47/11/18
18 ذي القعدة 1447
6 أيار 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة وسبعة وعشرون): ردّ شبهة الكذب والافتراء بالنسبة إلى بعض أنبياء الله
قد يُفهم من بعض الآيات صدور ما فيه شائبة الكذب والافتراء عن بعض أنبياء الله، مثل ما نُقل عن نبي الله إبراهيم في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾[1] ، مع عدم كونه مريضًا، وما نُقل عن مؤذن النبي يوسف عليه السلام من نسبة السرقة إلى إخوته بأمره في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾[2] ، مع عدم كونهم سارقين.
والجواب: دلَّت الروايات الشريفة في قضية إبراهيم خليل الرحمن أن المقصود من لفظ «سقيم» في الآية الكريمة ليس السقم المادي والمرض المادي، فليس المراد هو معناه الموضوع له، بل المراد تأويله وهو السقم في الاعتقاد. وقد ورد في النصوص أن كلام إبراهيم الخليل وكلام يوسف عليه السلام كان من باب التورية وإرادة غير المعنى اللغوي، أي إني طالب للحق الواقع، فالمراد «إني سقيم» إني طالب للحق الواقع وهو الله تبارك وتعالى.
والوجه في ذلك تفسير السقيم في الروايات بلفظ «المرتاد». المرتاد في أصل اللغة بمعنى طالب الحق بالنظر والتأمل لاختيار الأفضل. قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب العين ما نصه: «يرود لنا الكلأ والمنزل ويرتاده بمعنى واحد، أي يطلب وينظر فيختار أفضله»[3] . ارتاد البستان أي اختار أفضل البساتين، ارتاد الحق أي تأمل واختار أفضل الطرق إلى الحق. فقال «إني سقيم» أي أنا مرتاد أي طالب لأفضل الطرق إلى الله الحق تبارك وتعالى. هذا هو المناسب لسياق الآية. إذًا هذا فيه تورية «إني سقيم» ولم يذكر متعلَّق السقم، يعني أنا مريض، المريض يشمل المريض المادي والمريض المعنوي، من يطلب الحق مريض لأنه هائم في حب الله تبارك وتعالى.
وكذلك بالنسبة إلى آية يوسف مع إخوته، دلَّت الرواية على أن يوسف قصد سرقة إخوته يوسف من أبيهم، فالآية قالت: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ ولم تذكر متعلَّق السرقة، فهم يفهمون أن متعلَّق السرقة هو صواع الملك، لكنه يقصد أن متعلَّق السرقة سرقة يوسف من أبيه.
إذًا في كلتا الآيتين لم يُذكر المتعلَّق، فما هو متعلَّق السقم؟ لم يقل إني سقيم في بدني، في عيني، في بطني، في رجلي، في ظهري، فذكر لفظ السقيم بنحو الإطلاق، والمستمع يفهم ويتبادر إلى ذهنه أنه سقم في بدنه، لكنه يلحظ السقم المعنوي والمرض المعنوي وهو البعد عن الله وطلب الوصول إلى الله، فهو مرتاد يطلب أفضل الطرق للوصول إلى الله تبارك وتعالى. هذا بالنسبة إلى آية إبراهيم خليل الرحمن. وهكذا بالنسبة إلى آية يوسف: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ ولم يقل لسارقون صواع الملك، فحذف المتعلَّق، فهم يتبادر إلى أذهانهم سرقة شيء مادي كصواع الملك، وهو يقصد سرقة يوسف من أبيه.
ولنقرأ جملة من الروايات التي دلَّت على ذلك:
الرواية الأولى: موثقة أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «التقية من دين الله»، قلت: من دين الله؟ قال: «أي والله من دين الله، ولقد قال يوسف: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ والله ما كانوا سرقوا شيئًا، ولقد قال إبراهيم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ والله ما كان سقيمًا»[4] .
سؤال: ما الفرق بين التقية والنفاق؟
الجواب: النفاق هو إظهار الحق وكتمان الباطل، والتقية بالعكس، التقية إظهار الباطل وكتمان الحق، فهذا هو الفارق بينهما. كمن سُئل عن الخلفاء كم عددهم؟ فقال: أربعة أربعة أربعة، وهو يقصد الجمع بينها: أربعة زائد أربعة ثمانية زائد أربعة اثنا عشر، فهم الأئمة الاثنا عشر، لكن السامع يفهم التوكيد على الخلفاء أربعة أربعة. فمن يمارس التقية يكتم الحق ويظهر الباطل لكي يدفع الضرر عن نفسه، والتقية إما ضررية وإما مداراتية، إما لدفع الضرر المادي وإما مداراة، هناك تقية مداراتية، بينما النفاق هو عبارة عن كتمان الباطل وإظهار الحق.
