« قائمة الدروس
بحث الفقه الأستاذ سید علي الموسوي اردبیلي

47/08/07

بسم الله الرحمن الرحیم

 الإشکال علی صاحب الرياض _ إقامة الزوجة كفيلاً لاسترداد النفقة/ النفقات /النکاح

الموضوع: النکاح / النفقات / الإشکال علی صاحب الرياض _ إقامة الزوجة كفيلاً لاسترداد النفقة

 

قبل أن نتعرّض لنقد مدّعى صاحب الرياض الذي طرح في الجلسة السابقة حيث ذكر ضمنه أنّه بعد انكشاف الخلاف لا يمكن استرداد نفس ما دفع إلى المطلّقة البائن بعنوان نفقة الحامل ولا بدله، نتعرّض أوّلاً لدراسة الرواية الواردة في خصوص قبول قول المرأة في شأن الحمل.

فقد نقل الطبرسي في تفسيره ـ على نحو الإرسال ـ عن الإمام الصادق (ع) في ذيل قوله تعالى: ﴿وَ لٰا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِی أَرْحَامِهِنَّ﴾[1] أنّه(ع) قال: «قد فوّض الله إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض، والطهر، والحمل.»[2] [3]

غير أنّ هذه الرواية مرسلة، ولم يعتمد عليها مشهور الأصحاب، لكي ينجبر ضعفها بذلك.

كما أنّ الآية الشريفة نفسها لا تدلّ على قبول قول الزوجة في خصوص الحمل؛ إذ لو سلّمنا بأنّ المراد من ﴿مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِی أَرْحَامِهِنَّ﴾ هو خصوص الحمل، أو أنّ عمومه يشمل الحمل أيضاً، فإنّ ما تدلّ عليه الآية إنّما هو حرمة كتمان الحمل، وهذا لا يلازم وجوب قبول دعوى المرأة في إثبات وجود الحمل.

ثمّ إنّ كاشف اللثام قال في مقام الإشكال على دعوی صاحب الرياض: «ما يتوهّم من أنّها لمّا استحقّها بظنّ‌ الحمل، كان الاسترداد خلاف الأصل، مضمحلّ‌ بأنّ‌ الإنفاق خلاف الأصل، والنصّ‌ إنّما تضمّن الإنفاق على أولات الحمل، فلمّا ظهر فساد الظنّ‌ علم الخروج من النصّ‌، وظاهر أنّ‌ استحقاقها بالظنّ‌ استحقاق مراعى.»[4]

والحقّ في هذه المسألة مع كاشف اللثام، لأنّ المأخوذ في موضوع الأدلّة هو الحمل الواقعي لا الحمل المظنون، والظنّ إنّما هو طريق لكشف الواقع، فإذا لم يصب الواقع فلا يترتّب عليه حكم.

غير أنّ بعض فقهاء العامّة قد ذهبوا في هذه المسألة إلى القول بالتفصيل.

قال النووي في المجموع: «فإن دفع إليها ثمّ بان أنّه لم يكن بها حمل، فإن قلنا: تجب يوماً بيوم، فله أن يرجع عليها، لأنّه دفعها على أنّها واجبه وقد بان أنّها لم تجب، فثبت له الرجوع.

وان قلنا: إنّها لا تجب إلا بالوضع، فإن دفعها بأمر الحاكم، فله أن يرجع، لأنّه إذا أمره الحاكم لزمه الدفع، فثبت له الرجوع. وإن دفع من غير أمره، فإن شرط أنّ ذلك عن نفقتها إن كانت حاملاً، فله أن يرجع، لأنّه دفع عمّا يجب وقد بان أنّه لم يجب، وإن لم يشرط لم يرجع، لأنّ الظاهر أنّه متبرّع.»[5]

ولکن ما قاله في الفرض الثاني فهو مرتبط بمقام الإثبات ولا صلة له بالبحث الثبوتي، وظاهره أنّ جواز الاسترداد ثبوتاً مفروغ عنه.

والمطلب الأخير في هذا الفرع هي أنّه هل يشترط في وجوب دفع النفقة إقامة الزوجة كفيلاً لاستردادها عند انكشاف الخلاف؟

قال الشهيد الثاني في هذا الشأن: «هل تطالب بكفيل لجواز ظهور خلاف ما ادّعته؟ فيه وجهان؛ منشؤهما أنّها استولت على مال الغير بسبب لم يثبت في نفس الأمر، وإنّما حكم به الشارع لتعذّر إثبات موجبها قطعاً، فلو أخّرت إلى الوضع لزم الإضرار بها كما قرّرناه، فيجمع بين الحقّين بالدفع إليها بكفيل، ومن حيث عدم ثبوت استحقاق الرجوع عليها الآن.

والأوّل لا يخلو من قوّة.»[6]

إلا أنّ صاحب الجواهر استشکل عليه حيث قال: «فيه: أنّ ثانيهما أقوى بعد فرض وجوب الدفع، لإطلاق الأدلّة وأصل البراءة.»[7]

غير أنّ الإشكال على كلام صاحب الجواهر هو أنّ موضوع النفقة في الأدلّة هو «الحامل»، ومع أنّه يقال عند حصول الاطمئنان بوجود الحمل إنّ الموضوع قد تحقّق، إلا أنّ المراد من ذلك هو كفاية الاطمئنان في إحراز الموضوع، كما أنّ إقامة البيّنة كافية في إحرازه، لا أنّ الموضوع يتحقّق في الواقع بمجرّد حصول الاطمئنان.

وبناءً على ذلك قد يدّعى أنّه لمّا كانت كفاية الاطمئنان النوعي في إحراز الموضوع أمراً مبتنياً على السيرة العقلائيّة وكان العقلاء في الأُمور الماليّة يقدمون على أخذ الكفيل ونحوه، ففي مورد المسألة أيضاً لا يتوجّه وجوب دفع النفقة إلى الزوج من دون أخذ كفيل.

وممّا يؤيّد هذا المطلب أيضاً أنّ العقلاء في الأُمور الماليّة الخطيرة يرون لزوم أخذ الوثيقة ولا يعدّون مجرّد الاطمئنان كافيًا للإقدام.

وبهذا يتّضح أنّ المراد ممّا تقدّم هو أخذ وثيقة عقلائيّة عند دفع النفقة، لا مجرّد أخذ كفيل خاصّة.

وعلى هذا الأساس لا يرد الإشكال الذي ذكره الشهيد الثاني في كلماته من أنّ أخذ الكفيل إنّما يتصوّر في مورد ثبوت حقّ فعلي مع أنّ المطلّقة البائن الحامل ـ ما لم يكشف الخلاف في شأنها ـ لا يثبت للمطلّق عليها حقّ، لأنّ هذا الإشكال إنّما يتوجّه على فرض خصوص الكفالة لا على فرض الوثيقة العقلائيّة.

نعم، إذا حصل اليقين بتحقّق الموضوع، فلا وجه لأخذ الوثيقة، إذ مع وجود اليقين لا يبقى احتمال للخلاف كي يصار بسببه إلى أخذ وثيقة عقلائيّة.

وكذلك الحال في الموارد التي يثبت فيها موضوع الحقّ المالي بالبيّنة الشرعية؛ فإنّه لمّا كان اعتبار البيّنة مستنداً إلى الأدلّة اللفظيّة، يمكن ـ بالاعتماد على إطلاق تلك الأدلّة ـ نفي جواز أو لزوم أخذ الوثيقة.

إن قلت: إنّ سيرة العقلاء لا يمكن أن تكون إلا مبيّنة للموضوع، ولا يمكن بالأخذ بالقدر المتيقّن منها استنتاج كون الحكم الشرعي مشروطاً بأخذ الوثيقة.

قلت: إنّ دعوانا ليست اشتراط الحكم الشرعي بلزوم دفع النفقة للمطلّقة البائن الحامل بأخذ الوثيقة حتّى يرد عليه هذا الإشكال، بل المدّعى هو أنّ تحقّق هذا الحكم الشرعي في مورد يكون مبناه الاطمئنان العقلائي، إنّما يكون مشروطاً بعدم اعتناء العقلاء باحتمال الخلاف، وعدم الاعتناء باحتمال الخلاف في موارد الحقوق الماليّة متوقّف على أخذ وثيقة عقلائيّة لحالات انكشاف الخلاف.

وبعبارة أُخرى: إنّ الاطمئنان بتحقّق الموضوع عند العقلاء قد يختلف باختلاف الحكم المترتّب على ذلك الموضوع، بمعنى أنّه إذا ترتّب حكم معيّن على الموضوع، فإنّ احتمال الخلاف في تحقّقه لا يكون مورد اعتناء عند العقلاء، بينما إذا ترتّب عليه حكم آخر، فإنّ ذلك الاحتمال بعينه يكون مورد اعتناء لديهم.

فعلى سبيل المثال: إذا كان الكفر موضوعاً لعدم وجوب الإكرام، فإنّ مرتبة من الاطمئنان بتحقّقه تكون كافية عند العقلاء، في حين أنّ هذه المرتبة نفسها لا تكون كافية لديهم إذا كان الكفر موضوعاً لجواز القتل.

وعلى هذا القياس يمكن أن يقال في ما نحن فيه: إنّ القول بوجوب دفع النفقة على المطلّق عند حصول الاطمئنان العقلائي بوجود الحمل إنّما يراد به اطمئنان من هذا القبيل، أي اطمئنان لا يعتني العقلاء بخلافه، وهذا النحو من الاطمئنان في الأُمور الماليّة ـ كالنفقة ـ يكون متوقّفاً على أخذ وثيقة مناسبة بحيث يمكن في حال انكشاف الخلاف جبر الضرر بواسطة تلك الوثيقة.

وبناءً على ذلك فليس المقصود أنّ سيرة العقلاء تقيّد الحكم الشرعي لكي يرد الإشكال المتقدّم، بل المراد أنّه إذا ترتّب حكم متعلّق بالحقوق الماليّة على كون المطلّقة البائن حاملاً، فإنّ العقلاء لا يهملون احتمال الخلاف عند وجود قرائن على الحمل إلا إذا أُخذت وثيقة مناسبة من المطلّقة تحسّباً لحالة انكشاف الخلاف.


logo