« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ سید علي الموسوي اردبیلي

47/08/18

بسم الله الرحمن الرحیم

 ألاشکالات علی توجيهات الشهيد الصدر/ الأمر الخامس /العام و الخاص

الموضوع: العام و الخاص / الأمر الخامس / ألاشکالات علی توجيهات الشهيد الصدر

 

ذكرنا في الجلسة السابقة التوجيهات التي أفادها الشهيد الصدر جواباً عن الإشكال الذي طرحه على لزوم الفحص عن المخصّص قبل العمل بالعامّ.

غير أنّه ـ مضافاً إلى التوجيه الثالث الذي صرّح هو نفسه بعدم قبوله ـ فإنّ سائر هذه التوجيهات أيضاً لا تخلو من إشكال؛ وذلك لأنّه أوّلاً: بناءً على ما تقدّم في كلمات السيّد الخميني، فإنّ منهج التقنين قائم على ورود المخصّصات منفصلة عن العمومات، وعليه لا يمكن الالتزام بأنّ أصحاب الأئمّة(ع) مع علمهم بأنّهم(ع) في مقام بيان الحكم الشرعي، لم يكونوا عالمين بأنّ العمومات الصادرة منهم في معرض التخصيص.

ثانياً: إنّ افتراض وجود ظروف التقيّة بوصفها مانعاً عن الفحص والبحث عن المخصّصات لا وجه له؛ لأنّ الذين كانوا يستمعون إلى الأخبار مباشرة من الأئمّة(ع) كانوا ينقلونها إلى غيرهم، ولولا هذا النقل لما وصلت إلينا تلك الأخبار أصلاً. ومع تحقّق نقل الروايات منهم، لا معنى للقول بأنّ الرواة المتعاصرين لم تكن لهم إمكانيّة الأخذ بعضهم عن بعض.

ثالثاً: إنّ ثبوت الحكم العامّ في حقّ الرواة بعنوان الحكم الظاهري، إن أُريد به أنّ هذه المصلحة كانت موجودة في خصوص عملهم الشخصي، لزم منه أن لا تكون الأخبار التي نقلوها حجّة بالنسبة إلى غيرهم، لأنّ صدورها حينئذٍ يكون مبنيّاً على مصلحة ظاهريّة خاصّة بالراوي. وإن أُريد به أنّ في نفس نقل الرواية على نحو العموم مصلحة ظاهريّة، فالإشكال أنّ نقلهم للرواية بالكيفيّة التي استمعوها بها كان متضمّناً لمصلحة واقعيّة لا لمجرّد مصلحة ظاهريّة، وسيتّضح بيان ذلك في التوجيه الذي سنذكره لاحقاً.

وعليه فيقال في الجواب عن الإشكال المذكور: إن أُريد من عدم فحص الرواة عن المخصّص أنّهم لم يكونوا يفحصون عن المخصّص في عملهم الشخصي، فهذه الدعوى غير مسلّمة؛ إذ لم يتّضح لنا على وجه الدقّة كيفيّة عملهم الفردي. وإن أُريد أنّهم في مقام نقل العمومات التي سمعوها من الأئمّة(ع) لم يراعوا الفحص عن المخصّص، فهذا وإن كان صحيحاً إلّا أنّه ينبغي الالتفات إلى أنّ وظيفة الراوي إنّما هي نقل ما سمعه من الإمام(ع) كما هو، من دون زيادة ولا نقصان، وإلّا لكان ذلك موجباً للتشكيك في وثاقتهم في نقل الأخبار.

وأمّا الرجوع إلى المخصّص وفحص القرائن فهو وظيفة من يكون في مقام الإفتاء بمضمون الأخبار أو العمل بها، فلا ينبغي الخلط بين وظيفة الراوي ووظيفة المفتي.

ثمّ إنّ ما قيل من أنّ بعض الرواة كانوا يفتون أيضاً إضافة إلى نقل الحديث، وإن كان ادّعاءً صحيحاً في الجملة إلّا أنّه لا نسلّم بأنّ فتاواهم كانت مبتنية حصراً على الروايات التي سمعوها مباشرة من الأئمّة(ع) من دون ملاحظة أيّ قرينة أُخرى؛ بل الظاهر ابتناء فتاواهم على مجموع ما كان متاحاً لديهم من الأخبار والقرائن الأُخری.

فانقدح إلى هنا أنّ الفحص عن المخصّص قبل العمل بالعامّ معتبر.

غير أنّ الأمر الذي يحتاج إلى دراسة هو حدّ الفحص عن المخصّص ومقداره.

ذكر الغزالي في هذا الشأن أنّ في المسألة ثلاثة آراء بين العلماء:

ذهب فريق منهم إلى أنّه يكفي أن يصل المجتهد ـ بعد الفحص التامّ والبحث الدقيق ـ إلى غلبة الظنّ بعدم وجود الدليل؛ كمن يفتّش عن شيء في دار مملوءة بالأمتعة فلا يجده، فيحصل له الظنّ الغالب بعدم وجوده.

وذهب آخرون إلى أنّه لابدّ من حصول الاعتقاد الجازم وطمأنينة النفس بعدم وجود الدليل؛ فلو بقي احتمال وجود دليل في الذهن، لم يجز الاستناد إلى الحكم، لاحتمال أن يكون العمل به محرّماً. نعم، إذا حصل سكون النفس والاعتقاد القطعي، جاز العمل بالدليل، سواء كان ذلك مطابقاً للواقع عند الله تعالى أم مخالفاً له.

ورأى فريق ثالث أنّه لابدّ من حصول القطع بانتفاء الأدلّة المخصّصة؛ لأنّ الاعتقاد الجازم من دون دليل قطعي يعدّ نوعاً من الجهل والسذاجة، فالإنسان الكامل إذا لم يكن بيده دليل قاطع، يبقى ملتفتاً إلى احتمال الخلاف ولا تحصل له الطمأنينة القلبيّة. [1]

وسيأتي تتمّة كلام الغزالي في الجلسة القادمة ان شاء الله.

 


logo