الرواية الثانية: موثقة أبي بصير الثانية، قال: قيل لأبي جعفر عليه السلام وأنا عنده - أي الإمام الباقر، الموثقة الأولى عن الإمام الصادق، الثانية عن الإمام الباقر - إن سالم بن أبي حفصة وأصحابه يروون عنك أنك تتكلم على سبعين وجهًا لك منها المخرج، فقال: «ما يريد سالم مني؟ أيريد أن أجيء بالملائكة؟ والله ما جاءت الملائكة بهذا النبيون، فلقد قال إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وما كان سقيمًا ولا كذب، ولقد قال إبراهيم عليه السلام: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا﴾[5] وما فعله ولا كذب، ولقد قال يوسف عليه السلام: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ والله ما كانوا سارقين وما كذب»[6] .
قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ قد علَّق على المستحيل، قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾، إذا لم ينطقوا إذًا لم يفعله كبيرهم، فهنا علَّق على المحال، والتعليق على المحال محال، فإذا استحال نطقهم استحال أن يفعله كبيرهم، هذا هو التورية.
الرواية الثالثة: صحيحة حجر عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾، قال أبو جعفر عليه السلام: «والله ما كان سقيمًا وما كذب»[7] .
الحديث الرابع: مرسل صالح بن سعيد عن رجل من أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام، قلت: قوله تعالى: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، قال: «ما كان إبراهيم سقيمًا وما كذب، إنما عنى سقيمًا في دينه مرتادًا». وقد روي أنه عنى بقوله «سقيم» أي سأسقم، وكل ميت سقيم، وقد قال الله عز وجل لنبيه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾[8] بمعنى إنك ستموت. وقد روي أنه عنى «إني سقيم» بما يُفعل بالحسين عليهما السلام[9] .
في مرسلة الصدوق في معاني الأخبار توجد عدة تأويلات للسقم: «إني سقيم» يعني سأموت، «سقيم» يعني سأسقم، والموت سقمٌ، وهنا يمكن لحاظ المستقبل من دون ذكر السين: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ يعني ستموت، «إني سقيم» أي سأسقم سأموت. فهذه الرواية ذكرت ثلاثة توجيهات: التوجيه الأول: سقيم بمعنى مرتاد في دينه أي سقيم في دينه، هذا الوجه الأول. الوجه الثاني: سقيم سأموت. والوجه الثالث: سقيم بما يُفعل بالحسين عليه السلام.
الرواية الخامسة: ما دلَّ من الروايات في قضية يوسف عليه السلام على أن يوسف عليه السلام قال بذلك عن تقية، وإنما عنى بذلك «إنكم لسارقون يوسف من أبيه»، وهذا تورية. ففي خبر أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لا خير فيمن لا تقية له، ولقد قال يوسف: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ وما سرقوا»[10] . وفي خبر آخر عن أبي عبد الله: «إنما عنى أنكم سرقتم يوسف من أبيه»[11] .
هذه التوجيهات التي جاءت بها الروايات. ومع غمض النظر عن هذا التوجيه بخصوصه، عندنا قاعدة كلية ثابتة في الفقه والأخلاق وهو أنه يجوز الكذب لمصلحة ملزمة، فالكذب منه ما هو حرام ومنه ما هو مستحب ومنه ما هو واجب. فإذا توقف الإصلاح بين المؤمنين على كذبٍ وبدون هذا الكذب تقع الحروب بين المؤمنين، فحينئذ يجب الكذب. فالكذب جائز لترتب مصلحةٍ أهم عليه من مفسدة الكذب، فالكذب جائز إذا توفرت فيه مصلحة ملزمة وأكيدة، كهداية إخوة يوسف من الضلالة وإعادة البصر إلى أبيه ورفع الغم والهم عن كرب أهله بعد وإتمام الرسالة الإلهية، كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾[12] .
