« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

47/11/09

بسم الله الرحمن الرحيم

الثالث: الغسل للإحرام في الميقات.../فصل في مقدّمات الإحرام /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في مقدّمات الإحرام /الثالث: الغسل للإحرام في الميقات...

 

ثمّ، ذكر المصنّف (قده) أنّه لو اغتسل المكلّف للإحرام ثمّ أحدث قبل أن يُحرم، يُستحبّ له إعادة الغسل، وخصوصاً إذا كان الحدث نوماً؛ لورود النصّ الخاصّ بذلك، كما في صحيحة النضر بن سويد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يغتسل للإحرام ثمّ ينام قبل أن يُحرم؟ قال: عليه إعادة الغسل»[1] . وقد ألحق الفقهاء بالنوم غيره من النواقض كالبول والغائط والريح والجنابة، فحكموا باستحباب إعادة الغسل لأيّ حدث طرأ قبل الإحرام، وإن كان مورد النصّ خصوص النوم.

إلّا أنّ هذه الصحيحة تعارضها صحيحة العيص بن القاسم، حيث قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يغتسل للإحرام بالمدينة، ويلبس ثوبين ثمّ ينام قبل أن يُحرم، قال: ليس عليه غسل»[2] ، فيقع التنافي بينهما فيتساقطان، وحينئذ لا بدّ من الرجوع إلى العموم الفوقاني الدّال على أنّ الطهارة ـ غسلاً كانت أو وضوءً ـ تنتقض بالحدث، فوجود التعارض بين الروايات لا يمنع من القول بانتقاض الغسل بالنوم أو بغيره من الأحداث؛ إذ المرجع هو العموم الفوقاني، ولا حاجة إلى دليل خاص حتّى يقال بتعارضه مع غيره.

وتوضيح ذلك: أنّ المولى لو أمر عبده بالإتيان بعمل خارجي قبل الإحرام، كما لو قال: «تصدّق قبل الإحرام» أو «ادعُ قبل الإحرام» أو «صلّ قبل الإحرام»، فأتى المكلّف بتلك الأعمال ثمّ أحدث قبل الإحرام، لم تجب عليه الإعادة لتلك الأعمال؛ لأنّ المكلّف قد امتثل الأمر الاستحبابي الأوّل بالصدقة، والثاني بالدعاء، والثالث بالصلاة، وقد سقط الأمر بامتثاله. وأمّا إذا قال المولى: «اغتسل قبل الإحرام»، فالحكم يختلف عن تلك الأمور الثلاثة؛ وذلك لأنّ الغرض ليس مجرّد الإتيان بالغسل، بل وقوع الإحرام عن طهارة، فالمولى إنّما يُريد من العبد أن يُحرم عن طهارة، والغسل طهور، بل هو أقوى أفراد الطهورية، كما ورد: «وأيّ طهور أطهر من الغسل»، فإذا اغتسل المكلّف ثمّ أحدث قبل الإحرام، لم يقع إحرامه عن طهارة؛ إذ لا يجتمع الطهور مع الحدث. وعليه، فمَن قال بوجوب الغسل أو باستحبابه معاً يوجبان إعادة الغسل بعد الحدث ليكون الإحرام عن طهور، ولا حاجة في ذلك إلى رواية خاصّة بعد تعارض الأخبار وتساقطها، بل يكفي الرجوع إلى العموم الفوقاني بأنّ كلّ حدث ينقض الطهارة. وهذا بخلاف الصدقة والدعاء والصلاة، فإنّها أفعال مستقلّه قد تعلّق الأمر بها قبل الإحرام، فإذا أتى بها المكلّف سقط الأمر بها، ولا موجب لإعادتها.

وممّا يدلّ على استحباب إعادة الغسل بعد النوم ـ مضافاً إلى ما تقدّم ـ صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يغتسل لدخول مكّة ثمّ ينام فيتوضّأ قبل أن يدخل أيجزيه ذلك أو يُعيد؟ قال: لا يجزئه لأنّه إنّما دخل بوضوء»[3] ، وهي تدلّ على أنّ الغسل لدخول مكّة ـ وهو فعل كالغسل للإحرام ـ ينتقض بالنوم، بحيث إنّ المكلّف إذا اغتسل لدخول مكّة ثمّ نام وتوضّأ قبل أن يدخلها كان داخلاً بغير غسل، ولا خصوصيّة للنوم في ذلك، بل الحكم يشمل كلّ ناقض للغسل وعدم إجزاء الوضوء عنه.

