« قائمة الدروس
بحث الفقه الأستاذ سید علي الموسوي اردبیلي

47/07/21

بسم الله الرحمن الرحیم

سقوط النفقة مع مشارکة الزوجة فی الأکل/ النفقات /النکاح

الموضوع: النکاح / النفقات / سقوط النفقة مع مشارکة الزوجة فی الأکل

 

قال المحقّق الحلّي: «الثالثة: إذا دخل بها واستمرّت تأكل معه وتشرب على العادة، لم تكن لها مطالبته بمدّة مؤاكلته.

ولو تزوّجها ولم يدخل بها وانقضت مدّة لم تطالبه بنفقة، لم تجب لها النفقة على القول بأنّ التمكين موجب للنفقة أو شرط فيها، إذ لا وثوق لحصول التمكين لو طلبه.»[1]

طرح المحقّق الحلّي في هذه المسألة فرضين.

الفرض الأوّل: إذا عاش الزوج مدّة مع الزوجة وتناول الطعام معها وجعلها تشاركه في الأكل دون أن يقول لها: «إنّ هذا الطعام الذي تأكلينه إنمّا أُقدّمه لك على سبيل النفقة»، فهل يكفي ذلك وحده لسقوط النفقة أم لا؟

وأصل هذه المسألة قد طرحه علماء العامّة.

قال النووي في هذا الشأن: «لو كانت تأكل ‌معه على العادة، ففي سقوط نفقتها وجهان، أقيسهما: ...لا تسقط وإن جريا على ذلك سنين، لأنّه لم يؤدّ الواجب وتطوّع بغيره.

والثاني: تسقط، فإنّه اللائق بالباب؛ قال الغزالي: وهذا أحسنهما، لجريان الناس عليه في الأعصار، واكتفاء الزوجات به، ولأنّها لو طلبت النفقة للزمن الماضي والحالة هذه لاستنكر.

وبنى بعضهم هذا على المعاطاة، إن جعلناها بيعاً، برئت ذمّته عن النفقة، وإلا فلا، وعليها غرامة ما أكلت.

ثمّ الوجهان في الزوجة البالغة أو صغيرة أكلت معه بإذن القيّم. فأمّا إذا لم يأذن القيّم، فالزوج متطوّع ولا تسقط نفقتها بلا خلاف.

قلت: الصحيح من الوجهين سقوط نفقتها إذا أكلت معه برضاها... وعليه جرى الناس من رسول الله(ص) وبعده من غير نزاع ولا إنكار ولا خلاف، ولم ينقل أنّ امرأة طالبت بنفقة بعده. ولو كانت لا تسقط مع علم النبي(ص) بإطباقهم عليه، لأعلمهم بذلك، واقتصّه من تركة من مات ولم يوفّه، وهذا ممّا لا شكّ فيه.»[2]

وقال الشيخ الطوسي في هذا المجال: «إذا رزقت زوجته وأقامت في يده فينفق عليها الطعام والشراب وأنواع المأكولات سنين، كان ذلك نفقتها ولا يلزمها فيما بعد شيء، سواء كان ذلك مطلقاً أو مقيّداً.

وقال بعضهم: إن أنفقه مطلقاً استقرّت نفقتها لمضيّ الوقت ولم تسقط، ولم يكن ما أنفق عليها نفقتها، لأنّ الذي يجب لها الحبّ، وما وافقتها على أنّ هذا في مقابلته، وإن كان الإنفاق بشرط أنّ هذا نفقة عليها بدلاً عن الواجب لها، فعلى هذا هذه معاوضة فاسدة، ولكلّ واحد منهما على صاحبه ما وجب له عليه، له عليها قيمة ما أنفقه، ولها عليه ما استقرّ في ذمته.»[3]

وقال الشهيد الثاني: «إنّما لم يكن لها ذلك لحصول المقصود من النفقة، ولجريان الناس على ذلك في سائر الأعصار، واكتفاء الزوجات به، ولو طلبت المرأة النفقة للزمان الماضي والحال هذه لاستنكر.

وللشافعيّة وجه بعدم سقوط نفقتها بذلك، لأنّه لم يؤدّ الواجب الموظّف عليه شرعاً وتطوّع بما ليس بواجب.

هذا إذا كانت المرأة بالغة رشيدة، أو كانت تأكل معه بإذن الوليّ‌. أمّا لو كانت مولّى عليها ولم يأذن الوليّ، فالزوج متطوّع ولا تسقط نفقتها بذلك، لتوقّفها على قبضه أو إذنه.»[4]

أقول: ناقشنا في الجلسة السابقة البحث الثبوتي لهذه المسألة.

غير أنّ هناك نقطة بقيت في البحث الثبوتي، وهي إمكان الادّعاء بأنّ كفاية النفقة في الفرض المذكور مستندة إلى وجود سيرة مستمرّة إلى زمن المعصوم(ع).

لكنّ الإشكال في هذه الدعوی هو أنّ وجود السيرة لا يثبت مدّعى الأصحاب إلا إذا فرض وجوب التمليك على الزوج، وإلا أمكن الادّعاء بأنّ سكوت المعصوم(ع) كان من جهة أنّ التمليك ليس واجباً على الزوج وأنّ وظيفته لا تتجاوز وضع النفقة تحت تصرّف الزوجة، لأنّ التمليك قد تحقّق من قبل الشارع.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر مع اعتراضه على دعوى الشهيد الثاني في الفرض الذي تكون فيه الزوجة محتاجة إلى وليّ ولم يأذن وليّها في مؤاكلتها مع الزوج، قال: «إن کان القبض له مدخليّة في کون الشيء نفقةً وفي الملك، لم يُجْد إذن الوليّ؛ ضرورة سلب أفعال المجنون مثلاً وأقواله عن القابليّة، فلابدّ حينئذٍ من قبضه أو وکيله في حصول الملك.

وإن کان لا مدخليّة له في ذلك ـ باعتبار أنّ الزوج هو المخاطب بالإنفاق وإن کان من ينفق عليه يملك ما يکون في يده منه، لکنّه تمليك شرعي لا مدخليّة فيه للقبض ونحوه من الأسباب التي يعتبر فيها العقل ـ فلا يحتاج إلی استئذانه في ذلك، ويسقط عنه خطاب النفقة بالمؤاکلة المزبورة.

ولعلّ السيرة والطريقة علی ذلك وعلی عدم اعتبار قصد الزوج التمليك فيما يدفعه من الطعام إلی زوجته، وعدم قصدها التملّك له، وإن کان هو ملك لها شرعاً.»[5]

والحقّ في هذا الإشكال مع صاحب الجواهر.

فإنّ هذا الكلام في الواقع يعدّ إقراراً بأنّ تمليك النفقة للزوجة قد تمّ من قبل الشارع، لا أنّ الزوج مكلّف بتمليك النفقة لها.

وأمّا من حيث الإثبات، فإذا قلنا بأنّ التمليك واجب على الزوج وأنّه في حال عدم تحقّقه تبقى ذمّته مشغولة تجاه الزوجة، فلا يمكن القول بكفاية مجرّد المؤاكلة، لأنّ المؤاكلة لا ظهور لها في تمليك النفقة بحيث يستلزم تقديم قول الزوج علی قولها.

 


[2] ـ روضة الطالبين، ج9، ص53 و 54.
logo