47/07/28
بسم الله الرحمن الرحیم
اعتبار قبض الوکيل فی تحقق التمکين/ النفقات /النکاح
الموضوع: النکاح / النفقات / اعتبار قبض الوکيل فی تحقق التمکين
قلنا في الجلسة السابقة: إنّه لا وجه لاعتبار قبض الزوجة بواسطة وكيل الزوج موجباً لوجوب نفقة الزوجة على الزوج.
نعم، يمكن في توجيه كلمات الأصحاب أن يقال: إنّ ما ادّعوه مرتبط بمقام الإثبات لا مقام الثبوت؛ بمعنى أنّ مجرّد دعوى الزوجة استعدادها للتمكين مادام الزوج غير حاضر عندها، أو ما لم تسلّم نفسها إلى وكيل الزوج، لا يدلّ على تحقّق التمكين منها.
غير أنّ هذا الادّعاء ـ مضافاً إلى مخالفته لظاهر كلمات الأصحاب، حيث يظهر منها أنّ قبض الوكيل دخيل في تحقّق التمكين ثبوتاً ـ لا وجه له أيضاً؛ لأنّه حتّى لو قلنا بمدخليّة هذا الأمر في مقام الإثبات، فلا وجه لتسليم الزوجة نفسها إلى شخص يكون وكيل الزوج في إيصالها إليه، إذ الإيصال غير قابل للتوكيل کما تقدّم، بل يكفي في إثبات تمكين الزوجة من زوجها أن تسلّم نفسها إلى شخص يكون أميناً للزوج في إيصالها إليه، أو أجيراً من قبله لأجل هذا الأمر.
وأمّا مقتضى التحقيق في أصل المسألة، فيمكن أن نقول: إنّه إذا اعتبرنا التمكين شرطاً لوجوب النفقة، فإنّ الزوجة تستحقّ النفقة في الفرض الذي تكون فيه ممكّنة، سواء أُبرز هذا الأمر بوسيلة ظاهرة أم لم يبرز. نعم، مادام الزوج لم يحرز تمكين الزوجة، فلا يكون في الظاهر مكلّفاً بإعطائها النفقة، لكنّ هذا لا يرتبط بمقام الثبوت.
وعليه فإنّ حضور الزوج أو غيبته لا مدخليّة لهما في المسألة؛ لأنّ غيبة الزوج لا توجب فقدان الزوجة للتمكين، وعدم تمكّن الزوج من الاستمتاع بها يرجع إلى مانع أوجده الزوج نفسه، ولا يرتبط بالزوجة.
ويؤيّد ذلك أيضاً أنّه ـ كما تقدّم في بداية البحث ـ إذا غاب الزوج بعد الدخول بالزوجة، فإنّ نفقتها تجب عليه بلا إشكال، وهذا يدلّ على أنّ وصول الزوج إلى الزوجة بعد إعلان استعدادها للتمكين دخيل في مقام الإثبات لا في مقام الثبوت، إذ لو كان هذا الأمر دخيلاً في مقام الثبوت لتحقّق التمكين، لوجب الالتزام بذلك حتّى في الفرض الذي تكون فيه الغيبة بعد الدخول.
وبناءً على ذلك فإنّ ما قيل من أنّه إذا لم يقدم الزوج بعد علمه على المجيء إلى الزوجة ولم يعيّن وكيلاً لقبض الزوجة، فإنّ نفقة الزوجة تجب على الزوج بعد مضيّ المدّة اللازمة لوصول الزوج إلى الزوجة، ليس قولاً صحيحًا، ولا يتوقّف وجوب نفقة الزوجة على مثل هذا الأمر، بل إنّ وجوب نفقتها على الزوج متوقّف على تمكينها له وإن لم يحصل للزوج العلم بذلك.
نعم، إذا لم يكن محلّ الزوج معلوماً أو لم يكن للحاكم إمكانيّة إرسال الخبر إليه، فقد قال الشهيد الثاني: «لو لم يعرف موضعه كتب الحاكم إلى حكّام البلاد التي تتوجّه إليها القوافل من تلك البلد عادة ليطلب وينادى باسمه، فإن لم يظهر فرض الحاكم نفقتها في ماله الحاضر وأخذ منها كفيلاً بما يصرفه إليها، لأنّه لا يؤمن أن يظهر وفاته أو طلاقه...
ولو لم يظهر له خبر أو لم يتمكّن الحاكم من الإرسال والبحث عنه، وقفت النفقة على القول بتوقّفها على التمكين.»[1]
وقد رأى صاحب الجواهر أنّ الإشكال في كلام الشهيد الثاني هو أنّه إذا كان مكان الزوج مجهولاً، فإنّ نفقة الزوجة تسقط؛ لأنّ التمكين متوقّف على إعلام الزوج، ومع عدم القدرة على الوصول إلى الزوج ينتفي الإعلام، وبالتالي ينتفي التمكين. ولهذا السبب أيضاً ذهب صاحب المسالك في فرض عدم إمكان إرسال الخبر من قبل الحاكم إلى الزوج إلى عدم وجوب النفقة على الزوج. [2]
والحقّ أنّ إشكال صاحب الجواهر على دعوى الشهيد الثاني تامّ ولا فرق بين الفرضين المذكورين في كلامه، فإذا قلنا في أحدهما باستحقاق الزوجة للنفقة أو بعدم استحقاقها لها، لزم الالتزام بالحكم نفسه في الفرض الآخر أيضاً.
وعليه ينبغي أن نقول: إنّه في فرض استعداد الزوجة للتمكين، تجب نفقتها على الزوج ولو لم يكن الزوج عالماً بذلك. وبناءً على هذا يجب الالتزام بوجوب نفقة الزوجة على الزوج في كلا الفرضين، ولا يجب الإعلام إلى حكّام البلاد في الفرض الأوّل أيضاً.
وفي الحقيقة فإنّ مراجعة الزوجة إلى الحاكم إنّما هي من جهة إثبات استعدادها للتمكين في مقام الإثبات، وإلا فإنّ هذا الأمر لا مدخليّة له ثبوتاً في وجوب نفقتها على الزوج.
وأمّا ما ذكره صاحب المسالك في ذيل كلامه من أنّه إذا لم يكن هناك علم بحياة الزوج، يؤخذ من الزوجة كفيل بحيث إذا تبيّن لاحقاً أنّ الزوج كان قد توفّي، ترجع ما صرفته بعنوان النفقة إلى الورثة، فهو قول صحيح، وإن كان أخذ الكفيل غير دخيل في وجوب نفقة الزوجة على الزوج؛ لأنّ مقتضى الاستصحاب بقاء الزوجيّة، وهو ما يترتّب عليه وجوب النفقة، وأخذ الكفيل إنّما هو من باب الاحتياط العملي لإمكان استرداد النفقة من الزوجة في حال انكشاف موت الزوج أو وقوع الطلاق.
ثمّ إنّ ما تقدّم إنّما كان في فرض اعتبار التمكين شرطاً لوجوب النفقة.
وأمّا بيان المسألة على فرض اعتبار النشوز مانعاً عن وجوب النفقة فسيذكر في الجلسة القادمة إن شاء الله.