وتدلّ على انتقاض الغسل للفعل بمطلق الحدث موثّقة إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن غسل الزيارة يغتسل بالنهار، ويزور بالليل بغسل واحد؟ قال: يجزئه إن لم يُحدث، فإن أحدث ما يوجب وضوءاً فليُعد غُسله»[4] ، وهي صريحة في أنّ الغسل للفعل ينتقض بكلّ ما يوجب الوضوء.

إذن، لا يختصّ الحكم بغسل دخول مكّة أو غسل الزيارة، بل المنظور هو العمل الذي يُعتبر فيه الغسل ليكون عن غسل، ومصداقه صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج في الغسل لدخول مكّة، وكذا موثّقة إسحاق بن عمّار في الغسل للزيارة. فالتعليل الوارد في الصحيحة: «لأنّه إنّما دخل بوضوء» يقول: كلّ عمل اعتُبر فيه الغسل سواء كان إحراماً أو غيره، ينتقض بالنوم؛ لأنّه حدث فلا يُجزي الوضوء عن الغسل المنتقض، فكلّ حدث ينقض الغسل الذي يُعتبر تحقّقه قبل العمل.

وعليه، فالغسل يختلف عن سائر الأفعال المأمور بها قبل الإحرام؛ لأنّ الغرض فيه تحصيل الإحرام عن غسل وطهارة، فكلّ عمل يُعتبر فيه الغسل ـ كالإحرام عن غسل، ودخول مكّة عن غسل، والزيارة عن غسل ـ إذا انتقض غسله لزم إعادته لتحصيل الاستحباب.

ثمّ، ذكر المصنّف (قده) أنّ الأولى إعادة الغسل إذا ارتكب المُحرم ما لا يجوز له أكله أو لبسه، بل وكذا إذا تطيّب، بل عمّم ذلك إلى جميع تروك الإحرام، فحكم بأنّه لو أتى بشيء منها بعد الغسل وقبل الإحرام كان الأولى له إعادته.

ولكن يُلاحظ على ذلك أنّ ظاهر الروايات ليس مجرّد الأولويّة، بل إنّ هذه الأفعال جُعلت شرعاً من نواقض غسل الإحرام، كما جُعل البول والنوم والغائط والريح والجنابة من نواقض الغسل والطهارة. ومن ثمّ لا تختصّ ناقضيّة غسل الإحرام بتلك الأمور الخمسة المعهودة، بل إنّ الشارع ـ كما حكم هناك بالنقض ـ حكم هنا أيضاً بكون بعض الأفعال الأُخرى ناقضة لهذا الغسل، فينتقض غسل الإحرام بها، ويُستحبّ إعادته. فالشارع الذي جعل تلك الأمور الخمسة نواقض للطهارة، وهو نفسه جعل لغسل الإحرام نواقض أُخرى. وبناء على ذلك، فمَن اغتسل للإحرام ثمّ أكل طعاماً فيه طيب، أو شمّ طيباً، أو لبس مخيطاً، انتقض غسله، فيُستحبّ له الإعادة، لا أنّ الإعادة الأولى.

ويشهد لذلك جملة من النصوص، منها: صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا لبست ثوباً لا ينبغي لك لبسه، أو أكلت طعاماً لا ينبغي لك أكله، فأعد الغسل»[5] .

ومنها: صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا اغتسلت للإحرام فلا تقنّع ولا تطيّب، ولا تأكل طعاماً فيه طيب فتعيد الغسل»[6] .

والظاهر من الأمر في هذه النصوص ـ كما ذكر المحقّق الخوئي (قده) ـ هو وجوب الإعادة، إلّا أنّ الوجوب غير محتمل بعد كون أصل الغسل مستحبّاً، فتكون الإعادة مستحبّة كأصل الغسل.


logo