« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

48/04/16

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمات الحكمة وشروط انعقاد الإطلاق: دراسة في إمكانية البيان وموانعه/المطلق و المقيد /العام و الخاص

 

موضوع: العام و الخاص/المطلق و المقيد /مقدمات الحكمة وشروط انعقاد الإطلاق: دراسة في إمكانية البيان وموانعه

 

دلالة المعرَّف بـ«أل» والنكرة على العموم والإطلاق

المطلب الآخر: بيان كيفيّة تعرّض الأعلام للمفرد المحلَّى باللام في مباحث المطلق والمقيَّد؛ إذ إنَّه يصير بمنزلة العموم، ووجه تعرّضهم له في بحث المطلق يبتني على أنّ مدخول اللام مطلقٌ دخلت عليه «أل» الاستغراقيّة أو نحوها من أدوات العموم، فتكون الدلالة حينئذٍ مركَّبةً من المطلق والعموم بهذا اللحاظ.

وكذلك يتعرّضون في المبحث اللاحق إلى الجمع المحلَّى باللام، ودلالته على الكثرة أو الاستغراق؛ كما لو قيل: «الرجال» من القبيلة، أو كما في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾[1] ، فهذا بيانٌ للتعميم.

والمشهور عندهم: أنَّه يدلّ على الجميع لا المجموع؛ لوجود الفرق بين العموم المجموعيّ والعموم الاستغراقيّ[2] ، والمراد هاهنا هو الاستغراق.

وبيانه: أنّ الكثرة غير المحدَّدة بعددٍ معيَّن لا تعيُّن فيها وتكون مراتبها مردَّدةً بلا ترجيح، بخلاف الاستغراق الشامل للجميع فإنّه متعيِّن، وظاهر الدلالة عدم الترديد؛ فيكون الجمع مع دخول «أل» عليه أنسب لاستغراق الجميع.

والفارق هنا: وجود فرقٍ ملحوظ بين دلالة «الرجل» ودلالة «الرجال»؛ إذ إنّ دلالة الجمع المحلَّى بـ«أل» على التعميم أكثر وضوحاً عند اللغويّين والبلاغيّين من المفرد المحلَّى بها.

وأمّا المبحث اللاحق: فهو بحث النكرة؛ وهي عنصرٌ تركيبيّ ينضمّ في الدلالة إلى اسم الجنس، والتنوين يرد تارةً للتنكير، وتارةً للتمكين، أو للعوض عن الجملة المحذوفة، كما أنّ للتنوين أقساماً أُخر كالتنكير والترنّم والغالي؛ إلّا أنّ الغالب في هذا المقام هو استعمال التنوين للتنكير، والمراد منه استغراق فردٍ ما من عموم الطبيعة، وهذا التنوين يأتي ضميمةً من هيئةٍ تركيبيّة إعرابيّة مع اسم الجنس المفرد.

وحيث إنّ البلاغيّين والأصوليّين ينطلقون في تحليل بنية الظهور من الموادّ المفردة، ثمّ الهيئة المفردة، ثمّ التركيب الناقص، ثمّ التركيب التامّ البسيط، وصولاً إلى التركيب التامّ المركّب؛ فإنّ التنوين في الحقيقة معنًى يُضاف إلى اسم الجنس بسبب التركيب لإفادة العموم البدليّ[3] إذا كان تنويناً للتنكير. والحاصل: ما ذكره الأعلام من أنّ اسم الجنس إذا أُضيفت إليه هيئةٌ إعرابيّة أو أداةٌ معيَّنة دلّ على العموم، مع أنّه موضوعٌ للمطلق في الأصل.

فلو فَقَدَ اسمُ الجنس أن تكون له ضميمةٌ، كـ(أل) أو التنوين أو غيرهما، وفُقِدَت الضميمةُ الدالةُ على التعميم، فهنا يأتي دور مقدمات الحكمة[4] ؛ فالضمائمُ الاستعمالية للتعميم كالتنوين وغيره من أدوات العموم الكثيرة، إذا أُضيفت تكون دالةً استعماليّاً أو تفهيميّاً على التعميم في اسم الجنس، أما إذا افتُقِدَت القرينةُ الاستعمالية والقرينة التفهيمية فتصل النوبةُ إلى القرينة الجدية.

