48/04/16
الآیة 259/سورة البقرة /التفسير
موضوع: التفسير/سورة البقرة /الآیة 259
ثلاثية أصول الدين وحاكمية القضاء والقدر والبرزخ في القرآن
كنَّا في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾[1] ، أي: ألم تتدبَّر إمَّا في قضيَّة سيرة الأنبياء، أو في قضيَّة الرجعة؟ وما وجه الصلة بين هذين المطلبين؟ إذ تقدَّم في الآية السابقة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾[2] في سياق سيرة الأنبياء، ثمَّ عُطِفَ بعدها بقوله سبحانه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ﴾ [3] ؛ فهل هو ربطٌ لهذا البحث بذاك، أم مجرَّد عطفٍ عامّ؟ وهذا بحثٌ آخر ذو صلة.
ثمَّ إنَّ هناك مبحثاً يتعلَّق بحاكميَّة الله تعالى بالقضاء والقدر، وهو بحثٌ تناوله علماء الكلام، والفلسفة، والعرفان، والمفسِّرون، والمحدِّثون بوصفه بُعداً غيبيّاً، بيدَ أنَّ حاكميَّة الله التكوينيَّة بالقضاء والقدر في بيانات الوحي — قرآناً وروايةً — تنطوي على بُعدٍ دنيويّ، وأرضي، واجتماعي، وسياسي؛ ولسنا الآن في صدد الخوض في تفصيل هذا المطلب.
ثلاثية أصول الدين في المنظومة القرآنية
وعندما يبيِّن الباري (عزَّ وجلَّ) الحاكميَّة، والولاية، والطاعة، فإنَّه يقرِّر دوماً أصولاً ثلاثة، كما في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾[4] ، وقوله سبحانه في بيان الحاكميَّة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾[5] ، وقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[6] ، وكذلك في قوله تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ﴾[7] .
وهذه الأصول الثلاثة هي: التوحيد، والنبوَّة، والإمامة؛ فالأصل الثالث المستفاد من صريح هذه الآيات ليس المعاد، بل الإمامة والولاية.
وقد مرَّ بنا هذا البحث في أنَّ القرآن الكريم يؤسِّس لأصول الدين الأولى الثلاثيَّة: التوحيد، والنبوَّة، ثمَّ الإمامة والولاية، وذلك في آياتٍ عديدة وبألفاظٍ متنوِّعة. ومذهب أهل البيت (عليهم السلام) لم ينشأ من فراغ، بل انبثق من هذه المنظومة القرآنيَّة؛ ونظير ذلك ما جاء في قوله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ﴾[8] ؛ حيث بُيِّنت الأصول الثلاثة ترتّباً. وإذا أمعنت النظر في ذلك، فستجد هذا التأسيس القرآنيَّ العجيب لأصول الدين الأولى الثلاثة: التوحيد، والنبوَّة، والإمامة.
وتتجلى هذه الأصول الثلاثة أيضاً: في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾[9] ، وكما يقرِّر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) — وهو عين الحقّ —: «…وَلَمْ يُنَادَ بِشَيْءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوَلَايَةِ»[10] . وكذلك الشأن في آية المودَّة في قوله سبحانه: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾[11] ؛ إذ المودَّة لذي القربى مقيَّدة بالقرب من النبيّ (صلى الله عليه وآله)، والقربة تبعٌ للنبيّ، والنبيّ تبعٌ لله تعالى؛ فذُكرت الأصول الثلاثة هنا أيضاً.
والحاصل: أنَّ هذه الأصول تشكِّل هيكلاً منظوميّاً، شبكيّاً، ونورانيّاً عظيماً في القرآن الكريم لا محيص عنه، بألفاظٍ متعدِّدة وبترتيبٍ ثلاثيٍّ مطّرد دائماً.
ويظهر ذلك حتَّى في شأن نبيّ الله إبراهيم (عليه السلام)، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾[12] ؛ إذ لم يقل نبياً ولا رسولاً، بل قال: ﴿إِمَامًا﴾، ومقتضاه: أنَّه بعد نبوَّتك ورسالتك يا نبيَّ الله إبراهيم هناك جعلٌ إلهيٌّ وهو الإمامة. وهذه هي الثلاثية بعينها:
• الجاعل وهو الله سبحانه (التوحيد).
• ثمَّ النبوَّة.
• ثمَّ الإمامة.
وكذلك حينما يُعلّم الله (عزّ وجلّ) دينَه ملائكتَه، يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[13] ، فيُعلّمهم الدين ويأمرهم بالسجود، وهذا الدين يدين اللهُ به ملائكتَه أجمعين؛ فهل كلّ البشر تُنسب أرواحهم إضافةً وتشريفاً إلى الله (عزّ وجلّ)؟ كلا، بل قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾[14] ، فدانهم اللهُ جميعاً بدين الطاعة والانقياد والاتّباع لخليفته، وهو الذي أرسل الأنبياء وجعل هذا الأصل مقدّماً حين قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
والقاعدة هنا: أننا إذا دقّقنا في أدلّة الإمامة وجدناها إمّا مصرِّحةً بأنّ الأصل الثالث هو الإمامة والولاية، وإمّا منطويةً عقلاً وضرورةً قرآنيةً على التوحيد والنبوة ثم الإمامة؛ وعليه فإنّ قراءة أدلّة الإمامة مجتزأةً وبمفردها مسلكٌ خاطئ، بل الواجب قراءتها ضمن مجموع المنظومة، وحينئذٍ يتبيّن أنّ الأصول الثلاثة تترتّب نسقاً واحداً: إمّا تصريحاً وإمّا انطواءً، ومثال ذلك آية المودّة في القربى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾[15] ، فإنّها تنطوي على هذه الثلاثية بجلاءٍ تامّ.
حقيقة المعاد ومراتب الشهادة على الأعمال
وحقيقة المعاد: في القرآن الكريم ليست مجرّد لقاء مشاهد القيامة أو الجنّة والنار أو الصراط والميزان فحسب، وإن كانت هذه كلّها حقّاً لا ريب فيه، ولكنّ الشأن الأعظم في القيامة والمعاد هو لقاء الله سبحانه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾[16] ، وقوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾[17] ؛ فالرجوع والمصير ليسا إلى الجنّة والنار فحسب، بل: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾[18] ، ومع ما للملائكة والصراط والجنّة ونعيمها من قداسةٍ وعظمة، إلا أنّ الأعظم منها جميعاً هو الله (عزّ وجلّ)؛ فالمبدأ الأصلي هو الله، والمعاد الأصلي هو الله ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾، وتأسيساً على كون المبدأ قائماً على أصولٍ ثلاثة، فإنّ المعاد كذلك متقوّمٌ بلقاء الله، ثمّ لقاء الرسول، ثمّ لقاء الإمام.
ومن هنا: تواتر بين المسلمين أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) «هو قسيم الجنّة والنار»[19] ؛ لأنّ صلاح المعاملة بين العبد وبين الوليّ المؤدّي للجنّة والنار مقدّمٌ وأهمّ من نفس الجنّة، وينتظم ذلك أيضاً في شأن الشهداء وتوصيف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بالشهيد؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾[20] تتجلّى الأصول الثلاثة بعينها؛ فالله تعالى هو الحاكم والمحاسب وديّان يوم الدين، وحينما يُوصَف أمير المؤمنين (عليه السلام) في نصوص الزيارة المأثورة بأنّه: «دَيَّانُ الدِّينِ»[21] ، فالمراد أنّه خليفة الله في يوم الدين بمعيّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
والحاصل: أنّ الشهداء والمحاسبين والمراقبين لأعمال العباد بنصّ الذكر الحكيم هم:
• الله تعالى أوّلاً وبالذات.
• ثمّ سيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله) بنصّ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ﴾[22] ، وهذه رقابةٌ ومحاسبةٌ وحاكميّة.
• ثمّ ذرّيّته المعصومون (عليهم السلام)؛ إذ الحاكميّة يوم القيامة بعد الله تعالى مجعولةٌ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثمّ لأهل بيته الطاهرين.
ومقتضى ذلك: أنّ حكّام الآخرة وشهداءها يمثّلون مظهر حساب الله سبحانه، والقرآن يصرّح بملاقاتهم في قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾؛ فرسول الله (صلّى الله عليه وآله) يرى العمل لأنّ الحساب موكولٌ إليه، وهو المفوَّض بتدبير شؤون القيامة بعد الله بالخلافة الإلهيّة؛ وحيث إنّ الباري (جلّ وعلا) ليس بجسمٍ ولا تحيط به الأقطار، كان التعاطي والمواجهة مع خليفة الله الأوّل وهو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأوصياؤه من بعده.
ففي القرآن الكريم آياتُ الشّهادة مبثوثةٌ في أغلب السّور، وأعظم الشّهداء — أي الشّهداء على الأعمال — هم سيّد الرّسل (صلّى الله عليه وآله) ثمّ أهل بيته (عليهم السّلام) بنصّ آخر سورة الحجّ وسورة البقرة وسورة آل عمران، ثمّ الأنبياء؛ فالقرآن يرسم لنا طبقاتٍ هرميّةً في الشّهادة — وهي الحساب على الأعمال والحاكميّة — وهذا أيضاً نظامٌ ثلاثيّ، فالمعاد في بيان القرآن هو لقاء الله، ثمّ لقاء سيّد الرّسل، ثمّ لقاء أهل بيت سيّد الرّسل، ثمّ الأنبياء، فالمعاد هو لقاء الله ولقاء الرّسول ولقاء الإمام.
وإذا مات الميّت يُسأل في قبره — في رواياتٍ مستفيضة إن لم تكن متواترة — فلا يُسأل عن قبلته أو دينه في البداية، بل يُسأل أوّلاً: «مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ وَمَنْ إِمَامُكَ؟»[23] ، ثمّ بعد ذلك تأتي بقيّة الأسئلة عن الكتاب والقبلة والدّين؛ فالأصول الثّلاثة تأتي أوّلاً، وليس عبثاً عندما يقول الأئمّة (عليهم السّلام): «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: عَلَى الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالْوَلَايَةِ، وَلَمْ يُنَادَ بِشَيْءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوَلَايَةِ»[24] — سواء أكان وحياً قرآنيّاً أم نبويّاً أم وحي الوصاية الخاصّ بالأئمّة — فهذه الأصول الثّلاثة منهجٌ في كيفيّة فهم الأدلّة والتّثبّت من هذه المنظومة العظيمة في العقائد والمعارف بألفاظٍ وقوالب وسبائك وأُطرٍ متعدّدة لا تُحصى.
حاكمية القضاء والقدر وسننها التكوينية في الدنيا
والحاصل: أنّ في هذه الحاكميّة الثّلاثيّة بُعداً يخصّ حاكميّة الدّولة الإلهيّة وحاكميّة الدّين، وهي حكومة الله (عزّ وجلّ) المتميّزة عن حكومة الرّسول وحكومة الأئمّة مع أنّها تتمثّل فيهما، وتلك هي حكومة القضاء والقدر؛ فإنّ الله (تعالى) لا يدع الفساد في الأرض يمضي عبثاً: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾[25] ، والرّجوع ليس مقصوراً على الآخرة فحسب، بل يقع حتّى في دار الدّنيا، كما قال (عزّ وجلّ) في عادٍ وثمود وفرعون ذي الأوتاد: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ*فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ*فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾[26] ؛ فهذه حاكميّةٌ وضبطٌ إلهيّ، والآيات الّتي تبيّن حكومة القضاء والقدر والحكومة الغيبيّة لله في دار الدّنيا وفي البيئة الاجتماعيّة والسّياسيّة للبشر من أوّل خلقة آدم إلى الآن كثيرةٌ جدّاً.
وتفريعاً على ذلك: تُعدّ هذه إحدى درجات الحكومة الدّينيّة لله، وهي حكومة القضاء والقدر؛ فحين تظهر أنظمةٌ فاسدة أو دولٌ عظمى طاغيةٌ ذات جبروتٍ كالفراعنة ونمرود، يفسح الله لها المجال في إدارة شؤونها دون أن يترك الأمر منفلتاً، بل يسوس العباد بقضائه وقدره، فهناك حكومةٌ إلهيّة بالصّبغة الإلهيّة تتجلّى قطعاً في رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفي الأئمّة (عليهم السّلام)، ولكنّ لهذا البُعد من القضاء والقدر نظاماً وقوانين خاصّة ذكرها القرآن الكريم في دار الدّنيا.
ومثال ذلك: ذوو الأرحام؛ فإن تواصلوا وتراحموا كثّر الله بحكومة القضاء والقدر نسلهم وبركاتهم وأعمارهم ولو كانوا كفّاراً، كما ورد في الرّوايات: «إِنَّ الْقَوْمَ لَيَكُونُونَ فَجَرَةً وَلَا يَكُونُونَ بَرَرَةً فَيَصِلُونَ أَرْحَامَهُمْ فَتَنْمِي أَمْوَالُهُمْ وَتَطُولُ أَعْمَارُهُمْ»[27] ، بينما يسبّب قطع الرّحم قِصَر الأعمار وقلّة الأرزاق وتآكل العدد ولو كانوا مؤمنين، وتلك كلّها من سنن إدارة حكومة القضاء والقدر.
ولو أردنا استعراض الآيات الكريمة التي تبيّن معالم حكومة الله في القضاء والقدر التكوينية في مجتمع الدنيا والاجتماع السياسي البشري: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ﴾[28] ، لوجدنا أنّه لا يوجد في هذه الحكومة أيّ تخلّف، وهي حكومة القضاء والقدر التي لا يمكن الفرار منها، ليس في الآخرة فحسب، بل يمتنع الفرار منها في دار الدنيا أيضاً. وقد تعرّض أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعاء كميل لهذه الدرجة من الحكومة بقوله: «وَلَا يُمْكِنُ الْفِرَارُ مِنْ حُكُومَتِكَ»[29] ؛ إذ هي ليست حكومةً أخرويةً فحسب، بل غيبية واسعة تشمل شؤون دار الدنيا وسائر الكائنات.
أنماط الحكومات الإلهية وعالم البرزخ والرجعة
وهذا مبحث لطيف وبالغ الفائدة في العقائد والإيمان والسياسة وفي جوانب شتى، ولسنا بصدد الخوض في تفاصيله الآن، إذ تقدّم استعراضه في عشر جلسات سابقة، وهو نظير ما ذكره الله (عزَّ وجلَّ) في سورة الكهف حين تعرّض لأنماطٍ متعددة من الحكومات الإلهية والدينية:
• حكومة الفطرة لأصحاب الكهف.
• حكومة ظاهرية لذي القرنين.
• حكومة باطنية خفيّة للخضر (عليه السلام).
• حكومة ملكوتية في استخلاف آدم (عليه السلام).
وهذا الاستعراض لعدة أنماط من الحكومة الإلهية لا ينحصر في سورة الكهف وحدها، بل ورد في سور متعددة. ولعلّ عطف قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ [30] على قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾[31] جاء من هذا الباب؛ لأنّ الرجعة في دار الدنيا قرارٌ صادرٌ عن حكومة القضاء والقدر الإلهي، ولا سيّما أنّ البرزخ في منطق القرآن وبيانات أهل البيت (عليهم السلام) دارٌ كائنة في الأرض وليست في السماء، كما ورد في عبارة أمير المؤمنين (عليه السلام) والإمام الصادق (عليه السلام) بأنّ مستقرّ الأرواح في الأرض[32] ، تماماً كعالم الجنّ الذين لا نراهم وهم يعيشون في بيئةٍ مادية أرضية تباين بيئتنا، غير أنّهم مستقرّون في الأرض.
ومقتضى ذلك: أنّ لأهل البرزخ فيزياء برزخية أرضية، ولا يعني هذا انحصار البرزخ في الأرض مطلقاً؛ فإنّ البرزخ الأول الذي ينتقل إليه البشر إنّما هو في الأرض، وإلا فإنّ السماء الأولى تعدّ برزخاً آخر، والسماء الثانية برزخاً أعلى منه، وبحسب بيانات أهل البيت (عليهم السلام) فإنّ كلّ سماءٍ تمثّل برزخاً قائماً بذاته تديره حكومة، ولذلك ورد في وصفهم (عليهم السلام): «نَحْنُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى مَنْ دُونَ السَّمَاءِ وَفَوْقَ الْأَرْضِ»[33] . فكما يبيّن القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[34] ، لم يقصر خلافته على الأرض وحدها، بل جعل كائناً من كائنات الأرض ليمارس مقتضى خلافته في الأرض وفي السماوات معاً، ولأجل ذلك جعل الله جنود هذا الخليفة من ملائكة السماوات ليكونوا عمّالاً وأجهزةً تحت إمرته وطاعته.
شبكة الإدارة الملكوتية لخليفة الله في العوالم
وأمّا كيفية هذه الإدارة: فتقريبها بنظير ما تديره الدول العظمى من ولايات ومستعمرات مترامية في شرق الأرض وغربها، أو ما تدّعيه من ملكية بقاعٍ في الفضاء الخارجي؛ حيث يقبع المسؤول في مركزٍ محدد غير أنّه يمتلك شبكة إدارة متكاملة ومحكمة. فكذلك خليفة الله المعنيّ بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ يكون بدنه الشريف مستقراً في موضعٍ معيّن، وتكون لديه شبكة إدارة ملكوتية نافذة تدير شؤوناً وملفات كبرى بنظمٍ وسلسلة مراتب وهرمية بالغة الدقة منزّهة عن العشوائية، فيسوس تلك المساحات العوالمية بمعلومات محيطة ونظم غيبية ملكوتية وبأجهزة خفيّة شتى، ولا يشغله شأنٌ عن شأن، فسبحان من أحكم هذا النظام وأودعه في خليفته وخيرته من خلقه.
وإلّا فهذه ليست مجرّد مراسم شكليّة؛ حيث يُبيّن القرآن الكريم في سبع سور أنّ الله أطاع له ملائكة السماوات والأرض، لمن قال فيه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [35] ، فعندهم الإحياء، والإحياء هو من صلاحيّات حكومة القضاء والقدر؛ فيُميتون، وينقلون إلى البرزخ تارةً، ويُرجعون من البرزخ إلى دار الدنيا تارةً أخرى؛ لأنّ الرجعة هي نوعٌ من النقل والانتقال، وسفرٌ من الأرض إلى الأرض، والرجوع من تلك السفرة، فالأموات الذين يرجعون إنّما يرجعون من سفر، وهذه هي الرجعة التي تتولّاها الحكومة الإلهيّة الدينيّة للقضاء والقدر.
ولذلك فإنّ لأهل البرزخ مدناً، ودولاً، ومسؤوليّات، وحروباً -سواءٌ صدّقتَ أم كذّبتَ- فإنّ عندهم حروباً وعندهم دولاً، وهذا موجودٌ في الروايات وبيانات الوحي[36] [37] ، فالمسير إذن طويل، وهذا فضلاً عن بقية البرازخ، أي البرزخ الأوّل في الأرض.