فهذه المصلحة المهمة من مسوغات الكذب عند العقل وسيرة العقلاء، بل يُستفاد من بعض هذه الآيات أن هذه القضية كانت كيدًا ليوسف: ﴿كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، فهي إلهام من الله ليوسف، وكيف يُلهم الله يوسف كذبًا ليس بجائز؟ فهذه تورية لا شك في جوازها. فكلام نبينا إبراهيم ونبينا يوسف عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام لا يقدح في عصمتهما صلوات الله عليهما.
رد شبهة نسبة الظلم إلى بعض الأنبياء
يُستفاد من بعض الآيات أن الله تعالى أطلق عنوان الظالم على بعض الأنبياء، كما أن بعض الأنبياء قد اعترفوا بظلمهم لأنفسهم، كقوله تعالى لآدم وحواء: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[13] ، وقوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾[14] - آدم وحواء -، وإن الظالم ملعون في القرآن لقوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾[15] ، وهذا ينافي عصمة الأنبياء.
وقد يُجاب عن هذا بأن لفظ الظلم في أصل اللغة بمعنى وضع الشيء في غير موضعه، وهو ضد العدل، وهذا ما يُستفاد من كلمات أهل اللغة. فالمقصود ارتكاب النبي فعلًا لا يليق بشأنه. لكن هذا الجواب ليس بتام، إذ الظلم مقابل للعدل، والظلم المقابل للعدل ممنوع عقلًا وشرعًا، فهو حرام عقلًا وشرعًا.
لكن علم الهدى السيد الشريف المرتضى أجاب عن هذه الشبهة بأن المقصود من الظلم ليس هو الذنب، بل المقصود النقصان والبخس والحرمان عن درجة الثواب المتوقع بالنسبة إلى الأنبياء، فليس المقصود من لفظ الظلم في هذه الآيات الحرام المستوجب للعقاب واللعن، بل المقصود الحرمان من الثواب، يعني ترك الأولى. فليس المقصود من الظلم الذنب الموجب للظلم وزوال العدل، بل مخالفة الأولى التي توجب نقصانًا في الثواب.
وقد أجاب المحقق المدقق الفاضل المقداد السيوري عن جميع هذه الشبهات بجوابين: الجواب الأول إجمالي، والجواب الثاني تفصيلي.
أما الجواب الإجمالي فهو أن مقتضى الجمع بين الآيات المذكورة الموهمة للشبهة وبين حكم العقل بعصمة الأنبياء وبين ما دلَّ من الآيات الكثيرة على تعظيم الأنبياء وتطهيرهم وعصمتهم واصطفائهم وإخلاصهم لذكر الله هو حمل ما أُسند إلى الأنبياء على ترك الأولى، يعني كان الأولى لآدم أن لا يأكل من الشجرة[16] .
وأما الجواب التفصيلي عن جميع هذه الآيات، فقد طرح الفاضل المقداد السيوري الشبهة في ذيل كل آية نازلة في آحاد الأنبياء، وتعرض إلى تفسير الآيات المستشكل بها النازلة في قصصهم، وأجاب عن آحاد هذه الآيات تفصيلًا، ولقد أجاد وأفاد في رد آحاد هذه الشبهات بالنسبة إلى الآيات وأجاب عنها، فيُراجع كتاب اللوامع الإلهية[17] .
إذًا الأنبياء فوق الشبهات.
وقد ذهب بعض العامة إلى أن النبي معصوم في خصوص التشريع والتبليغ وليس بمعصوم في شؤونه العادية وحياته الشخصية، لكن ذهبت الشيعة الإمامية إلى أن النبي صلى الله عليه وآله بل سائر الأنبياء والأئمة معصومون مطلقًا بلا فرق بين التبليغ وحياتهم الشخصية، لأن النبي لو سها أو نسي أو أخطأ أو اشتبه في شؤون حياته الشخصية فهذا يسلب الوثوق بقوله أو فعله ولن يأخذ عنه الناس فيما يبلغ به. فمقتضى الدليل العقلي بل النقلي عصمة جميع الأنبياء والمرسلين والأئمة الطاهرين عليهم أفضل صلوات المصلين، وهذه العصمة مطلقة ولا تُقيد بخصوص التبليغ والتشريع، والله العالم.
تبقى شبهات أخرى بالنسبة إلى بعض الأنبياء، فلا بد من بحث تلك الآيات، يأتي عليها الكلام.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.