47/12/02
2 ذي الحجة 1447
19 أيار 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة وتسعة وعشرون): عصمة النبي يوسف (ع) فوق الشبهات
قد يُستدلُّ ببعض الآيات في القرآن الكريم على عدم عصمة النبي يوسف عليه السلام، كقوله تعالى: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾[1] ، لكنَّ هذه الآية لا تدلُّ على عدم عصمته صلوات الله وسلامه عليه. ويوجد في تفسير هذه الآية احتمالان ذكرهما الفضل الطبرسي في مجمع البيان[2] ، في ذيل هذه الآية.
الاحتمال الأول: فأنسى الشيطانُ يوسفَ ذِكْرَ ربِّه، يعني ذِكْرَ الله عزَّ وجلَّ، وذلك بقرينة قوله تعالى: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ بقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾[3] . ففي الاحتمال الأول يكون الفاعل هو الشيطان، ولفظ «يوسف» مفعول به، وهذا الاحتمال الأول دلَّت عليه الروايات.
الاحتمال الثاني: فأنسى الشيطانُ الرجلَ الذي خرج من السجن ذِكْرَ ربِّه، أي تذكيرَه العزيزَ ما سأله يوسف عليه السلام. وقد يُستشهَد لذلك بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾[4] ، فكان هذا الإنساء عقوبةً من الله ليوسف لأجل ما سأله من الرجل من دون أن يسأل من الله.
إذًا في الاحتمال الأول والثاني الفاعل هو الشيطان، المُنسِي هو الشيطان. في الاحتمال الأول: المُنسَى هو يوسف، في الاحتمال الثاني: المُنسَى هو الشخص الذي كان صاحب يوسف في السجن وخرج من السجن.
لكنَّ التفسير الأول والتفسير الثاني لا ينفيان عصمة النبي يوسف عليه السلام، فإنَّ الإنسان يأخذ بالأسباب والمسببات، والأفضل أن يسأل مُسبِّبَ الأسباب: «يا مُسبِّبَ الأسباب مِن غير سببٍ، سبِّبْ لنا سببًا لن نستطيع له طلبًا». الأفضل أن يسأل الإنسان اللهَ مباشرةً، وكان الأفضل أن يسأل النبي يوسف عليه السلام من الله مباشرةً فكَّه من الأسر، لكنه ترك الأولى وترك الأفضل وسأل من زميله في السجن أن يشفع له عند عزيز مصر، وهذا خلاف الأولى وليس بذنب، فهذا لا ينافي عصمة النبي يوسف.
ويدلُّ على ذلك وعلى هذا الاحتمال الأول جملةٌ من الروايات:
الرواية الأولى أو الحديث الأول: ما رواه الفضل الطبرسي في تفسير مجمع البيان مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «عجبتُ من أخي يوسف، كيف استغاث بالمخلوق دون الخالق؟»[5] .
الحديث الثاني: ما رواه في مجمع البيان أيضًا مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «لولا كلمتُه ما لبث في السجن طولَ ما لبث»[6] .
الحديث الثالث: ما رواه العياشي في تفسيره عن طربال عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «لمَّا أمر الملك بحبس يوسف… إلى قوله: ثم قال للذي أنه ناجٍ منهما: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾، قال عليه السلام: ولم يفزع يوسف في حاله إلى الله فيدعوه، فلذلك قال الله: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾. قال عليه السلام: فأوحى الله إلى يوسف في ساعته تلك: يا يوسف، مَن أراك الرؤيا التي رأيتَها؟ فقال: أنت يا ربِّ. قال: فمَن حبَّبك إلى أبيك؟ قال: أنت يا ربِّ. قال: فمَن وجَّه السيارة إليك؟ قال: أنت يا ربِّ. قال: فمَن علَّمك الدعاء الذي دعوتَ به حتى جعل لك من الجبِّ فرجًا؟ قال: أنت يا ربِّ. قال: فمَن جعل لك من كيد المرأة مخرجًا؟ قال: أنت يا ربِّ. قال: فمَن أنطق لسان الصبيِّ بعذرك؟ قال: أنت يا ربِّ. قال: فمَن صرف عنك كيد امرأة العزيز والنسوة؟ قال: أنت يا ربِّ. قال: فمَن ألهمك تأويل الرؤيا؟ قال: أنت يا ربِّ. قال: فكيف استغثتَ بغيري ولم تستغث بي وتسألني أن أُخرجك من السجن؟ واستغثتَ وأمَّلتَ عبدًا من عبادي ليذكرك إلى مخلوقٍ من خلقي في قبضتي، ولم تفزع إليَّ؟ البثْ في السجن بذنبك بضع سنين بإرسالك عبدًا إلى عبد»[7] .
