47/08/14
بسم الله الرحمن الرحیم
إشکالات الشهيد الصدر علی لزوم الفحص عن المخصص/ الأمر الخامس /العام و الخاص
الموضوع: العام و الخاص / الأمر الخامس / إشکالات الشهيد الصدر علی لزوم الفحص عن المخصص
قال السيّد الخوئي أيضاً في إشكاله على دعوى الآخوند: إنّ النظريّة القائلة بوجود فرق ماهوي بين «الفحص عن المخصّص عند العمل بالعامّ» و«الفحص عن الدليل قبل جريان الأُصول العمليّة» وإن کانت تبدو صحيحة في الظاهر إلّا أنّه لا يوجد مثل هذا الفرق في الواقع؛ فإنّ الفحص في كلا المقامين قد يكون لإثبات المقتضي والموضوع، کما قد يکون للعثور على المانع والمزاحم.
ففيما يتعلّق بالعمومات التي تكون في معرض التخصيص ـ كعمومات الكتاب والسنّة ـ وبسبب أنّ منهج الشارع والأئمّة(ع) قائم على البيان التدريجي والاعتماد علی القرائن المنفصلة، فإنّ العقلاء لا يعملون بها قبل الفحص. وفي هذه الموارد يكون الفحص جزءً متمّماً للمقتضي وشرطاً للحجّيّة، كما هو الحال في اشتراط الفحص في جريان البراءة في الشبهات الحكميّة.
وأمّا العمومات التي ليست في معرض التخصيص ـ كالعمومات الموجودة في المحاورات العرفيّة بين المولى والعبد أو الحاكم والمأمور ـ فإنّ سيرة العقلاء جارية على العمل بها من دون فحص؛ لأنّ الظهور الاستعمالي هو بعينه المراد الجدّي، ولا يجب الفحص إلّا في صورة العلم الإجمالي بوجود مخصّص. وهذه الفئة من العمومات تشبه الأَُصول العمليّة في الشبهات الموضوعيّة، إذ يکون المقتضي لجريان الأُصول فيها موجوداً بنحو كامل، فتجري الأُصول العمليّة في هذه الموارد من دون حاجة إلى فحص إلّا فيما إذا کان هناك علم إجمالي يمنع من الأخذ بها.[1]
والتحقيق أنّ مدّعى المحقّق الإصفهاني والسيّد الخوئي ممّا يصحّ الالتزام به.
ثمّ إنّ الشهيد الصدر قد طرح إشكالاً على لزوم الفحص عن المخصّص، وذكر ما حاصله: أنّه يظهر من استقراء طريقة أصحاب الأئمّة(ع) ورواة الحديث أنّهم لم يكونوا في مقام الفحص عن الأدلّة والمخصّصات المنفصلة التي كان يحتمل صدورها إلى جانب الروايات التي كانوا ينقلونها في أُصولهم ويؤدّونها إلى غيرهم؛ فمثلاً إنّ زرارة إذا روى خبراً عامّاً، لم يكن يتصدّى للفحص عن مخصّصه في مرويّات محمّد بن مسلم.
نعم، مع مرور الزمن وبالنسبة إلى من جاء بعدهم، كان من الممكن أن يقع الفحص والبحث عمّا نقله محمّد بن مسلم من مخصّصات وقرائن لأخبار زرارة بحيث لا يقتصر النقل على مضمون أصل زرارة فحسب. إلّا أنّه لم يكن بين الرواة المباشرين والمتعاصرين فحص وبحث من هذا القبيل؛ إذ لو كانت مثل هذه الطريقة شائعة بينهم، لكان لها انعكاس في التاريخ، ولأدّت ـ على أقلّ تقدير ـ إلى نشوء حركة من الاستنساخ والتبادل والمباحثة فيما بينهم، مع أنّنا نقطع عادة بعدم وقوع شيء من ذلك. وهذا يكشف عن أنّ الفحص لم يكن واجباً عليهم في ذلك الزمان، ولعلّ هذه النكتة تتّخذ دليلاً على أنّ وجوب الفحص ـ حتّى في فرض كون العامّ في معرض التخصيص ـ لم يكن ثابتاً ولو في حقّ من كانوا مشافهين بالعمومات أو كانت الخطابات قد صدرت في حقّهم قطعاً.
ثمّ ذكر في مقام دفع هذا الإشكال أنّه يمكن تفسير هذه الظاهرة بعدّة وجوه، وبذلك يدفع الإشكال عن لزوم الفحص عن الخاصّ قبل العمل بالعام:
الأوّل: إنّ كون العمومات في معرض التخصيص لم يكن واضحاً في نظر الأصحاب؛ إمّا لأنّ كثيراً من المخصّصات كانت معلومة لديهم وإنّما نشأ احتمال التخصيص لاحقاً بسبب تقطيع الروايات وضياع بعضها، أو لأنّ كثرة المخصّصات لم تكن ظاهرة لهم في ذلك العصر وإنّما تبيّنت لاحقاً بعد جمع الروايات.
الثاني: إنّ الظروف الصعبة والحرجة التي أوجبت لهم التقيّة لم تكن تسمح لهم بالفحص والبحث عن المخصّصات فيما بينهم، لأنّ مثل هذا السلوك كان من شأنه أن يلفت الأنظار ويعرّضهم للخطر.
الثالث: إنّ عمل كلّ راوٍ بالعامّ الذي كان الخطاب متوجّهاً إليه يعدّ قدراً متيقّناً، سواء أكان لذلك العامّ مخصّص في الواقع أم لا.
إلّا أنّ هذا التفسير مردود؛ لأنّ الرواة لم يكونوا يستمعون إلى الحديث لأجل العمل الشخصي فقط، بل كانوا يفتون للآخرين، بل وينقلون أحكاماً لم يكونوا مبتلين بها بأنفسهم.
الرابع: من المحتمل أن يكون حكم العامّ قد ثبت في حقّهم بعنوان الحكم الظاهري وإن كان الحكم الواقعي مقروناً بالتخصيص؛ وذلك لأنّ المصلحة الظاهريّة قد تكون أحياناً في الإظهار والإفتاء ولا تختصّ بالعمل الشخصي.[2]
غير أنّ هذه التوجيهات كلّها غير تامّة، وسيقع البحث في الإشكالات الواردة عليها في الجلسة القادمة إن شاء الله.