« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

48/04/15

بسم الله الرحمن الرحيم

أسماء الأجناس وتعدد الدال والمدلول وقاعدة تزاحم المقتضيات/المطلق و المقيد /العام و الخاص

 

موضوع: العام و الخاص/المطلق و المقيد /أسماء الأجناس وتعدد الدال والمدلول وقاعدة تزاحم المقتضيات

 

مباحث المطلق والمقيد: أسماء الأجناس وتعدد الدال والمدلول وقاعدة تزاحم المقتضيات

إشكال اللحاظ الذهني في أسماء الأجناس وجوابه

من الإشكالات التي أُورِدَت على القول بوضع أسماء الأجناس للّابشرط المِقْسَمي أو للّابشرط القِسْمي للماهية—بمعنى أنَّها إذا لُوحِظَت لا بشرط قِسمي فتكون ساريةً في أفرادها—أنَّ هذه الاعتبارات تكون ذهنيَّة، فلا تُستعمَل في الكليّ الطبيعي الخارجي؛ لأنَّ الفارق بين الماهية المهملة والماهية اللابشرط قِسمي هو أنَّ الماهية المهملة لا يُلحَظ فيها اللحاظ، بل تُلحَظ ذاتُ الماهية فحسب.

بيان الإشكال: ما أشكل به السيّد الخوئي من أنَّ المهملة يُقتَصَر فيها على ذات الماهية، وهذا الاقتصار لا يُلحَظ مع كونه واقعاً وموجوداً، فتكون الماهية المهملة كالطينة التي تَتَشكَّل وتتلاءم مع سائر أنحاء الاستعمال، بخلاف اللابشرط المِقْسَمي أو اللابشرط القِسْمي؛ فإنَّ اللحاظ فيهما ملحوظ، وهذا اللحاظ يجعلهما وجوداً ذهنيّاً لا خارجيّاً[1] .

والجواب عنه: إنَّ هذا الاستدلال ليس في محله بهذا المقدار، وإن كان القول بوضع أسماء الأجناس للماهية المهملة صحيحاً في نفسه؛ وذلك لأنَّ نظير هذا الإشكال يَرِد أيضاً على القائلين بوضع أسماء الأجناس للماهية المهملة، بالنظر إلى أنَّ هذا اللحاظ الذهني موجودٌ بالتالي.

تنبيه: إنَّ هذا البحث يتّسم بالحساسية البالغة من أوائل مباحث الألفاظ إلى أواخرها، بل يمتدّ إلى مباحث الحُجَج؛ فإنَّ الضميمة إلى الشيء قد تُلحَظ بنحو القيد وقد لا تُلحَظ كذلك، ومقتضى ذلك أنَّ القضية تكون ظرفيَّةً لا مشروطة. والفرق بينهما دقيقٌ وعسير، وإن كانت النتيجة قد تتّحد، إلّا أنَّ صياغة القضية وسبكها يختلفان؛ إذ قد تُستخدَم الضميمة للشيء من دون أن تكون قيداً ولا تقييداً، ولكن يُتوصَّل بها إلى تضييق دائرة ذلك الشيء.

مسالك الأعلام في التضييق بغير تقييد (متمم الجعل والعنوان المشير والقضية الحينية)

وقد بُحِث هذا الأمر في حقيقة المعنى الحرفي[2] :

    • فالميرزا النائيني يسمّيه «ضيق الملاك».

    • والشيخ آغا ضياء الدين العراقي يصوغه بنحو «القضية الحينية» بدلاً من القضية الشرطية[3] .

    • بينما يصوغه المحقق الأصفهاني بـ«العنوان المشير»[4] .

والحاصل في التمايز بين المسالك: أنَّ صياغة العنوان المشير صياغةٌ فلسفية، في حين أنَّ القضية الحينية صياغةٌ منطقية، وضيق الملاك صياغةٌ أصولية عند الميرزا النائيني.