هنا أُطلق على ترك الأولى مصطلح الذنب من باب أنَّ «حسنات الأبرار سيئات المقرَّبين»، وأنَّ النبي لا ينبغي له ترك الأولى. نعم، يجوز له أن يترك الأولى والأفضل، لكن لو تركه كان هذا بمثابة الذنب لمرتبة النبي، لا أنه هو ذنبٌ حقيقةً، فهذا لا ينافي العصمة.
الحديث الرابع: ما رواه العياشي في تفسيره عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «قال الله ليوسف: ألستُ حبَّبتُك إلى أبيك وفضَّلتُك على الناس بالحسن؟ أوَلستُ الذي بعثتُ إليك السيارة وأنقذتُك وأخرجتُك من الجبِّ؟ أوَلستُ الذي صرفتُ عنك كيد النسوة؟ فما حملك على أن ترفع رغبتك أو تدعو مخلوقًا دوني؟ فالبثْ لِما قلتَ في السجن بضع سنين»[8] .
الحديث الخامس: ما رواه العياشي عن عبد الله بن عبد الرحمن عمَّن ذكره عنده قال: «لمَّا قال للفتى: ﴿فَاذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾، أتاه جبرائيل عليه السلام فضربه برجله حتى كشط له عن الأرض السابعة» ــ كشط له يعني كشف له، والمقصود أنَّ جبرائيل أتى يوسف ووَرَد عليه فضرب الأرض برجله ضربةً كشف ليوسف عن أعماق الأرض بحيث أُرى آخر أرضٍ وهي الأرض السابعة ــ «فقال له: يا يوسف، انظر ماذا ترى؟ فقال: أرى حجرًا صغيرًا. ففلق الحجر فقال: ماذا ترى؟ قال: أرى دودةً صغيرةً. قال: فمَن رازقها؟ قال: الله. قال: فإنَّ ربَّك يقول: لم أنسَ هذه الدودة في ذلك الحجر في قعر الأرض السابعة، أظننتَ أني أنساك؟ حتى تقول للفتى: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾؟ لتلبثنَّ في السجن بمقالتك هذه بضع سنين. قال: فبكى يوسف عند ذلك حتى بكى لبكائه الحيطان. قال: فتأذَّى به أهل السجن، فصالحهم على أن يبكي يومًا ويسكت يومًا، فكان في اليوم الذي يسكت أسوأ حالًا»[9] .
الحديث السادس: ما رواه علي بن إبراهيم بسنده عن شعيب العقرقوفي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إنَّ يوسف أتاه جبرائيل فقال له: يا يوسف، إنَّ ربَّ العالمين يُقرئك السلام ويقول لك: مَن جعلك في أحسن خلقه؟ قال: فصاح ووضع خدَّه على الأرض ثم قال عليه السلام: أنت يا ربِّ. ثم قال له: ويقول لك: مَن حبَّبك إلى أبيك دون إخوتك؟ قال: فصاح ووضع خدَّه على الأرض وقال عليه السلام: أنت يا ربِّ. قال: ويقول لك: مَن أخرجك من الجبِّ بعد أن طُرحتَ فيها وأيقنتَ بالهلكة؟ قال: فصاح ووضع خدَّه على الأرض ثم قال: أنت يا ربِّ. قال: فإنَّ ربَّك قد جعل لك جل عقوبةً في استغاثتك بغيره، فالبثْ في السجن بضع سنين».
هذه واضحة في الاحتمال الأول.
الرواية السابعة والأخيرة، الحديث السابع: ما رواه علي بن إبراهيم مرسلًا في تفسيره بقوله: «فلمَّا أراد مَن رأى في نومه يعصر الخمر الخروج من الحبس، قال له يوسف: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾، فكان كما قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾».
والحاصل: الروايات تدلُّ على التفسير الأول، وهذه الروايات بآحادها ضعيفة، لكن لكثرتها توجب الوثوق بصدور مضمونها، كما أنها موافقة لظاهر الآية، وأنَّ فاعل الإنساء هنا هو الشيطان.
ودفع هذا التوجيه والمشكل هو أنَّ يوسف عليه السلام ترك الأولى، فرأى أنَّ قلب العزيز وسيلة لإخراجه من السجن وأنَّ زميله في السجن واسطة لإخراجه من السجن ، فهو أخذ بالأسباب ولا مانع من ذلك، فهو لم يتوسَّل إليه ويرى أنه هو السبب، بل يرى أنه واسطة. إذًا هذه الروايات وهذا التفسير لا يضرُّ بعصمة النبي يوسف، فهو حينما لم يطلب من الله مباشرةً وإنما طلب من العزيز، هذا من باب الأخذ بالأسباب، وفيه ترك الأولى، ولا يمانع عصمة النبي يوسف عليه السلام.
هذا تمام الكلام في عصمة النبي يوسف عليه السلام.
عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله في القرآن الكريم يأتي عليها الكلام.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.