مراتب القرائن وتعدد اصطلاحات الإطلاق

وهنا لا بد من التدقيق: في أنّ القرائن بعضها استعماليةٌ، وبعضها تفهيميةٌ، وبعضها جديةٌ، والقرينة الجدية قد تكون للمرتبة الأولى في الجدّ، وبعضها للمرتبة الجدية الثانية أو الثالثة وهلُمّ جرّاً، فإذا فُقِدَت القرينةُ الوضعية والاستعمالية والتفهيمية تصل النوبةُ إلى مقدمات الحكمة، ومقدمات الحكمة هي من قرائن الجدّ، وليست من القرائن التفهيمية ولا الاستعمالية.

وهذه نكتةٌ مهمةٌ جداً: فإنّ العلوم المختلفة تستعمل لفظتَيِ الإطلاق والتقييد باصطلاحاتٍ عديدة وليست باصطلاحٍ واحد، وفي الفقه لا يبعد أنّ هذه الاصطلاحات للعلوم كلها قد وردت؛ فمثلاً مرّ بنا تعبير (مطلق الاقتصاد) والمقصود منه مجموع اقتصاد البلد، في قبال (الاقتصاد المقيد) كاقتصاد مؤسسةٍ خاصةٍ معينة، أو مؤسسةٍ حكومية، أو رأس مال فردٍ خاص من المجتمع يُعبَّر عنه باقتصاد الجزء، كما يطلقون (اقتصاد الكل) والمقصود بالكل هو هذا المجموع بنحو العموم المجموعي[5] .

فيجب أن نلتفت إلى: أنّ بحث الإطلاق يَرِدُ فيه:

    • إطلاقٌ استعمالي.

    • وإطلاقٌ تفهيمي.

    • وإطلاقٌ وضعي.

    • وإطلاقٌ ملاكي.

    • وإطلاقٌ جدي.

    • وإطلاقٌ في الدلالة.

    • وإطلاقٌ في المدلول.

فالإطلاق في قبال التقييد يُستعمَل باصطلاحاتٍ ومواطنَ عديدة يجب الالتفات إليها، ولا تأخذ أحكام الإطلاق في كل موطنٍ أحكامَ الموطن الآخر بل تختلف غالباً، والتدرج في تحليل وتعيين عناصر الظهور مهمٌّ جداً حتى تترتب النتيجة بشكلٍ دقيق ولا يقع إجمالٌ في الاستظهار.

والحاصل: أنّ مقدمات الحكمة تُعَدّ من السهل الممتنع؛ فهي من جهةٍ سهلةٌ ولكنها صعبةٌ جداً، فلا هي ممتنعةٌ كليّاً ولا هي سهلةٌ محضة، بل ممزوجةٌ من السهولة والامتناع وقد تخدع الإنسان. وكلامنا الآن هو في الإطلاق المأخوذ من مقدمات الحكمة، لا الإطلاق في مقام الوضع ولا في مقام الاستعمال.

وبعبارةٍ أخرى: يمكن القول إنّ مبحث العام والخاص والمطلق والمقيد بحثٌ واحد يبدأ من الوضع وينتهي إلى المراد الجدي ومقدمات الحكمة، فالإطلاق لدينا يقع على أصعدةٍ متعددة تبدأ عند الأصوليين في مباحث العام والخاص وصولاً إلى مقدمات الحكمة، ومقدمات الحكمة إطلاقٌ من قرائن الجدّ، أي من مرتبة الدلالة الجدية الأولى لا التفهيمية ولا الجدية الثانية.

تنبيه: إذا كان الحديث المتقدم يدور حول إطلاق الدوال وفي مقام الدال والدلالة لذات المدلول، فقد مرّ بنا أيضاً أنّ الإطلاق المقامي يغاير إطلاق مقدمات الحكمة[6] ، مع أنه في واقعه هو نفس مقدمات الحكمة، لكن مقدمات الحكمة قرينةٌ من قرائن الجدّ متصلةٌ بالدلالة الجدية للفظ وبمثابة القرينة الحالية له، أما الإطلاق المقامي فهو نفس مقدمات الحكمة ولكنّ استعماله أكثر تعقيداً وصعوبة.

الجدِّيَّة للكلام، بل قرينة حاليَّة في مرتبة الجدِّ للَّفظ بمنزلة القرينة المتَّصلة، وأمَّا الإطلاق المقاميُّ فهو عينُ مقدِّمات الحكمة، لكن بنحوٍ أكثر تعقيداً في استعماله[7] ؛ فمقدِّمات الحكمة في الإطلاق المقاميِّ يكون إعمالها أصعب، وهو من قبيل السَّهل الممتنع الذي تشتدُّ صعوبته وامتناعه.