ويظهر ذلك جليّاً في مسلك «متمم الجعل» الذي توسَّل به الميرزا النائيني في بحث التعبّدي والتوصّلي؛ فحين يُطرَح التساؤل عمّا إذا كان الجعل المتمِّم الثاني قيداً في الجعل أو المجعول، يرى أنَّه ليس بقيد؛ إذ لو كان قيداً لورد الإشكال المعروف في كيفية أخذ قصد القربة المتأخر رتبةً عن الأمر قبل تعلّق الأمر في متعلّق الأمر للزوم محذور الدَّوْر[5] .

وعلاج المحذور عنده: يكون بفكرة متمم الجعل؛ بأنَّ الأمر بقصد القربة ليس واقعاً في الجعل الأوّل، بل الجعل الأوّل أمرٌ بذات الصلاة فحسب، ويأتي الجعل الثاني بالأمر بقصد القربة في الجعل الأوّل، فلا يُضيِّقه قالباً وإطاراً، بل يُضيِّقه ملاكاً، بحيث إنَّ ملاك الأوّل لا يتمّ ولا يصحّ إلّا بملاك الثاني.

وهي نكتةٌ لطيفةٌ عند الميرزا النائيني شبيهةٌ بأخذ الولاية في العبادات؛ إن لم تكن بنحو القيد وشرطِ الصحّةِ المشهورِ بل بنحو مُتمِّم الجعل، بمعنى أنَّ ملاك العبادات والأعمال الصالحة منوطٌ بها، كما في حديث الولاية المشهورِ المتواترِ بين الفريقين: «أَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَامَ لَيْلَهُ، وَصَامَ نَهَارَهُ، وَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَحَجَّ جَمِيعَ دَهْرِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ وَلَايَةَ وَلِيِّ اللَّهِ فَيُوَالِيَهُ وَيَكُونَ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ بِدَلَالَتِهِ إِلَيْهِ، مَا كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ حَقٌّ فِي ثَوَابِهِ، وَلَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ»[6] ؛ فهذا «مُتمِّم الجعل»[7] بصياغة الميرزا النائيني يُفيد نفس التقييد والقيد، لكن لكي يتلافى المحذورَ الناشئَ من القيد والتقييد يجعله في مُتمِّم الجعل، ففي مبادئ الحكم ومبادئ التشريع يكون الملاكُ متّحداً، بينما ليس في الإطار الظاهري ارتباطٌ، وهذه هي فكرة مُتمِّم الجعل عند الميرزا النائيني.

وإن كان للميرزا النائيني في مُتمِّم الجعل خمسةُ أنواع، والمهمّ في التعارض عند مُتمِّم الجعل هو وجودُ مُتمِّماتِ جعلٍ متعدّدة، وهذا هو الموردُ الرئيسي؛ فمُتمِّم الجعل صياغةٌ غيرُ تقييديةٍ تؤدّي مؤدّى التقييد عينَه ونتیجتَه، لكنّه اصطلاحاً ليس بقيد، وهذه صياغةُ الميرزا النائيني لحلحلة القيود ذات المحاذير، مع أنّنا نقطع في الأدلّة ارتكازاً بأنَّ هذا المؤدّى بمنزلة القيد.

أمّا المحقق الأصفهاني: فيأخذ بفكرة «العنوان المُشير»[8] ؛ وهو ليس عنواناً حقيقياً كي يُقيّد المعنونَ المحكيّ، وإنّما دوره محضُ الإشارة، فهذا القيدُ ليس قيداً لكونه ليس عنواناً ذاتياً للمعنون، ومثاله أن يُقال: «عليك بهذا الجالس»، فالجلوسُ ليس شرطاً في رجوع المقلِّد إلى زرارة عندما قيل له: «فَإِذَا أَرَدْتَ بِحَدِيثِنَا فَعَلَيْكَ بِهَذَا الْجَالِسِ»[9] — مشيراً إلى زرارة — أو بصاحب القلنسوة؛ فالعنوان المُشير بمثابة التقييد ولكنّه ليس تقييداً ولا دَخِيلاً في المعنون أصلاً. وهناك مباحثُ حول الفرق بين القضية الحينية والقضية الشرطية، وصياغاتُ الأعلام الثلاثة تؤدّي النكتةَ والنتيجةَ ذاتها، وهي التضييقُ من دون وجود تقييدٍ أو قيدٍ اصطلاحي، سواءٌ أكان ذلك على صعيد الوجوب أم على صعيد الواجب.

