47/07/16
التاسع: محاذاة أحد المواقيت الخمسة/فصل في المواقيت /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في المواقيت /التاسع: محاذاة أحد المواقيت الخمسة
ثمّ، إنّ المصنّف (قده) ـ على وفق رأيه ـ ذكر ثلاث صور:
الأُولى: إذا أحرم المكلّف من موضع يظنّ كونه محاذياً للميقات، ولم ينكشف له الخلاف، فلا إشكال في صحّة إحرامه.
غير أنّ الأولى في التعبير ـ على ضوء ما تقدّم ـ أن يُقال: إذا أحرم من موضع قامت فيه الحجّة على كون هذا الموضع محاذياً للميقات، ولم ينكشف له الخلاف، فلا إشكال في الصحّة؛ لأنّ المكلّف حينئذ قد عمل وفق الحجّة الظاهرية الدالّة على كون هذا الموضع محاذياً للميقات.
الثانية: وأمّا إذا أحرم من موضع قامت فيه الحجّة على كونه محاذياً للميقات، ثمّ انكشف الخلاف قبل وصوله إلى المحاذاة الواقعية، فلا يصحّ إحرامه الأوّل، بل يجب عليه تجديد الإحرام من الموضع المحاذي للميقات؛ وذلك لعدم تحقّق المحاذاة في الواقع، وانكشاف عدم مطابقة الحجّة التي اعتمد عليها للواقع، فيكون الإحرام الأوّل واقعاً قبل الميقات، وهو غير مأمور به، بل منهي عنه، ويكون مكلّفاً بالإحرام من محاذاة الميقات التي لم يصل إليها بعدُ.
وبعبارة أُخرى: إنّ الحجّة الأُولى التي اعتمد عليها أوّلاً وأحرم قد تبيّن عدم حجيّتها من الأوّل، والآن مكلّف بالواقع المنجّز عليه، وهو الإحرام من محاذاة الميقات الذي أمامه، فيجب الإحرام منه.
وقد ذكر المحقّق الخوئي (قده)[1] في هذه الصورة أنّ بعض العلماء ذهبوا إلى صحّة الإحرام الأوّل وإجزائه، بدعوى أنّ قيام الحجّة على كون هذا المكان محاذياً للميقات يثبت حكماً ظاهرياً، والحكم الظاهري ـ في حال الجهل ـ يجزي عن الحكم الواقعي، خصوصاً في الموضوعات. والمقام من هذا القبيل؛ إذ كون هذا المكان محاذياً للميقات أو لا يُعدّ من الموضوعات. وعليه، فإنّ الإحرام الأوّل الذي وقع قبل محاذاة الميقات صحيح ولا تجب إعادته؛ استناداً إلى إجزاء الأحكام الظاهرية عن الأحكام الواقعية في موارد الجهل.
إلّا أنّ الأصل المتّبع في الأصول هو عدم الإجزاء، فإنّ الأحكام الظاهرية لا تجزي عن الأحكام الواقعية عند انكشاف الخلاف، سواء في الأحكام أم في الموضوعات؛ لأنّ المكلّف مأمور بالأحكام الواقعية، وإنّما يرجع إلى الحكم الظاهري حين الجهل بها، فإذا انكشف الخلاف لا يكون الحكم الظاهري مجزئاً عن الحكم الواقعي.
ثمّ أضاف المحقّق الخوئي (قده) أنّ القول بإجزاء الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي ـ على القول به ـ إنّما يتمّ في موارد فعلية الوجوب، مع الجهل بالشرط أو الجزء، كما لو قام الدليل على عدم اعتبار السورة في الصلاة، ثمّ انكشف الخلاف وتبيّن وجود الدليل على لزوم السورة، فحينئذ يصحّ أن يقال: إنّ العمل الفاقد للجزء أو الشرط هل يجزي عن الواجب الواقعي أم لا؟
وأمّا في هذا المقام، فلا مجال للقول بالإجزاء أصلاً؛ وذلك لعدم فعلية الوجوب، حيث إنّ شرط الوجوب لم يتحقّق في هذه الصورة، فإنّ المكان الذي قامت الحجّة على كونه محاذياً للميقات لم يكن كذلك في الواقع، وقد تبيّن الخلاف ولم يصل المكلّف إلى المحاذاة الحقيقية للميقات، ومع انكشاف خطأ الحجّة التي اعتمد عليها في تشخيص هذا المكان ميقاتاً، يتبيّن أنّ وجوب الإحرام لم يكن فعلياً، وإنّما يكون فعلياً بعد الوصول إلى محاذاة الميقات، وهو غير متحقّق في الفرض. وعليه، فشرط الوجوب غير متحقّق في هذا الموضع، ويكون الإحرام منه واقعاً قبل الميقات، وهو منهياً عنه، فضلاً عن كونه غير مأمور به.
وبناء على ذلك، فإنّ القول بإجزاء الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي يتوقّف على فعلية الوجوب، وحيث إنّها غير متحقّقة في المقام، فلا يبقى مجال للقول بالإجزاء.
وكذلك لو صلّى المكلّف صلاة الظهر قبل دخول وقتها، اعتماداً على البيّنة، ثمّ انكشف خطأ البيّنة، فإنّه لا يُحكم بالإجزاء؛ لعدم فعلية الوجوب قبل الزوال، ومع عدم فعلية الوجوب لا معنى للإجزاء.
وكذلك الحال في الصوم، فإنّ الواجب فيه تعليقي، وهو الصوم في نهار شهر رمضان، فلو صام المحبوس في الليل اعتماداً على البيّنة، ثمّ تبيّن الخلاف، فإنّ ذلك لم يجز عن الأمر الواقعي؛ لعدم فعلية الوجوب، فإنّ الوجوب معلّق على النهار.
ولكن الشيخ الصافي (قده)[2] ناقش ذلك، فقال: إنّ وجوب الإحرام والحجّ فعلي بمجرّد تحقّق الاستطاعة، لقوله تعالى: ﴿وَلِله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾[3] . نعم، إنّ الواجب يكون استقباليّاً ومشروطاً بالميقات والموسم، ومع فعلية الوجوب فإذا دلّ دليل على تحقّق شرط الواجب ثمّ تبيّن خلافه، فإنّ هذا المورد يدخل في باب الإجزاء (على القول به).
وإنّنا نناقش في مثال الصوم أيضاً، فنقول: إنّ وجوب الصوم فعلي لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾[4] ، غير أنّ الواجب معلّق على النهار، فلو صام المكلّف في الليل اعتماداً على أمر ظاهري، ثمّ تبيّن الخلاف، أمكن القول بالإجزاء (بناء على القول به الذي هو خلاف القاعدة). وبذلك يختصّ ما ذكره المحقّق الخوئي (قده) في باب الصلاة قبل دخول الوقت؛ لعدم فعلية الوجوب فيها قبل الزوال.