47/06/19
بسم الله الرحمن الرحیم
التعقیبات في الصلاة
موضوع: التعقیبات في الصلاة
اعوذ بالله من الشیطان الرجیم بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدلله رب العالمین و الصلاة و السلام علی سیدنا و نبینا حبیب اله العالمین ابوالقاسم المصطفی محمد و آله الطاهرین واللعن علی اعدائهم اجمعین اللهم عجل لولیک الفرج و العافية و النصر
فالحاصل من هذه الطوائف من الروايات: وجوب الرد في أثناء الصلاة، ولكن ورد بإزائها روايتان؛ موثقة: مُصَدِّقِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ ع قَالَ: لَا تُسَلِّمُوا عَلَى الْيَهُودِ وَ لَا النَّصَارَى- إِلَى أَنْ قَالَ وَ لَا عَلَى الْمُصَلِّي وَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرُدَّ السَّلَامَ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مِنَ الْمُسَلِّمِ تَطَوُّعٌ وَ الرَّدُّ فَرِيضَةٌ وَ لَا عَلَى آكِلِ الرِّبَا وَ لَا عَلَى رَجُلٍ جَالِسٍ عَلَى غَائِطٍ وَ لَا عَلَى الَّذِي فِي الْحَمَّامِ الْحَدِيثَ.[1]
حيث إن المراد بعدم الاستطاعة تشريعًا، وإلا فله استطاعة تكوينية على الجواب، بلا إشكال، وعدم الاستطاعة تشريعًا مساوق للحرمة. ولكن أُشكل عليها بوجهين: الأول من جهة السند؛ حيث إن محمد بن علي ماجيلاويه شيخ الصدوق رحمه الله لم يرد فيه توثيق، ومجرد الشيخوخة لا يدل على الوثاقة، ومجرد إكثاره في الرواية لا يوجب ذلك أيضًا – بعد تطرق احتمال – بنائه على أصالة العدالة التي لا نعترف بها. الثاني: على فرض التسليم بهذا وصحة السند، فهذه الرواية لا تقاوم ما سبق من تلك النصوص الكثيرة؛ فلا مناص من التصرف فيها، إما بحملها على التقية، أو على ان المراد بالمشقة عدم الاستطاعة، حيث إن التصدي للرد ثم العود إلى صلاته يشغله عن الالتفات والتوجه، فلا يسهل عليه الرد؛ فمفادها حينئذ كراهة التسليم على المصلي لا عدم جواز الرد.
وما ذكره قدس سره تام بالنسبة إلى الثاني؛ كما ورد في كلام غير واحد من الأعلام، مضافًا إلى أنه ورد النهي في الرواية عن التسليم على أفراد أخرى، الظاهر منه الكراهة. وأما من جهة السند، فليس بتام: أولاً؛ لأن محمد بن علي ماجيلاويه ممن ترضى عنه الصدوق كثيرًا، وبنينا أن الترضي كاشف عن الوثاقة. وثانيًا: إن اعتماد الصدوق رحمه الله على شخص لا يكون بأصالة العدالة، بل يعتبر العدالة أو الوثاقة في الراوي، كما بينا قرائن تدل على ذلك.
ثانيهما: ما رواه الحميري في "قرب الإسناد" عن الْحَسَنِ بْنِ ظَرِيفٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ع قَالَ كُنْتُ أَسْمَعُ أَبِي يَقُولُ إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ وَ الْقَوْمُ يُصَلُّونَ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ وَ سَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ص- ثُمَّ أَقْبِلْ عَلَى صَلَاتِكَ وَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى قَوْمٍ جُلُوسٍ يَتَحَدَّثُونَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ.[2] و الرواية وإن كانت معتبرة سندًا – فإن حسين بن علوان وثقه النجاشي رحمه الله ظاهرًا، فإن في رجوع التوثيق في قوله: "وأخوه الحسن يكنى أبا محمد، ثقة رَوَيَا عن أبي عبد الله عليه السلام" إلى الحسين لا إلى أخيه – فهذه الرواية لا تدل على عدم وجوب الجواب، والنهي عن التسليم يحمل على الكراهة جمعًا بينها وبين ما تقدم. نعم، روى سِبْطُ الطَّبْرِسِيِّ فِي مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ، عَنِ الْبَاقِرِ ع قَالَ: لَا تُسَلِّمُوا عَلَى الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى إِلَى أَنْ قَالَ وَ لَا عَلَى الْمُصَلِّي وَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرُدَّ السَّلَامَ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مِنَ الْمُسْلِمِ تَطَوُّعٌ وَ الرَّدَّ عَلَيْهِ فَرِيضَةٌ الْخَبَرَ.[3]
والسبط هو أبو الفضل علي بن الحسين بن الشيخ أبي علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي أبو الفضل، فهو سبط صاحبه "مجمع البيان". وقلنا: إنه يحتاج إلى البحث في اعتبارها، مضافًا إلى أنها مرسلة، وإن كان المؤلف من الأجلاء والثقات، وكتب "مشكاة الأنوار" تتميمًا لكتاب والده "مكارم الأخلاق". ويرد على هذه الرواية ما ورد على السابقة من جهة الدلالة، مضافًا إلى أنها مرسلة، ولا يبعد اتحادها مع السابقة. ثم ذكر: أنه إذا عصى ولم يجب، فهل يحكم ببطلان صلاته أو لا؟ فحكم الماتن وأكثر المعلقين: إن الأقوى عدم البطلان. ولكن يظهر من تعليق واحد من الأعلام الاتمام والإعادة، ونُسب إلى جماعة آخرين الحكم ببطلان الصلاة إذا لم يجب حتى مضى وقت الرد، خصوصًا إذا كان اشتغل بالصلاة في زمانه، وذلك بناءً على أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، والنهي في العبادة موجب لبطلانها. و نسب إلى الشيخ البهائي رحمه الله القول بعدم الاقتضاء، فإنه يوجب عدم الأمر بالشيء، واقتضاء الأمر في العبادة موجب للبطلان. وأجاب عنه في "الكفاية": بأنه مع سقوط الأمر يمكن تصحيحها بالملاك. ولكن كما ذكره السيد الأستاذ: بأن الملاك يكشف من الأمر، فمع عدم الأمر لا يُحرَز وجود الملاك. نعم، يمكن القول بالصحة بالترتب الذي يكون تصوره ملازمًا لتصديقه، وإن وقع فيه الخلاف.