حقيقة الإطلاق المقامي وأقسامه

والإطلاق المقاميّ: كما تقدَّم بيانه على قسمين وليس قسماً واحداً:

    • القسم الأول: أن يرد الإطلاق المقاميُّ في فقرات الرِّواية الواحدة، كصحيحة حمَّاد بن عيسى[8] ، حيث كان الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) في مقام البيان بالفعل والعمل؛ فينعقد حينئذٍ إطلاقٌ مقاميٌّ في الرِّواية الواحدة والدَّليل الواحد ولو بلحاظ مجموع فقراتها، وهذا إطلاقٌ مقاميٌّ معهودٌ معروف.

    • القسم الثاني: أن ينعقد الإطلاق المقاميُّ بلحاظ مجموع الأدلَّة، وهذا النَّحو أصعبُ جدّاً؛ لكونه يفتقر إلى استقراءٍ وتتبُّعٍ واسعَين في مختلف الأبواب الفقهيَّة. والمحدِّثون والفقهاء — كالكلينيِّ، أو الطُّوسيِّ، أو الصَّدوق، أو صاحب الوسائل، أو صاحب البحار، أو الفيض الكاشانيِّ، أو السيِّد هاشم البحرانيِّ (رحمهم الله) — إنَّما جمعوا الرِّوايات بحسب وسعهم وطاقتهم واجتهادهم، وما فاتهم أكثرُ ممَّا جمعوه وإن كان جهدهم مشكوراً مأجوراً؛ فالواقع يقتضي لزوم التتبُّع التَّامّ، ولهذا كان هذا القسم الثَّاني من الإطلاق المقاميِّ أشدَّ عسراً وتعقيداً.

والحاصل بالعودة إلى الإطلاق المقاميِّ للرِّواية الواحدة والدَّليل الواحد المعهود: إنَّ مقدِّمات الحكمة وقع الخلاف في عدِّها بين كونها ثلاثاً أو أربعاً، وبعض هذه المقدِّمات قد يُستسهل بادئ الرَّأي غير أنَّ فيه صعوبةً بالغةً، وتلك هي طبيعة مقدِّمات الحكمة.

المقدّمة الأولى: شرط إمكانية البيان وتدريجية التشريع

والمقدّمة الأولى: في مقدِّمات الحكمة — بوصفها قرينةً من قرائن الجدِّ — هي إمكانيَّة بيان المتكلِّم؛ بأن يكون متمكِّناً من البيان، إذ لو لم يكن متمكِّناً منه لم يكن عدم التَّقييد كاشفاً عن الإطلاق، أو بتعبير السيِّد الخوئيِّ: إنَّ إطلاقه اللفظيَّ لا يدلُّ على الإطلاق الجدِّيِّ[9] .

وتأسيساً على ذلك: فإنَّ توفُّر إمكانيَّة البيان شرطٌ لا بدَّ منه؛ فإذا امتنع المتكلِّم عن البيان لمانع تقيَّةٍ، أو لقصورٍ في المخاطَب، أو لغير ذلك من الأسباب والعلل، فلا يسوغ التمسُّك بالإطلاق حينئذٍ ولا تجري مقدِّمات الحكمة. أو قد يمتنع البيان لمانع تدريجيَّة التَّشريع، نظير ما يذكره الأعلام في آيات الأحكام من أنَّ الشَّارع فيها واردٌ في مقام بيان أصول التَّشريع وكليَّاته فلا يصحُّ التمسُّك فيها بالإطلاق؛ فقوله تعالى مثلاً: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾[10] ليس وارداً في مقام تفصيل ماهيَّة الصَّلاة وأجزائها وشرائطها، بل هو في صدد بيان أصل وجوبها، في حين تكفَّل الأئمَّة (عليهم السَّلام) ببيان تلك التَّفاصيل، بل إنَّ بيانهم (عليهم السَّلام) للتَّفاصيل لم يقع دفعةً واحدةً في مجلسٍ واحدٍ أو موطنٍ واحد.

