47/08/19
19 شعبان 1447
8 فبراير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة واثنان وعشرون): شبهة منافاة الآيات لعصمة آدم وغيره من الأنبياء عليهم السلام
توجد شبهة مهمة وعامة وهي أن ظاهر بعض آيات القرآن الكريم أن الأنبياء ليسوا بمعصومين، فظاهر بعض الآيات نسبة الزلة والذنب إلى الأنبياء عليهم السلام، وهذا يتنافى مع مبدأ عصمة الأنبياء.
من هذه الآيات: قوله تعالى في الآية ستة وثلاثين من سورة البقرة: ﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ﴾[1] ، ففيه نسبة الزلة إلى آدم وحواء، وهذا ينافي عصمة آدم عليه السلام.
وهذه الشبهة عامة ولا تختصّ بخصوص آدم عليه السلام، بل تأتي في سائر الأنبياء، فبالنسبة لآدم قوله تعالى: ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ثُمَّ ٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾[2] ، فإن الآية صريحة في صدور المعصية من آدم عليه السلام وأنه قد تاب.
وجاء في قوله تعالى بالنسبة إلى نبي الله يونس: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾[3] ، ﴿لَوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾[4] ، فدلّت على صدور الخطأ والخلل من يونس حتى خرج غضباناً ودخل في بطن الحوت.
فهذه الآيات تنافي قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾[5] الوارد في خطاب إبراهيم أبي الأنبياء: ﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾[6] ، أي إن عهد الله وعهد النبوة لا يشمل الظالمين، الظالم لنفسه والظالم لغيره، والمذنب عاصٍ وظالم لنفسه.
وهكذا ورد في خطاب النبي صلى الله عليه وآله في القرآن الكريم: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾[7] ، وقوله تعالى مخاطباً النبي محمداً صلى الله عليه وآله: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَٰذِبِينَ﴾[8] .
بل يُستفاد من بعض آيات القرآن الكريم أن بعض الأنبياء قد اعترفوا بذنبهم، كما في اعتراف يونس عليه السلام: ﴿إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾[9] ، واعتراف موسى عليه السلام بذنبه في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنۢبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾[10] ، وكان هذا الذنب قتل النفس كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۖ إِنَّهُۥ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى﴾[11] ، قوله ﴿فَقَضَىٰ عَلَيْهِ﴾[12] أي قتله.
ولذلك لما أراد موسى أن يبطش بعدوه في واقعة أخرى عاتبه ذلك الشخص وقال: أتريد أن تكرر القتل؟ وتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس؟ قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًۢا بِٱلْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِى ٱلْأَرْضِ﴾[13] ، وقتل النفس المحترمة من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، إلا إذا كان المقتول كافراً حربياً يسدّ طريق الله فحينئذ يجوز قتله، لكن إذا جاز قتله وكان موسى في قتله محقّاً، لماذا استغفر الله عز وجل؟
فهذه النماذج دلّت بظاهرها على صدور العصيان والخلل والزلل والقبيح من الأنبياء ودلّت على صدور الذنب من الأنبياء، ولا يمكن الالتزام عقلاً بصدور الذنب من الأنبياء لحكم العقل بلزوم عصمة الأنبياء مطلقاً، سواء كان في التبليغ أو في غير التبليغ.
فقد ذهب العامة وأهل السنة إلى أن الأنبياء معصومون في خصوص التبليغ، وأما ما ليس بتبليغ للدين كشؤونهم الشخصية والعادية التي لا دخالة لها في تبليغ الدين فهم ليسوا بمعصومين.
وذهبت الإمامية إلى عصمة الأنبياء مطلقاً، فالأنبياء بعد نبوتهم لا بد أن يكونوا معصومين، لأنه لو التزمنا بعدم عصمتهم في الأمور العادية فإن الناس يعتريهم الشك والريب، فإذا أخطأ النبي وسها أو غلط أو وقع في الخطأ عمداً بالنسبة إلى الأمور العادية والحياتية مما ليس بتبليغ فإن الناس يعتريهم الشك والريب أن ينسحب الخطأ في الأمور العادية إلى الخطأ في الأمور التبليغية فيُسلب الوثوق والاطمئنان.
من هنا ذهبت الإمامية إلى عصمة الأنبياء مطلقاً، فالنبي معصوم في التبليغ وغير التبليغ، فأجمعت الإمامية على عصمة النبي من دون فرق بين مورد التبليغ وغيره، بل هذا من ضروريات الدين في النبي، وضروريات الدين والمذهب، فالنبي والأئمة عليهم السلام معصومون.
فكيف نرفع هذه المنافاة بين الدليل العقلي الذي دلّ على عصمة الأنبياء مطلقاً وبين الآيات الكريمة التي ظاهرها نسبة الذنب إلى النبي؟ فلا بد من التصرف في ظاهر هذه الآيات وتفسير هذه الآيات بما يرفع الشبهة وتفسير هذه الآيات بتفسير ينسجم مع عصمة الأنبياء، وهذه الشبهة وردت في الروايات الشريفة وتمّ الجواب عليها بوجوهٍ شتى، ولنتطرق إلى عمدة الوجوه في الإجابة على هذه الشبهة.
الوجه الأول: أنه لم يكن عصيان آدم في الأرض ولا داخلاً في زمان التكليف في هذه الدنيا ولا في محيط التشريع ووضع أحكام الدين، بل كان عصيان آدم قبل هذه النشأة الدنيوية، بل كان في نشأة الجنة، وكانت المعصية قبل زمان نبوته، وأما بعد هبوطه إلى الأرض وبعد بعثته للنبوة فقد تاب الله عليه وطهّره من الذنوب ولم يصدر منه هذا الذنب.
وهنا يتصرف في الألفاظ التي ظاهرها الذنب والمعصية تُحمل على بعض المعاني في اللغة العربية،
كلفظ «غوى» في قوله تعالى: ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ﴾[14] ، ويُفسَّر «غوى» بمعنى خاب وندم لا بمعنى الضلالة، لأن لفظ الغي له معنيان: الأول الضلال، الثاني الخيبة، كما قال الجوهري وغيره في كتب اللغة، والمقصود من قوله «فغوى» هو الندم والخيبة كما قال السيد المرتضى ونقل عنه العلامة المجلسي في بحار الأنوار[15] .
وهذا الوجه الأول، وهذا الجواب من أن المعصية أو المخالفة أو الخطأ قد صدر في الجنة لا في الأرض، وقبل النبوة لا بعد النبوة يُستفاد من عدة نصوص وروايات:
الرواية الأولى: رواية أبي الصلت الهروي عن الإمام الرضا عليه السلام قال: لما جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا عليه السلام أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين وسائر أهل المقالات فلم يقم أحد إلا وقد ألزمه حجته كأنه قد ألقم حجراً، فقام إليه علي بن محمد بن الجهم فقال له: يا ابن رسول الله، أتقول بعصمة الأنبياء؟ قال عليه السلام: «نعم»، قال: فما تعمل في قول الله عزوجل: ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ﴾[16] ، وقول الله تعالى: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾[17] ، وقوله في يوسف: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا﴾[18] ، وقوله عز وجل في داود: ﴿وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ﴾[19] ، وقوله في نبيه محمد صلى الله عليه وآله: ﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ﴾[20] . فقال مولانا الرضا عليه السلام: «ويحك يا علي» - أي علي بن محمد بن الجهم - «اتق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ولا تتأول كتاب الله برأيك، فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۙ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ﴾[21] ، أما قوله عز وجل في آدم عليه السلام: ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ﴾، فإن الله عز وجل خلق آدم حجة في أرضه وخليفته في بلاده، لم يخلقه للجنة، وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض لتتم مقادير أمر الله عز وجل، فلما أُهبط إلى الأرض وجُعل حجة وخليفة عُصم بقوله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ﴾[22] »[23] .
لكن هذه الرواية ضعيفة بوقوع قاسم بن محمد البرمكي في سندها، لكن مضمون هذه الرواية المروية عن علي بن محمد بن الجهم هذه الرواية مضمونها مروي عن علي بن محمد بن الجهم.
قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى عليهما السلام، فقال له المأمون: يا ابن رسول الله، أليس من قولك أن الأنبياء معصومون؟ قال عليه السلام: «بلى» قال: فما معنى قول الله عز وجل: ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ﴾؟ ولم يكن آدم وحواء شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذباً فدلّاهما بغرور فأكلا منها ثقة بيمينه بالله، وكان ذلك من آدم قبل النبوة، ولم يكن ذلك بذنب كبير استحقّ به دخول النار، وإنما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم، فلما اجتباه الله تعالى وجعله نبياً كان معصوماً لا يذنب صغيرة ولا كبيرة، قال الله عز وجل: ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ثُمَّ ٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ﴾[24] .
وهذه هي الرواية الخامسة من الطائفة الثالثة وقد تطرقنا إليها عندما ذكرنا روايات الطائفة الثالثة.
هنا الرواية الأولى فصّلت بين الجنة والأرض وأن المعصية وقعت في الجنة، وحينما جاء إلى الأرض لم تقع المعصية، والرواية الثانية فصّلت بين ما قبل وما بعد النبوة، وهذا التفصيل يتّفق مع ما ذهبت إليه الشيعة الإمامية في معتقداتهم، إذ ذهبوا إلى أن الأنبياء معصومون من الصغائر والكبائر بعد البعثة، وأما قبل البعثة فإن الصغائر على قسمين: القسم الأول الصغيرة التي ينفر منها الناس، القسم الثاني الصغيرة التي لا ينفر منها الناس ويغتفرونها.