وهذا البحثُ الذي ذكره الأعلام: يستفيد منه السيد الخوئي؛ حيث يلتزم بأنَّ لحاظ الماهية المهملة إمّا أن يكون قضيةً حينيةً، أو عنواناً مشيراً، أو مُتمِّمَ جعلٍ، وليس قيداً أصلاً[10] ، وهذا التوجيه يذكره لكي لا يقع اللحاظُ قيداً. وكذلك القائلون باللحاظ المقسمي، أو باللابشرط المقسمي أو القسمي[11] ، يقولون بالكلام نفسه بأنَّ هذا اللحاظ ليس قيداً؛ وإلا فإنَّ القائلين بوضع أسماء الأجناس للماهية المهملة يعترفون في مقام الاستعمال بأنّها تُستعمل في اللابشرط القسمي، فلو كان اللحاظُ الذهني محذوراً في المعنى الموضوع له لكان محذوراً في المعنى الاستعمالي أو التفهيمي، ولصار بلا مصداقٍ خارجي، فلا بدَّ من التوسل بالنكتة ذاتها؛ وعليه فهذا الإشكالُ ليس وارداً على القول الثاني أو الثالث القائلَين بوضع أسماء الأجناس للّابشرط المقسمي أو القسمي.

والحاصل: أنَّ بعضهم قال بأنَّ الماهية المهملة كالمقسم للثلاثة أو كالمجرى؛ فما الذي يتحقق عند اللغويين أو البلاغيين أو الأصوليين أو المناطقة في اسم الجنس؟ ولماذا؟

لكي تلاحظ حالات اسم الجنس أو الطبيعة — سواء أكانت طبيعةً عَرَضيةً، أم طبيعةً صنفيةً، أم طبيعةً نوعيةً، أم طبيعةً جنسيةً (كجنسٍ قريبٍ أو جنسٍ متوسطٍ أو جنسٍ بعيد) — فأيّ أمرٍ كان، فإنَّما يُبحَث في كيفية ملاحظة الطبيعة من هذه الجهة فحسب، وتدقيقُ الأعلام في التحليل التفصيليّ إنَّما هو من هذا الباب، أي في بيان كيفية ملاحظة الطبيعة.

الفرق بين اسم الجنس وعَلَم الجنس: يذكر الأعلام بعد ذلك الفرق بين اسم الجنس وعَلَم الجنس، والمهمّ في قبال أسماء الأجناس هو عَلَم الجنس، كـ«أسامة»؛ فإنَّ «أسامة» الموضوع للأسد يُعامَل معاملة العَلَم (أي المعرفة)، ويذهبون إلى أنَّ هذا التعريف لفظيّ وليس تعريفاً حقيقياً، كالتأنيث اللفظيّ والتذكير اللفظيّ، وإذا كان التذكير اللفظيّ مجازاً فهو بلحاظ لفظه.

فما الفرق بين اسم الجنس وعَلَم الجنس؟

    • اسم الجنس: موضوعٌ للماهية المهملة.