والوجه في ذلك: أنَّ الحكيم يراعي حال المخاطَب رعايةً لتدريجيَّة البيان؛ دفعاً للتَّشويش والإرباك عليه؛ إذ لو ابتدأ الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله) في مكَّة أو المدينة أو حتَّى في حجَّة الوداع ببيان أحكام الشَّكِّ بين الثَّلاث والأربع، أو الشَّكِّ بين الاثنتين والثَّلاث، لم يكن ذلك جارياً على مقتضى الحكمة، بل كان المسلك المنطقيُّ هو تثبيت أصل فريضة الصَّلاة وترويض المكلَّفين عليها أوَّلاً. ومن ثمَّ لم يكن من الحكمة أن يتعرَّض النَّبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) أو القرآن الكريم ابتداءً لتفاصيل خلل الصَّلاة، أو خلل الطَّواف والسَّعي والرَّمي، بل يُثبت أصل الوجوب أوَّلاً ثمَّ يُصار إلى بيان التَّفاصيل تباعاً.

من البيّن أنه ليس من مقتضى الحكمة أن يتعرّض سيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) أو القرآن الكريم ابتداءً إلى تفاصيل خلل الصلاة، أو تفاصيل أحكام الخلل في الطواف، أو السعي، أو رمي الجمرات؛ إذ ليست هذه المسائل في محلّها ومقامها المناسبين، ومثل ذلك يقال في تفاصيل أحكام الزكاة؛ بل المتعيّن أوّلاً هو تثبيت أصل الوجوب وفرضه، وألّا يُعمّى المطلب التشريعيّ على المكلّفين وعلى عامّة الأمّة. وتأسيساً على ذلك، فإنّه بمقتضى تدريجيّة البيان لا يصحّ في بواكير مراحل التشريع التعرّض للتفاصيل الجزئيّة حتّى يُتمسّك بإطلاق الدليل، بل الصادر إنّما هو في مقام بيان أصل التشريع لا في مقام تفصيله وحدوده، وهذا ما قرّره الأعلام في هذا الموضع، وسنعرض لما ذكروه إجمالاً، وإن كانت لنا مناقشات وملاحظات تفصيليّة عليه في محلّها.

وعلى أيّ تقدير، فإنّ إمكان البيان شرطٌ لابدّ منه لجريان مقدّمات الحكمة، وإحراز هذه المقدّمة ليس بالأمر الهيّن؛ إذ كيف يُحرز وجود إمكان البيان من عدمه في المورد؟ فلعلّ في مجلس الخطاب من يتّقيه الإمام (عليه السلام)، والتقيّة قد تكون مداراةً للمؤمنين أنفسهم وحفظاً لتماسكهم، ولا تقلّ خطورةً وأثراً عن التقيّة من المخالفين؛ إذ قد تقع بين المؤمنين أنفسهم بعض التوتّرات والنزاعات، فيُغضي الإمام (عليه السلام) عنها مراعاةً للجانب التربويّ ورعايةً للواقع الاجتماعيّ دون أن يثير تلك الحساسيّات، وهذا النهج التربويّ مطّردٌ في سيرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام) في تربية المسلمين والمؤمنين.

ومثال ذلك: ما وقع في مسألة تحديد وقت صلاة الظهر؛ حيث كانت هناك مرجعيّةٌ علميّةٌ لبيت زرارة بنحو، ومرجعيّةٌ لأبي بصير بنحوٍ آخر، كما طفحت به الروايات في اختيار معرفة الرجال وفي الكتب الأربعة[11] ، حتّى ورد على الإمام مَن ينقل له أنّ أصحابه قد تفرّقوا فِرقاً في تحديد وقت صلاة الظهر؛ ومقتضى هذا الاختلاف يستدعي بالضرورة الاطّلاع على الظروف والبيئة التاريخيّة والزمنيّة الخاصّة بكلّ خطاب لمعرفة ملابسات صدور كلّ رواية عن المعصوم (عليه السلام).

فقد تواردت على الشيعة في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) حركاتٌ وتيّاراتٌ سياسيّةٌ كثيرة، وكان كثيرٌ منها حركاتٍ استغلاليّةً وانتهازيّة؛ والحركة الحقّة الوحيدة التي لا يعتريها ريبٌ بإطلاق هي حركة الإمام القائم (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، أمّا سائر الحركات فيجب وضعها في ميزان التمحيص وتطبيق الضابطة الشرعيّة العامّة عليها، وهي قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ»[12] ، بخلاف حركة صاحب العصر والزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؛ إذ لا يجري في حقّه هذا التمحيص لكونه معصوماً مفترض الطاعة، وحينئذٍ تنطبق ضابطة العبد الصالح الخضر (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾[13] ، مع أنّ المخاطب هو موسى (عليه السلام) وهو من أولي العزم من الرسل، إلّا أنّ دائرة علمه بالوحي والتشريع ليست هي المدار هنا، بل المورد موطنٌ لعلم الولاية الخاصّة.

والمراد من النهي في قوله: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي﴾[14] ، هو النهي عن الاعتراض والمطالبة بالبيان في غير وقته، وليس معناه سدّ باب الفهم أو التعبّد بالجهل المطلق؛ إذ إنّ الشريعة لا تغلق باب التعقّل والفهم بوجهٍ من الوجوه، وإنّما المقصود ألّا يكون العمل والامتثال والتنفيذ معلّقاً على التردّد والنقاش أو متوقّفاً على الفهم التفصيليّ في حينه، وذلك إنّما يتمّ بعد قيام البرهان القطعيّ وثبوت الأصل في معرفة الحجّة وشخصيّته، فالمتعيّن أوّلاً هو تثبيت الأصل المعرفيّ.

تنبيه: هذا المعنى يباين تماماً ما تسلكه بعض الفِرق المنحرفة أو التيّارات الانتهازيّة المعاصرة التي تطالب أتباعها بالانقياد الأعمى دون نقاش متشبّثةً بقصّة الخضر (عليه السلام)، مع أنّ قيادات تلك الحركات مجهولة الهويّة، وموضع شبهةٍ في تبعيّتها للمصالح المخابراتيّة والدوائر الدوليّة؛ فلابدّ إذن من إحراز الأصل وقيام الدليل عليه أوّلاً، ولأجل هذا المعنى فإنّ أشقّ ما يواجهه الإمام الثاني عشر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في مفتتح أمره هو إثبات هويّته الواقعيّة للناس وأنّه الإمام المفترض حقّاً.

إنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) في الرجعة أصعبُ ما يواجهه هو إثباتُ الهوية؛ بأنه الحسينُ بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، وقد ورد ذلك في الروايات؛ حتى إنَّ صاحب العصر والزمان (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف) يعرِّفه للناس قائلاً: «هَذَا الحُسَيْنُ قَدْ خَرَجَ… حَتَّى لَا يَشُكَّ فِيهِ المُؤْمِنُونَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِدَجَّالٍ وَلَا شَيْطَانٍ»[15] ، فلا يأتي الأجلُ لصاحب العصر والزمان (عليه السلام) حتى تستقر معرفة الناس في قلوبهم بالحسين (عليه السلام)؛ ومقتضى ذلك أنَّ إثبات الهوية أصلٌ لابدَّ من تحقّقه أولاً حتى عند المعصوم. والأنبياء (عليهم السلام) إنَّما ثبت العرشُ عندهم بالمعاجز الدالّة على نبوّتهم، وحينئذٍ — بعد قيام الحجة وتثبيت الأصل — يتوجّه النهيُ عن السؤال؛ فالمنع من قبيل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ﴾[16] لا يكون في الابتداء، وإنَّما بعد قيام البراهين التامة على شخصية القائم بالأمر، وتلك نكتةٌ بالغة الأهمية في الاحتراز من الوقوع في الضلال.

وبتأسيسٍ على ذلك: فإنَّ بعض النقاشات التي قد يُستشَفُّ منها تأييدُ الإمام الصادق (عليه السلام) لثورة زيد إنَّما تُحمل على هذا اللحاظ؛ لأنَّ زيداً ليس إماماً من الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، حتى وإن كان من الدار الاصطفائية الثانية، فيظلُّ جهازه وحركته موضعاً للنظر والكلام.

موانع إمكان البيان وأثر التقية في نصوص التشهد والأذان

والحاصل: أنَّ هذا الشرط — وهو إمكانية البيان وجريان الإطلاق — وإن بدا في الظاهر سهلاً متناولاً، إلا أنَّ إحرازه في غاية الصعوبة. ومن الشواهد الحاضرة في هذا الباب: ما ذكره السيد عبد الرزاق المقرَّم (رحمه الله) في رسالته حول الشهادة الثالثة[17] ؛ إذ نقل زهاء ثمانين فتوى أو مائة فتوى مع هوامشها، وقد نصَّ أكثرُ الأعلام على أنَّ عدم ورود الشهادة الثالثة في أدلة الأذان، أو تركَ التصريح بها في بعض نصوص التشهد، إنَّما كان محكوماً بالتقية، حتى جزم بعضُهم وقطع بكونه ناشئاً عن التقيّة محضاً؛ وحينئذٍ كيف يصحُّ التمسك بإطلاق أدلة أدنى التشهد المقتصرة على الشهادتين؟!

ومن الإشكالات القوية جداً على التمسك بإطلاق أدنى التشهد:

    • أولاً: وروده في سياق التقيّة؛ إذ لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سعةٍ من البيان الصريح في مكة، ولا في أوائل عهده بالمدينة، بل حتى في أواخر العهد النبوي وفي ذروة نفوذه ورئاسته الظاهرة للأمة كان يتقي في شأن إعلان الولاية؛ والقرآنُ الكريم شاهدٌ ناطقٌ بذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾[18] ، حيث أفادت الآية خشية ارتداد الأمة عند تبليغ هذا الأصل، فإذا كان هذا حالَ التبليغ العام، فكيف يُطالَب عامةُ الناس — كما قرّره غيرُ واحدٍ من الأعلام الذين نقل كلماتِهم السيدُ المقرَّم — بالإتيان بالشهادة الثالثة في تشهد الصلاة وهم لم تستقر الولايةُ في قلوبهم بعد؟!

    • ثانياً: أنَّه إذا كان الذين آمنوا بصدقٍ بما بلَّغه الرسولُ (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم شرذمةً قليلة، فكيف يتسنّى للأئمة (عليهم السلام) أن يبسطوا ذلك أمام عموم أصحابهم، ويحملوهم على الجهر بالشهادة بالولاية كظاهرةٍ عامة وعلنية؟! فلا ريب في أنَّ دواعي التقية كانت بالغة الشدة.

والنتيجة: كيف يُصار إلى التمسك بمطلقات أدلة التشهد مع قيام المقيِّد في نصوصٍ أخرى، كصحيحة الحلبي[19] [20] ، وصحيحة الفضل بن شاذان[21] [22] الدالّتين على تسمية الأئمة (عليهم السلام) وذكرهم في الصلاة؟! ولا ينبغي توقّع ورود التقييد في سائر الأدلة لشدة وطأة التقية في أصل الإيمان والولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام)؛ ومن ثمَّ فإنَّ التمسك بالإطلاق مخدوشٌ وساقطٌ عند كثيرٍ من المحققين، سواءٌ في فصول الأذان والإقامة أم في أذكار التشهد؛ فآلَ الأمرُ إلى أنَّ الشرط الأول لمقدمات الحكمة — وهو إمكانية الإطلاق والبيان في مقام التخاطب — يصعب جداً التثبتُ من تحقّقه في مثل هذه الموارد.

 


[2] العموم الاستغراقيّ: شمول الحكم لكلّ فردٍ على وجه الاستقلال بانحلاله إلى أحكام متعدّدة بعدد الأفراد، بخلاف العموم المجموعيّ الّذي يتعلّق فيه الحكم بمجموع الأفراد بوصفها موضوعاً واحداً. — المحقق.
[3] العموم البدليّ: شمول المفهوم لجميع الأفراد على سبيل البدل لا الجمع، بحيث يتعلّق الحكم بفردٍ واحدٍ غير معيّن من أفراد الطبيعة. — المحقق.
[4] مقدمات الحكمة: هي مجموعة القرائن الحالية العقلائية التي يُستكشف بها كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده الجدي من كلامه مع عدم نصبه قرينةً على التقييد، فيُحمل لفظه على الإطلاق. — المحقق.
[5] العموم المجموعي: هو تعلق الحكم بمجموع الأفراد بما هو كلٌّ واحدٌ وموضوعٌ فارد، بحيث لا يتحقق الامتثال إلا بإتيان الجميع معاً، كوجوب الإيمان بالأئمة أو صوم النهار. — المحقق.
[6] الإطلاق المقامي: هو استكشاف نفي القيد أو الجزء من سكوت المتكلم في مقام بيان الموقف والأحكام عملاً أو حكماً، لا من السعة المدلولية للفظ في نفسه كما هو شأن الإطلاق اللفظي. — المحقق.
[7] الإطلاق المقامي: هو استكشاف نفي القيد المشكوك من سكوت المتكلِّم عنه حين يكون في مقام بيان تمام ما له دخل في غرضه ومطلوبه لا مجرَّد متعلَّق الحكم اللفظي، فيُقابل الإطلاق اللفظي الذي يُتمسَّك به لنفي القيد عن متعلَّق الأمر المنطوق. — المحقق.
[17] المقرم، عبد الرزاق. سر الإيمان في الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام) في الأذان والإقامة.. ص80
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo