« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث التفسیر

47/08/14

بسم الله الرحمن الرحيم



14 شعبان 1447
3 فبراير 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مائة وعشرون): النكات الواردة في مرسلة العياشي

 

النكات الواردة في مرسلة العياشي، وهي الرواية السادسة من الطائفة الثالثة المفسّرة للآية خمسة وثلاثين من سورة البقرة، وهذه الرواية ضعيفة بالإرسال، فقد رواها العياشيّ في تفسيره[1] ، وهي رواية طويلة قرابة ستّ صفحات، وقد تضمّنت عدّة نكات، ذكر منها سماحة آية الله الشيخ علي أكبر السيفي المازندرانيّ سبع نكات[2] ، والنكات كما يلي:

النكتة الأولى: مدّة لبث آدم وحواء في الجنّة من البداية إلى زمان المعصية والخروج من الجنّة هو سبع ساعات فقط من ساعات هذه الدنيا. يقول الشيخ السيفي المازندرانيّ: وهذه قرينة على كون جنّته من قبيل جنّة الدنيا.

أقول: هذا لا يصلح للقرينيّة، قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾[3] ، ففي هذه الآية بيان أنّ اليوم الواحد عند الله بمقدار ألف سنة من سنين هذه الدنيا، فالرواية في مقام بيان مقدار الوقت بحسب ساعات الدنيا، وهذا لا يدلّ على أنّ الجنّة من جنّات هذه الدنيا، إذاً ذكر أنّ المقدار سبع ساعات من ساعات هذه الدنيا، فهو لمعرفة المقدار بحسب توقيت الدنيا، وهذا لا يكشف عن أنّ الجنّة من جنّات هذه الدنيا.

النكتة الثانية: إنّ كلّ ما صدر عن آدم عليه السلام من الحسد، وهو تمنّي منزلة أهل البيت، وإلى الأكل من الشجرة التي نُهي عن الأكل منها، كان معلومًا عند الله، ولكنّ علم الله لم يوجب سلب اختيار آدم عن الاقتراب من الشجرة والأكل منها، فأكله كان بإرادته واختياره، والمعلوم عند الله هو الفعل الاختياريّ لآدم.

وما ورد في هذه الرواية موافق للبرهان العقليّ في باب علم الله عزّ وجلّ واختياريّة أفعال العباد، فلا جبر ولا تفويض، وإنّما هو أمر بين أمرين، والروايات والنصوص المتواترة تدلّ على ذلك، أي أنّ أصل القدرة من الله، وتوجيه القدرة من العبد.

يضرب السيّد الخوئيّ مثالًا ذكره الشيخ محمّد حسن المظفّر في كتابه[4] ، فقال: قال السيّد الخوئيّ في مجلس الدرس: لو افترضنا أنّ إنسانًا شُلّت يده ولا يستطيع أن يحرّكها، لكن إذا وُضع على يده جهاز استطاع أن يحرّك يده، فهنا أصل القدرة يُنسب إلى الجهاز، ولكنّ تحريك اليد يمينًا وشمالًا، الأكل بها، الضرب بها يُنسب إلى الإنسان وإلى الشخص، فأصل القدرة على الأفعال هو من الله عزّ وجلّ، ولكنّ نحو هذه القدرة في الخير أو الشرّ هذا إنّما يستند إلى العبد.

النكتة الثالثة: إنّ إكرام الله تعالى لآدم وإعزازه بإسجاد الملائكة له إنّما كان لاختبار آدم وامتحانه، لا لأجل استحقاقه ذلك بعمله، فآدم لم يقم بعمل حتّى يستحقّ هذا التعظيم، ولكنّ هذا من باب الاختبار والامتحان. وفي روايات أخرى: نظرًا لوجود أنوار محمّد وآل محمّد في صلب آدم، أسجد الله الملائكة لآدم إعظامًا لهذه الأنوار الموجودة في صلبه.

النكتة الرابعة: قوله عليه السلام في الرواية: «وهي التي أخرجتنا من جوار ربّنا، وقد خفي عنّا تقديس ملائكتك لك ربّنا، وبدت لنا عوراتنا، واضطرّنا ذنبنا إلى حرث دنيا ومطعمها ومشربها». قد يُستظهر منه أنّ جنّة آدم كانت من غير نسخ هذه الدنيا وأرضها التي يضطرّ فيها الإنسان إلى الأكل والشرب من خلال الزرع والحرث.

ولكن قد يُجاب على ذلك بأنّه يمكن أن يُطعمهم الله كما أطعم بني إسرائيل في سيناء بإنزال المنّ والسلوى، وكما أكرم الله الحواريّين بإنزال المائدة من السماء. ثم قال الشيخ السيفي المازندرانيّ: هذا مضافًا إلى ضعف سند هذه الرواية بالإرسال، والكلام في بيان هذه النكت بقطع النظر عن ضعف سند هذه الرواية أو صحّتها.

وهنا يمكن أن يُقال: إنّ هذه الفقرة ظاهرة في أنّ هذه الجنّة ليست من جنان الدنيا، إذ أنّ نزول المائدة على الحواريّين أو الإطعام بالمنّ والسلوى لبني إسرائيل هذا خلاف طبيعة الحياة الدنيا، بينما جنّة الخلد الأصل فيها أنّه لا يوجد فيها هذا العناء ولا تحتاج إلى حرث. فالرواية وهذه الفقرة لعلّه يُستفاد منها طبيعة الجنّة التي كان فيها آدم: أنّها لا تحتاج إلى عناء، ثمّ جاء إلى الحياة الدنيا التي فيها عناء. «واضطرّنا ذنبنا إلى حرث الدنيا ومطعمها ومشربها»، فهذه الفقرة تشير إلى الفارق بين الجنّة والدنيا، ففي الجنّة يوجد جوار ربّنا، وفي الدنيا يوجد الاضطرار إلى حرث الدنيا ومطعمها ومشربها. فهذه الفقرة ظاهرة في أنّ الجنّة هي إمّا جنّة في السماء أو جنّة الخلد وليست جنّة في الدنيا. نعم، ممكن أن تكون جنّة في الدنيا مُهيّأة كجنان الآخرة، لكن لا دليل على هذه الخصوصيّات لمثل هكذا جنّة في الدنيا.

النكتة الخامسة: احتجّ الله عزّ وجلّ على آدم بما أنعم عليه من تعليمه الأسماء كلّها، وإسكانه الجنّة، وأمر الملائكة بالسجود له، وجعل العقل والقوّة والاختيار له، وأعلمه بأنّه لو أكل من الشجرة فإنّه سيكون من الظالمين. واعترف آدم عليه السلام بذلك كلّه، واعتذر بإظهار الندامة والتوبة والاستغفار، واستعان بالله في إصلاح نفسه والاجتناب عن معصية الله تبارك وتعالى.

النكتة السادسة: قبول الله عزّ وجلّ لتوبة آدم، وأنزل عليه جبرائيل وسلّى آدم وحواء وعزّاهما، وجمع بينهما بعد أن كان آدم على الصفا وحواء على المروة، وجاء بهما في مكان مرتفع عند البيت الحرام المسمّى بالترعة، وأقام لهما خيمة على الكعبة المشرّفة في مكان مرتفع عند البيت الحرام. أقام الخيمة بعمود من ياقوت، وأضاء نورها إلى جبال مكة، وأهبط الملائكة عليهما لحراستهما وحراسة الخيمة من مَرَدة الشياطين.

النكتة السابعة والأخيرة: إنّ آدم عليه السلام اشتاق إلى لقاء حواء، وهي كانت على المروة، فهرول لها ثلاثًا ورجع ثلاثًا، وكانت المرّة السابعة في هرولته من الصفا إلى المروة، واستجاب الله دعاءه، وتمّت الأشواط السبعة، وجمع الله بين آدم وحوّاء في قمّة رأس المروة. ثمّ أتاهما جبرئيل وأنزلهما من رأس المروة إلى الترعة. ثمّ أمر الله جبرئيل بإتيان أربعة أحجار من أربعة جبال: جبل الصفا، وجبل المروة، وجبل طور سيناء بالشام أو بمصر، وجبل السلام بظهر الكوفة، وأمر ببناء البيت بهذه الأحجار الأربعة بوضعها في الجوانب الأربعة من قوائم البيت الحرام، ونصبها أعلامًا لقواعد البيت. ثمّ أمر الله جبرئيل بإتيان حجر من جبل أبي قُبَيس لإتمام البناء، بجعل الباب الشرقيّ والغربيّ للبيت الحرام. ثمّ طافت الملائكة حول البيت بعد فراغ جبرئيل من بناء البيت، وتبعهما آدم وحواء، فطاف بالبيت سبعة أشواط. هذا حاصل مفاد الرواية الطويلة، وهي تذكر تفاصيل زلّة آدم عليه السلام.