    • عَلَم الجنس: موضوعٌ للماهية بشرط تمييزها ذهناً عن بقية الطبائع؛ فإذا كانت هذه الطبيعة متميّزةً في الرتبة الذهنية (كطبيعة الإنسان المغايرة لطبيعة الجماد، أو طبيعة الأسد المباينة لسائر الحيوانات) فحينئذٍ يُطلق عليها «أسامة». وهذه الإشارة الذهنية لم تُستعمل في الخارج، كما أنَّ نفس هذه الإشارة الذهنية ليست قيداً — على ما مرَّ في بيان الماهية المهملة — بل هي بنحو القضية الحينية أو العنوان المشير أو متمم الجعل، ولكنَّها تؤول في نهاية المطاف إلى صيرورته عَلَماً؛ إذ العلمية إنَّما وُضعت لتمييز المعنى حيال سائر المعاني، وهو نحوٌ من أنحاء التعريف له؛ ولذا سُمّي عَلَم الجنس. فالفارق بينهما — كما يقرره علماء المعاني والبلاغيون — يكمن في هذا النحو من التمييز الذهنيّ والتعيين والتعريف.

المفرد والجمع المحلّيان باللام والنكرة: والمبحث الآخر الذي يطرحه الأعلام في «الكفاية»[12] هو المفرد المحلّى بـ«أل»، ثمّ الجمع المحلّى بـ«أل»، ثمّ النكرة، والتمايز بين هذه المراتب. وتُسمّى «أل» باعتبار همزة الوصل «لام التعريف»؛ نظراً إلى أنَّ الهمزة جِيء بها للتوصّل بالنطق بالساكن لكونها خارجةً عن حقيقة الكلمة؛ إذ الكلمة تنحصر في الاسم والفعل والحرف، واللام هنا حرف، فيُعبَّر عنها بـ«أل» التعريفية أو «لام التعريف» على حدٍّ سواء، وتدخل على هذه الموارد كـ«الرجل» في قبال «رجل».

وهذا التعريف الذي يكتسبه اسم الجنس ليس مفاده أنَّ اسم الجنس قد استُعمل في المعنى المعرَّف؛ بل هو مبنيٌّ على قاعدة تركّب عناصر الاستعمال، وهو بابٌ نقّحه سلطان العلماء[13] (رحمه الله)، إذ يُعدّ أول من أرسى تنقيح هذه المباحث وبلورها، وله ابتكاراتٌ أصولية فائقة الأهمية، ومنها هذا المبحث الأصوليّ الدقيق في التفريق بين باب المجاز وباب «تعدد الدال والمدلول»[14] .

والحاصل في مسألة تقييد العام: أنَّ المبنى السائد قديماً لدى البلاغيين والأصوليين — وكان بمنزلة القول الواحد المتسالم عليه — هو أنَّ العامّ إذا قُيِّد استلزم المجاز[15] ؛ بينما ذهب سلطان العلماء إلى تخطئة هذا المسلك، وبيّن أنَّ استعمال العامّ في المقيّد لا يندرج تحت باب استعمال اسم الجنس في أضيق ممّا وُضع له؛ بل إنَّ اسم الجنس مستعملٌ في أصل الجنس، والضميمة التي تلحق باسم الجنس — لفظيةً كانت أم حالية، متصلةً أم منفصلة — هي المتكفلة بالدلالة على التضييق من باب تعدّد الدال وتعدّد المدلول؛ فلا يلزم حينئذٍ استعمال اسم الجنس في المعنى المضيّق حتى يترتّب عليه محذور المجازية.

والتحقيق في المقام: أنَّ الضميمة التي تنضمُّ إلى اسم الجنس — سواءٌ أكانت ضميمةً لفظيَّةً أم حاليَّةً، متَّصلةً أم منفصلةً — هي التي تدلُّ على التضييق من باب تعدُّد الدالِّ والمدلول[16] ؛ فليس الأمرُ أنَّ اسم الجنس قد استُعمِل في المعنى الضيِّق الذي هو غيرُ ما وُضِع له فيلزم منه المجاز. وهذا مبحثٌ في غاية الأهميَّة في مقام الاستعمال نقَّحه سلطان العلماء (رحمه الله)[17] في حاشيته على كتاب «معالم الدين» لصاحب المعالم؛ ثمَّ جرى بعد ذلك الأصوليُّون والبلاغيُّون على هذا المبنى المتين الذي أرساه سلطان العلماء وأعلامُ الإماميَّة.

والحاصل: أنَّه ينبغي التفريقُ في مقام الاستعمال والتفهيم بين باب «تعدُّد الدالِّ والمدلول» وبين «الاستعمال المجازي»، كما يُفرَّق أيضاً بينه وبين «المجاز العقلي»؛ إذ لا مساسَ له بالمجاز اللغويّ، ولا بالمجاز العقليّ على المبنى الذي يذهب إليه السكَّاكي في باب الاستعارة[18] ؛ بل النتيجةُ أنَّ ذلك كلَّه جارٍ على وفاق قاعدة تعدُّد الدالِّ والمدلول، وهو تدقيقٌ أصوليٌّ رصينٌ يحفظ استعمالَ اسم الجنس في حقيقته الموضوع لها من غير تبديلٍ ولا تجوُّز.

قاعدة: إنَّ علماء البلاغة واللغة والأصول والفقه يتعاملون مع عناصر التركيب وبنية الظهور لَبِنَةً لَبِنَةً بوصفها مقتضياتٍ، أي من باب «تزاحم المقتضيات»؛ فلا يُفرِّطون في أيِّ عنصرٍ من عناصر الدلالة والقرائن الحافَّة بالكلام. وسرُّ التحليل التفصيليّ يكمن في فنون الدلالة والمدلول؛ إذ يقوم علمُ تفسير القرآن الكريم وتفسير الروايات الشريفة على هذا الأصل، كما تبتني عليه حذاقةُ الفقيه وتضلُّع الأصوليّ. وتأسيساً على ذلك، يُنزَّل كلُّ عنصرٍ من عناصر الوضع، أو عناصر تركيب الاستعمال، أو عناصر الدلالة التفهيميَّة منزلةَ المقتضي؛ فإن لم يؤثِّر عنصرٌ معيَّنٌ لمانعٍ، أثَّر العنصرُ الآخر أثرَه لاجتماع هذه العناصر وترتُّبها.

والمذهب المختار عند المشهور — وهو الصحيح —: أنَّ التعارض الواقع في حكاية الدلالات — سواءٌ أكانت أدلَّةً قرآنيَّةً، أم روائيَّةً، أم غيرها من الأدلَّة — ليس مآله الإجمال والتساقط ابتداءً، بل هو من قبيل تزاحم المقتضيات في مقام الحكاية، نظيرَ الصور المنعكسة من مرايا متعدِّدة؛ فإنَّ تلك المرايا في واقعها ونفس أمرها غيرُ متعارضة، وإنَّما يقصرُ الذهنُ أحياناً عن تنظيم التلاؤم والجمع العرفيّ بين تلك الصور فيحسبها متعارضة، مع أنَّها زوايا هندسيَّةٌ دقيقةٌ لا تنافي بينها في الواقع؛ فكثيراً ما ينشأ توهُّم التعارض من قصور الناظر عن إدراك وجه الاختلاف وأبعاد الحواكي المتعدِّدة.

تنبيه: يتعامل مشهورُ اللغويين والفقهاء والأصوليين والمفسِّرين مع الأدلَّة بوصفها مقتضياتٍ ومؤثِّراتٍ حتى في مقام الإثبات؛ فلا يُفرَّط في الحكاية ولا يُسارَع إلى إسقاط النصِّ كما يصنعه بعضُ الباحثين. وإنَّ الخلل الواقع عند طائفةٍ من باحثي التاريخ وعلم الرجال في الوسط العلميّ — حوزويّاً كان أو أكاديميّاً — أنَّهم يبادرون بمجرَّد مواجهة قراءةٍ أو نسخةٍ لا يستوضحون وجه ملاءمتها إلى الحكم ببطلانها ووضعها، والتسرُّع في إسقاطها وطرحها.

ومن شواهد ذلك: ما ورد في كتاب «الأخبار الدخيلة» للشيخ التستري (رحمه الله) [19] ؛ إذ تضمن مسلكاً غريباً على هذه المباحث، حيث جعل مجرَّد عدم وجدان القرينة موجباً لإسقاط الكتاب بأكمله والحكم بوضعه، مع قيام احتمال اشتباه الناسخ أو التصحيف أو وجود وجهٍ آخر للجمع والتحقيق. ونظيرُ ذلك طعنُه في كتاب «تفسير الإمام العسكري (عليه السلام)» بدعوى الوضع[20] ؛ في حين أنَّه لا يكاد يخلو كتابٌ من كتب الحديث المعتمدة عند الفريقين من عوارض الاشتباه والخلط وموارد التدقيق والتمحيص.

تنبيه: من الأمور الأخيرة التي وقفتُ عليها في التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام) بُعدٌ عظيم؛ وهو أنَّ عليّ بن إبراهيم في «تفسير القمّي» ينقل موضعاً نقلاً حرفياً عن التفسير العسكري[21] ، ومقتضى ذلك دلالته على أنَّ «تفسير القمّي» كان يعتمد على التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام) قبل عصر الشيخ الصدوق، حيث يتسنّى لمن يدقّق ويتبحّر ويتجوّل في كتب الحديث أن يقف على العجائب من المواد والقرائن.

وهذه وصية السيّد محمد الروحاني (رحمه الله) [22] ؛ فمع كونه علَماً أصولياً إلا أنَّه كان يوصي بهذه الوصية بالحثّ على التتبّع وسبر كتب الحديث. وكان السيّد محمد الروحاني منجذباً جدّاً لوفرة تتبّع الميرزا النوري في كتب الحديث، ويرى أنَّ المواد التي جمعها الميرزا النوري في «خاتمة المستدرك»[23] — بغضّ النظر عن مبانيه وآرائه الخاصة — هي موادّ ذات بُعدٍ حسّي رقمي إحصائي؛ أي منطقٍ رقمي بعبارةٍ أخرى، فالمواد التي حوتها الخاتمة موادّ حافلةٌ جدّاً وذات قيمةٍ علميةٍ بالغة، وأمّا كيفية استنتاج المجتهد في علم الرجال وعلم الحديث فذاك أمرٌ آخر؛ إذ لا ضير في عدم موافقة الميرزا النوري في استنتاجاته، ولكنَّ المواد المجموعة تظلّ محتفظةً بقيمتها وأهميتها.

والحاصل: أنَّ عناصر الدلالة وعناصر الحاكية لا يُتعامل معها بنحو التضادّ والتناقض والتساقط، بل بوصفها مقتضياتٍ يُجمع بينها وفق الموازين التحليلية الدقيقة.

 


