٌ من المسؤوليّة، ينطوي على هروبٍ صريحٍ منها بدعوى الإصلاح؛ إذ رفعوا شعارَ: «لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»[23] ، قاصدينَ بذلك نفيَ الإمرةِ والتدبيرِ البشريّ وجعلَ الأمرِ حكماً تكوينيّاً جبريّاً، مع أنّ حُكمَ اللهِ تعالى في واقعِ المكلَّفينَ ليس بالجبر؛ فكان مآلُ قولهم: «لا إمرةَ إلا لله» تصويرَ المسألةِ كأنّها قضيّةٌ قَدَريّةٌ تجعلُ المكلَّفَ منفعِلاً لا فاعِلاً، ومُجرَّداً من أيّ مسؤوليّةٍ ملقاةٍ على عاتقِه، وهو عينُ المنطقِ الجبريّ التواكليّ.