وقد ذهب الإمامية إلى أن الصغيرة التي لا ينفر منها الناس قد تصدر من الأنبياء قبل بعثتهم، دون الكبيرة ودون الصغيرة التي ينفر منها الناس.
قال الشيخ المفيد رحمه الله ما نصّه: «إن جميع أنبياء الله صلوات الله عليهم معصومون من الكبائر قبل النبوة وبعدها، ومما يُستخفّ فاعله من الصغائر كلها، وأما ما كان من صغير لا يُستخفّ فاعله فجائز وقوعه منهم قبل النبوة وعلى غير تعمد، وممتنع منهم بعدها على كل حال، وهذا مذهب جمهور الإمامية والمعتزلة بأسرها تخالف فيه»[25] .
إذاً هناك ذنوب وأخطاء تُنفى عن الأنبياء مطلقاً قبل البعثة وبعد البعثة: الأول الذنوب الكبيرة، الثاني الذنوب الصغيرة التي يُستخفّ فاعلها، وأما الذنوب الصغيرة التي لا يُستخفّ فاعلها فإنها تقع من الأنبياء قبل البعثة عن غير عمدٍ، وهذا لا ينافي بعثتهم فيما بعد.
فالرواية الثانية المؤيدة للرواية الأولى تتوافق مع ما ذكره الشيخ المفيد في أوائل المقالات،
لكن الرواية الأولى والتي تعضدها الرواية الثانية ضعيفتان، فيمكن أن يُدّعى أن هذه الرواية الضعيفة مجبورة بعمل الأصحاب وأن مدلولها يوافق العقل، هذا يتمّ بناءً على كبرى الجابرية، وأما إذا لم نلتزم بكبرى جابرية عمل الأصحاب للخبر الضعيف كما عليه السيد الخوئي فإن هذه الرواية تسقط عن الحجية.
هذا تمام الكلام في الرواية الأولى المؤيدة للوجه الأول.
الرواية الثانية: صحيحة أبي حمزة رواها علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إن الله تبارك وتعالى عهد إلى آدم أن لا يقرب هذه الشجرة، فلما بلغ الوقت الذي كان في علم الله أن يأكل منها نسي فأكل منها، وهو قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًا﴾[26] ، فلما أكل آدم من الشجرة أُهبط إلى الأرض»[27] .
وقد دلّت هذه الصحيحة على أن نسيانه كان قبل بعثته لأنه كان في الجنة ثم أُهبط إلى الأرض وكُلّف بالنبوة.
الرواية الثالثة: معتبرة الهروي عن الرضا عليه السلام وقد تقدّمت، جاء فيها: «فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد فأُخرجك عن جواري، فنظر إليهم بعين الحسد وتمنّى منزلتهم فتسلّط الشيطان عليه حتى أكل من الشجرة التي نُهي عنها، وتسلّط على حواء لنظرها إلى فاطمة عليها السلام بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم، فأخرجهما الله عز وجل عن جنته وأهبطهما عن جواره إلى الأرض»[28] .
دلّت على صدور الأكل في الجنة لا في الأرض.
الرواية الرابعة: صحيحة أبان بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن آدم عليه السلام بقي على الصفا أربعين صباحاً ساجداً يبكي على الجنة وعلى خروجه من جوار الله، فنزل عليه جبرائيل عليه السلام فقال: يا آدم ما لك تبكي؟ قال: يا جبرئيل ما لي لا أبكي وقد أخرجني الله من جواره وأهبطني إلى الدنيا؟»[29] .
فهذه الطائفة من النصوص دلّت على صدور الخطأ في الجنة لا في الأرض، وعلى صدور الخطأ قبل البعثة والنبوة لا بعد النبوة، وأكثر هذه الروايات صحيح السند، ومضمونها يدلّ على أن المراد بالجنة ليست جنة الأرض بل جنة أخرى، وقد ينصرف فيها لفظ الجنة إلى جنة الخلد والجنة المعهودة والمعروفة، والله العالم.
هذا تمام الكلام في الوجه الأول للإجابة على هذه الشبهة، ومفاده إن الخطأ الصادر من آدم إنما كان في الجنة وقبل البعثة وليس في الأرض وبعد النبوة، وهذا الخطأ مغتفر وليس من الذنوب الكبيرة، وإذا كان من الصغائر فهو من الصغائر التي لا يُتنفّر من فاعلها، هذا لو حملنا الأمر على الأمر المولوي، وأما على مبنانا وهو حمل النهي على النهي الإرشادي فلا إشكال في ذلك.
الوجه الثاني يأتي عليه الكلام.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.