الرواية السابعة: ما رواها الطبرسيّ أمين الإسلام فضل الطبرسيّ في مجمع البيان[5] ، جاء فيها: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ﴾[6] ، أي لا تأكلا منها، وهو المرويّ عن الصادق عليه السلام. وقيل: هي شجرة الكافور، يُروى عن عليّ عليه السلام.

لكنّ هذه الرواية ضعيفة بالإرسال، وبالتالي لا يثبت المضمون الوارد في ذيلها من أنّها من شجرة الكافور. وتقدّم الكلام عن ماهيّة هذه الشجرة، وأنّها شجرة العلم، وفيها أنواع كثيرة من الثمار. أكثر الروايات تشير إلى أنّها شجرة العلم أو شجرة الحنطة.

الرواية الثامنة: ما رواه الشريف الرضيّ في نهج البلاغة عن عليّ عليه السلام، قال بعد أن ذكر آدم: «فأهبطه بعد التوبة ليعمّر أرضه بنسله، وليُقيم الحجّة به على عباده»[7] . وهذه الرواية تضمّنت نكتة معروفة مُسلّمة، وهي أنّ آدم نبيّ من الأنبياء، وقد بعثه الله لبيان الدين وتبليغ رسالات الله وإقامة الحجّة على العباد، فأوّل إنسان قد خُلق في العالم كان نبيًّا من الأنبياء لهداية البشر من نسله. طبعًا هذه الرواية يتعامل معها معاملة مُرسلات نهج البلاغة، لكنّ مضمونها واضح ومُسلّم.

الرواية التاسعة: ما رواه الكلينيّ في روضة الكافي عن عليّ بن إبراهيم القمّيّ عن أبيه إبراهيم بن هاشم عن الحسن بن محبوب عن مقاتل بن سليمان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: كم كان طول آدم حين هبط به إلى الأرض، وكم كان طول حوّاء؟ قال عليه السلام: «وجدنا في كتاب عليّ إنّ الله عزّ وجلّ لمّا أهبط آدم وزوجته حوّاء عليهما السلام إلى الأرض كانت رجلاه بثنيّة الصفا ورأسه دون أفق السماء»[8] . والمعنى أنّ طول رجل آدم كان ضعف ارتفاع صخرة الصفا.

قال الخليل بن أحمد الفراهيديّ في كتاب العين[9] : الثني: ضمّ واحد إلى واحد. «كانت رجلاه بثنيّة الصفا»، يعني رجل آدم ضعف جبل الصفا، لذلك كان رأسه دون أفق السماء، يعني لم يصل إلى السماء ولكنّه رفيع. وأنّه شكا إلى الله عزّ وجلّ ما يصيبه من حرّ الشمس، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى جبرائيل عليه السلام أنّ آدم قد شكا ما يصيبه من حرّ الشمس، فاغمزه غمزةً وصيّره له سبعين ذراعًا بذراعه، واغمز حوّاء غمزةً فصيّر طولها خمسة وثلاثين ذراعًا بذراعها.

هذا الخبر من مشكلات الأخبار ومُعضلات الآثار، وقد ذكره العلّامة محمّد باقر المجلسيّ في بحار الأنوار وشرحه بالكامل[10] . هذه الرواية ضعيفة السند لوقوع مقاتل بن سليمان في طريقها وسندها، لذلك مضمونها لا يثبت بهذه الرواية. وهذا المضمون غريب؛ لأنّه يلزم منه مخالفة علم الله وحكمته المطلقة، فالله عزّ وجلّ عالم وحكيم في أفعاله، فكيف يمكن أن يخلق آدم بكيفيّة يتأذّى من حر الشمس بحيث يحصل عنده بداء ويُغيّر طوله ويُغيّر طول حوّاء عليهما السلام؟ فهذا مخالف للحكمة، فيستحيل على الله تبارك وتعالى ذلك، فهذا المضمون قابل للمناقشة.

الرواية العاشرة: ما رواه الصدوق في كتاب الخصال عن محمّد بن سهل البحرانيّ يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام، قال: «البكّاؤون خمسة: آدم، ويعقوب، ويوسف، وفاطمة بنت محمّد، وعلي ابن الحسين عليهم السلام، فأمّا آدم فبكى على الجنّة حتّى صار في خدّيه أمثال الأودية»[11] . هذه الرواية مرفوعة، أي مقطوعة السند، فهي مُرسلة، وبالتالي تكون ضعيفة، لكنّ مضمونها لا بأس به، وقد ذُكر هذا المضمون في الروايات.

الرواية الحادية عشرة والأخيرة من الطائفة الثالثة: ما رواه الشيخ الصدوق في الكافي بإسناده إلى مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «لمّا هبط آدم إلى الأرض احتاج إلى الطعام والشراب، فشكا إلى جبرئيل، فقال له جبرئيل: يا آدم، كُن حرّاثًا. قال عليه السلام: فعلّمني دعاء. قال عليه السلام: قُل: اللهمّ اكفني مؤونة الدنيا وكلّ هول دون الجنّة وألبسني العافية حتّى تُهنّئني المعيشة»[12] ، أي حتّى تسهّل لي المعيشة وأعيش عيشة هنيئة. قوله: «حرّاثًا»، أي فلّاحًا زرّاعًا.

هذه الرواية ضعيفة السند لوقوع سهل بن زياد والحسن بن عمارة في سندها. لكنّ هذا المضمون قد يُفهم منه أنّ جنّة آدم ليست من سنخ جنان الدنيا؛ لأنّه حينما وصل إلى الأرض احتاج إلى الطعام والشراب فشكا إلى جبرائيل، يعني هذا عالم آخر. كما أنّه في الدعاء الوارد فيها «اللهمّ اكفني مؤونة الدنيا وكلّ هول دون الجنّة»، قد يُفهم من الألف واللام الواردة في “الجنّة” أي الجنّة بالعهد الذهنيّ التي عهدها آدم عليه السلام دون هذه الأرض. فيُفهم من هذه الرواية أنّ جنّة آدم ليست من جنان الأرض، هذا على ما يظهر منها من دون أن تُصرّح بذلك.

هذا تمام الكلام في بيان الطائفة الثالثة. وقد ذكرنا الطوائف الثلاث:

     الطائفة الأولى أصحّ سندًا، ويُفهم منها أنّ جنّة آدم ليست من قبيل جنان الدنيا.

     الطائفة الثانية كلّها ضعيفة السند، لكنّ عددها كثير، وهي تشير إلى - وهي تُصرّح بـ- أنّ جنّة آدم من جنان الدنيا، لا من جنان الآخرة، ولو كانت من جنان - ولو كانت جنّة الخلد - لما خرج منها.

     والطائفة الثالثة فيها نكات تفسيريّة وتفصيليّة حول زلّة آدم وكيفيّة خروجه من الجنّة إلى الأرض.

هذا تمام الكلام في بيان وعرض الطوائف الثلاث.

يبقى الكلام فيما يُستفاد من الروايات من النكات التفسيريّة، فهذه الروايات وهذه الطوائف بيّنت عدّة نكات تفسيريّة يأتي عليها الكلام.

وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.


[1] . تفسير العياشيّ (العياشيّ)، ج1، ص35، ح21.
[2] . منهاج التبيان في القرآن (الشيخ علي أكبر السيف المازندرانيّ)، ج2، ص72-73.
[3] . الحجّ: 47.
[4] . العدل الإلهيّ (الشيخ محمّد حسن المظفّر).
[5] . مجمع البيان (الطبرسيّ)، ج1، ص169.
[6] . سورة البقرة: 35.
[7] . نهج البلاغة (الشريف الرضيّ)، ج1، ص177، خطبة الأشباح.
[8] . روضة الكافي (الكلينيّ).
[9] . كتاب العين (الخليل بن أحمد الفراهيديّ)، مادّة: ثني.
[10] . بحار الأنوار (العلّامة محمّد باقر المجلسيّ)، ج5، ص34 من الطبعة القديمة، وج11.
[11] . الخصال (الشيخ الصدوق)، ص273.
[12] . الكافي (الكلينيّ)، ج5، ص260، ح4.
logo