[2] أجود التقريرات، الخوئي، السيد أبوالقاسم، ج1، ص28.. يُنظر بحث تصوير التضييق في المعنى الحرفي
[3] نهاية الافكار، العراقي، آقا ضياء الدين، ج1، ص141.. يُراجع تفصيل تصوير القضية الحينية ومسلك الحصة التوأمة
[5] موسوعة الامام الخوئي، الخوئي، السيد أبوالقاسم، ج43، ص544.. يُنظر تفصيل الإشكال في امتناع أخذ قصد القربة في متعلق الأمر للزوم الدور، ومحاولة علاجه بفكرة متمم الجعل
[7] مُتمِّم الجعل: اصطلاحٌ أصوليٌّ ابتكره المحقق النائيني لحلّ إشكال أخذ ما يتأخّر رتبةً عن الأمر (كقصد القربة) في متعلّق الأمر؛ ومفاده أنَّ الشارع يتدارك ما امتنع أخذُه في الجعل الأول بأمرٍ ثانٍ متمِّمٍ له يُحصِّل به نتيجة التقييد. — المحقق.
[8] العنوان المُشير: هو المفهوم الذي يُجعل مجرّد مرآةٍ ومعرّفٍ للإشارة إلى الذات والمصداق الخارجي، من غير أن يكون للعنوان نفسه دخالةٌ وحيثيةٌ تقييديةٌ في ترتّب الحكم على المعنون. — المحقق.
[11] الماهية اللابشرط المقسمي: هي الماهية الملحوظة مقسماً للاعتبارات الذهنية الثلاثة (بشرط شيء، وبشرط لا، ولا بشرط قسمي)؛ وأمّا اللابشرط القسمي فهو اعتبار الماهية ساريةً ومطلقةً في قبال اشتراط الوجود أو العدم. وتفصيله في مظانّه من كتب الفلسفة والأصول، مباحث الماهية وأسماء الأجناس. — المحقق.
[13] هو السيد الحسين بن محمد المرعشي الآملي الأصفهاني المعروف بـ«سلطان العلماء» وخليفة السلطان (ت 1064هـ)، من أعاظم فقهاء الإمامية وأصولييهم في العصر الصفوي، وصاحب الحاشية الشهيرة على «معالم الدين». — المحقق.
[14] تعدد الدال والمدلول: قاعدة أصولية مفادها أن يدل كل جزء من أجزاء التركيب اللفظي على معناه الموضوع له حقيقةً بالدلالة المطابقية، وتستفاد الخصوصية الزائدة أو التقييد من مجموع الدوال ومدلولاتها، من غير أن يلزم تصرف في المفردة واستعمالها في غير ما وضعت له ليقع المجاز. — المحقق.
[16] تعدُّد الدال والمدلول: قاعدةٌ أصوليَّة مفادها أنَّ دلالة المركَّب على المقيَّد لا تبتني على استعمال اللفظ الموضوع لذات الطبيعة في الحصَّة الخاصَّة مجازاً، بل يبقى اسم الجنس مستعمَلاً في معناه الموضوع له، وتتكفَّل القرينةُ أو القيدُ بإفادة الخصوصيَّة الزائدة بدلالةٍ مستقلَّة. — المحقق.
[17] سلطان العلماء: هو السيّد حسين بن رفيع الدين محمد الحسيني المرعشي، المشهور بـ«سلطان العلماء» وخليفة السلطان (ت ١٠٦٤ هـ)، من كبار فقهاء وأصوليي الإماميَّة، وله «حاشية على معالم الدين» في أصول الفقه. — المحقق.
[18] مفتاح العلوم، السكاكي، ج1، ص415.. حيث ذهب إلى أنَّ التصرُّف في الاستعارة تصرُّفٌ عقليٌّ ادعائيٌّ بادعاء دخول المشبَّه في جنس المشبَّه به، لا بنقل اللفظ عن موضوعه اللغوي. — المحقق
[19] التستري، محمد تقي. الأخبار الدخيلة.. ج1، ص152
[20] المصدر نفسه، ص152؛ حيث عقد فصلاً بعنوان: «الفصل الثاني في أخبار التفسير الذي نسبوه إلى العسكري (ع) بهتاناً».
[21] يُنظر حول موارد استفادة علي بن إبراهيم القمي وتلميذه من الروايات والتفاسير المتقدمة: القمي، علي بن إبراهيم. تفسير القمي.. تحقيق طيب الموسوي الجزائري، دار الكتاب، قم، ط3، 1404 هـ. — المحقق
[22] هو السيّد محمد بن محمود الحسيني الروحاني (1338 - 1418 هـ)، فقيه وأصولي ومحقق من كبار مراجع الإمامية وأعلام حوزتي النجف الأشرف وقم المقدسة. — المحقق.
[23] النوري الطبرسي، حسين. خاتمة مستدرك الوسائل.. تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم، ط1، 1416 هـ
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo