« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث التفسیر

47/07/24

بسم الله الرحمن الرحيم

24 رجب 1447
14 يناير 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مائة وخمسة عشر): وجوب الجمع بين الطائفة الأولى والثانية المفسرة للآية (35) من سورة البقرة

 

وقد ذُكرت عدة وجوه للجمع بين الطائفة الأولى التي يُستفاد منها أن جنة آدم ليست من جنان الدنيا أولًا، وأن الشجرة التي أكل منها آدم ليست من الأشجار المعهودة في الدنيا ثانيًا، بخلاف الطائفة الثانية التي صرحت بأن جنة آدم من جنان الدنيا، وأن الشجرة التي أكل منها آدم هي من أشجار الدنيا. فما هي وجوه الجمع بين هاتين الطائفتين المتنافيتين؟

فالطائفة الثانية صريحة في أن جنة آدم من جنان الدنيا، لكن جميع هذه الروايات ضعيفة السند، لكن يمكن دعوى الاستفاضة بالنسبة إلى الطائفة الثانية فيؤخذ بمضمونها المشترك، بينما الطائفة الأولى أصح سندًا إلا أنها ظاهرة في أن الجنة ليست من جنان الدنيا وليست صريحة في ذلك. فما هي وجوه الجمع بين هاتين الطائفتين؟

قد تذكر خمسة وجوه، بل ستة إذا قلنا إن التوقف وجه من وجوه الجمع. وإليكم الوجوه الستة للجمع بين الطائفة الأولى والثانية:

الوجه الأول: ترجيح الطائفة الثانية

والقول بأن جنة آدم هي من جنان الدنيا، وأن الشجرة التي أكل منها آدم هي من أشجار الدنيا، فتُقدَّم الطائفة الثانية لصراحتها على الطائفة الأولى التي هي ظاهرة في أن جنة آدم ليست من جنان الدنيا. وتُحمَل الطائفة الأولى على أن المراد بجنة آدم هي جنة كانت في الدنيا وانقرضت، وكان في هذه الجنة أشجار أشبه بأشجار جنان السماء، كـشجرة العلم التي كان يأكل منها النبي والأئمة عليهم السلام.

فيُقال في الوجه الأول أنَّ المقصود في الطائفة الأولى أن جنة آدم وحواء وأشجارها من غير جنس جنة الدنيا، وأن أشجار هذه الجنة من جهة جنس الثمار وتنوعها وما لها من الآثار والفوائد تختلف عن نظامنا المادي الدنيوي المعهود، لأن هذه الشجرة كانت ثمرتها العلم، ويورث آكل ثمرتها العلم والمعرفة، وهذا لا ينافي ما دلت عليه الطائفة الثانية من أن مكان جنة آدم هو أرض الدنيا.

فيُقال بأن جنة آدم كانت في الدنيا بمقتضى الطائفة الأولى، ثم انقرضت.

[الطالب:] الطائفة الثانية.

[الشيخ:] الطائفة الثانية صرحت بأن جنة آدم من جنان الدنيا، وتُحمَل الطائفة الأولى على أن جنة آدم أيضًا كانت من جنان الدنيا لكنها انقرضت. فمقتضى الجمع بين الطائفتين أن جنة آدم من جنان الدنيا، وأن الطائفة الأولى تكلمت عن الجنة التي انقرضت وكانت ثمرة أشجارها كثمرة شجرة العلم، ومثل هذه الشجرة غير معهودة وغير فعلية بالنسبة إلى جنان الدنيا اليوم.

وقد ذهب إلى هذا الرأي سماحة آية الله الشيخ علي أكبر السيفي المازندراني في كتابه[1] . وذهب إلى أن جنة آدم هي من جنان الدنيا أيضًا سماحة آية الله العظمى السيد عبد الأعلى السبزواري في تفسيره[2] .

فهذان العَلَمان: السيفي المازندراني والسيد عبد الأعلى السبزواري، ذهبا إلى أن جنة آدم من جنان الدنيا. لكن هذا القول يبتلى بإشكال، وهو أن بعض الروايات دلت على أن شجرة العلم كان يأكل منها النبي ولا يزال يأكل منها الأئمة عليهم السلام، فكيف يُلتزم بأن هذه الجنة قد انقرضت؟

فلنرجع إلى ما ورد في رواية أو معتبرة تفسير الإمام العسكري عليه السلام، وهي الرواية الثانية من الطائفة الأولى، إذ جاء فيها ما نصه: «فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ﴾[3] شجرة العلم، فإنها لمحمد وآله خاصة دون غيرهم، ولا يتناول منها بأمر الله إلا هم، ومنها ما كان يتناوله النبي صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام بعد إطعامهم اليتيم والمسكين والأسير حتى لم يحسوا بجوع ولا عطش ولا تعب ولا نصب. وهي شجرة تميزت من بين أشجار الجنة، إنَّ سائر أشجار الجنة كان كل نوع منها يحمل نوعًا من الثمار والمأكول، وكانت هذه الشجرة وجنسها تحمل البُر أي الحنطة والعنب والتين والعناب وسائر أنواع الثمار والفواكه والأطعمة. فلذلك اختلف الحاكون لذكر الشجرة، فقال بعضهم: هي بُرة، وقال آخرون: هي عنبة، وقال آخرون: هي تينة، وقال آخرون: هي عنابة. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ﴾[4] تلتمسان بذلك درجة محمد وآل محمد وفضلهم، فإن الله تعالى خصهم بهذه الدرجة دون غيرهم. وهي الشجرة التي من تناول منها بإذن الله ألهِمَ علم الأولين والآخرين من غير تعلم، ومن تناول منها بغير إذن خاب من مراده وعصى ربه. ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[5] بمعصيتكما والتماسكما درجة قد أوثر بها غيركما كما أردتما بغير حكم الله تعالى»[6] .

والشيخ السيفي المازندراني يرى اعتبار تفسير الإمام العسكري، وقد عبر عن هذه الرواية: «بالمعتبرة المروية عن تفسير الإمام الحسن العسكري»[7] ، بل إذا رجعنا إلى ما ورد في صحيحة عبد السلام بن صالح الهروي المعروف بأبي الصلت الهروي، سنجد أن هذه الصحيحة نصت على أن خصوص تلك الشجرة المنهية من غير جنس أشجار هذه الدنيا المادية، لا أنها كانت في الدنيا وانقرضت.

وبالتالي يقع الكلام: إن تناول الأئمة من هذه الجنة هل هو من قبيل التناول المادي الذي يوجب نبت اللحم والشحم والشعر، أو هو من قبيل التناول المعنوي ومن غير سنخ تناول المادي كما نأكل أشجار هذه الدنيا، أو بكيفية خاصة؟ والعقل لا يرى امتناع التناول المعنوي.

وإن كان بعض الروايات دلت على أن آدم تناول تناولًا ماديًا لا معنويًا، ويشهد لذلك خبر معاوية بن عمار، عن الحسن بن عبد الله، عن آبائه عن جده الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام في حديث طويل عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «إن آدم لما أكل من الشجرة دب ذلك في عروقه وشعره وبشره»[8] .

فسند هذه الرواية وإن كان ضعيفًا – لوقوع علي بن الحسن البرقي في سنده لأنه مجهول - إلا أن هذا الخبر دل على كون جنة آدم وأشجارها وثمارها وأكلها من جنس جنة هذه الدنيا وثمار وأكل جنان الدنيا.

لكن في المقابل صحيحة أبي الصلت الهروي دلت على أن هذه الجنة أشجارها ليست من سنخ أشجار الدنيا الفعلية. فقد جاء في صحيحة عبد السلام بن صالح الهروي - وهي الرواية الخامسة التي ذكرناها من روايات الطائفة الأولى - قال: قلت للرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله، أخبرني عن الشجرة التي أكل منها آدم وحواء ما كانت؟ فقد اختلف الناس فيها، فمنهم من يروي أنها الحنطة، ومنهم من يروي أنها العنب، ومنهم من يروي أنها شجرة الحسد.

فقال عليه السلام: «كل ذلك حق».

قلت: فما معنى هذه الوجوه على اختلافها؟

فقال: «يا أبا الصلت، إن شجرة الجنة تحمل أنواعًا، وكانت شجرة الحنطة وفيها عنب، وليست كشجر الدنيا - وفي نسخة: وليست كشجرة الدنيا - وإن آدم لما أكرمه الله تعالى ذكره بإسجاد ملائكته له وبإدخاله الجنة قال في نفسه: هل خلق الله بشرًا أفضل مني؟ فعلم الله عز وجل ما وقع في نفسه فناداه: ارفع رأسك يا آدم فانظر إلى ساق عرشي. فرفع آدم رأسه فنظر إلى ساق العرش، فوجد عليه مكتوبًا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، فقال آدم عليه السلام: يا رب من هؤلاء؟».

وهذا المقطع يدل على أنها جنة من جنان السماء، إما جنة الخلد أو جنة في السماء غير جنة الخلد.

«فقال عزّ وجلّ: يا آدم، هؤلاء من ذريتك، وهم خير منك ومن جميع خلقي، ولولاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنة ولا النار ولا السماء ولا الأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد فأخرجك عن جواري. فنظر إليهم بعين الحسد وتمنى منزلتهم، فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نُهي عنها، وتسلط على حواء لنظرها إلى فاطمة عليها السلام بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم، فأخرجهما الله تعالى من جنته وأهبطهما من جواره إلى الأرض»[9] .

أقول: يوجد في هذه الرواية مقطعان. أما صدر الرواية فقد دل بالصراحة على أن أشجار جنة آدم ليست كشجر الدنيا، وهذا يمنع من الحمل على جنة الدنيا؛ لأن هذه الرواية صحيحة، والطائفة الثانية روايات ضعيفة السند.

وأما ما ورد في الذيل من أن آدم حسد النبي محمد صلى الله عليه وآله وأن حواء عليها السلام حسدت فاطمة عليها السلام، فقد يُقال إن هذا المقطع لا يمكن الأخذ به؛ لأننا نلتزم بالتفكيك في الحجية، فالمقطع الذي ينسب الحسد الممقوت إلى نبينا آدم يتنافى مع عصمة آدم، فنلتزم باعتبار خصوص المقطع الأول وهو الصدر دون المقطع الثاني وهو الذيل. هذا أولًا.

وثانيًا: قد يُحمَل الحسد على ما لا يتنافى مع العصمة، إذ إن للحسد معنىً أعم وله معنىً أخص. فالحسد هو تمني زوال نعمة الغير مع كون هذا الغير يستحق النعمة. فإن كان الغير مستحقًا للنعمة فهذا حسد، وإن كان الغير لا يستحق النعمة وتمنى المرء زوال نعمته فهذه غيرة، وإن تمنى ما للغير لكن لم يتمنَّ زوال نعمته فهذه غبطة.

أعيد وأكرر هذا المطلب الأخلاقي الروائي: يشترك الثلاثة - الحسد والغيرة والغبطة - في تمني ما عند الغير. ويختلف الحسد والغيرة من جهة، والغبطة من جهة أخرى، في أن الغابط لا يتمنى زوال نعمة الغير، بينما الحاسد وصاحب الغيرة يتمنى زوال نعمة الغير. ويشترك الغائر والحاسد في تمني زوال نعمة الغير، ويختلفان في أن الحاسد يتمنى زوال نعمة الغير التي يكون هذا الغير حقيقًا بها وجديرًا بها، بينما من يغار يتمنى زوال نعمة الغير التي لا يستحقها.

مثلًا: شخص عنده أموال، تارة أتمنى أن تكون عندي أموال مثله وما أتمنى زوالها، هذه غبطة. شخص عنده علم، أتمنى أن يكون عندي علم مثله، هذه ماذا؟ غبطة، لأن ما فيها تمني زوال النعمة. لكن إذا تمنيت زوال نعمة ذلك الغير، هنا إذا هذا الغير يستحق النعمة - يستحق أن يصير عالمًا، يستحق أن يكون عنده أموال - هذا حسد. أما إذا ما يستحق أن يصير عالمًا، ما يستحق أن يكون عنده أموال، هذه غيرة.

وفي الرواية توجد قرينة على أن المراد بالحسد هو الغبطة، لا الحسد ولا الغيرة. وهذا المقطع هو قوله عليه السلام: «فنظر» - يعني آدم - «إليهم بعين الحسد وتمنى منزلتهم». تمني المنزلة: غبطة، ولم تقل الرواية: «وتمنى زوال النعمة عنهم». فإذا حملنا الحسد هنا على الغبطة لا الحسد ولا الغيرة، يكون المقطع الثاني أيضًا معتبرًا. فتكون النتيجة ماذا؟ تكون النتيجة خلاف ما ذهب إليه الشيخ السيفي المازندراني.

ومن هنا هو توجه إلى هذا الإشكال، خصوصًا بالنظر إلى معتبرة التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وقال: «يُرَد علمها إليهم صلوات الله عليهم». ولذلك قال هكذا: «والذي يقوى في النظر بعد التأمل إنما هو الجمع الأول» - أي جنة الدنيا - «لأنه الأظهر من مجموع نصوص المقام لما بيناه. وأما كيفية تناول أهل البيت عليهم السلام منها ففيها عمدة الإشكال: هل كان التناول منها معنويًا روحانيًا - كما في صحيحة عبد السلام الهروي – أنَّ خصوص تلك الشجرة المنهية من غير جنس أشجار هذه الدنيا المادية، إذ يقتضي ذلك كون تناولهم منها أيضًا من غير سنخ التناول المادي كما نأكل ثمرات أشجار هذه الدنيا، أو كان بكيفية أخرى، فينبغي رد علم ذلك إلى أهله، إذ لا دليل لنا على ذلك وإن كان ممكنًا غير ممتنع في نظر العقل»[10] .

يبقى أنه قد يُشكَل على التعبير بالهبوط، فيُقال: إن الهبوط يشير إلى أن جنة آدم كانت في مكان ثم هبط إلى الأرض. وأجاب عنه الشيخ السيفي المازندراني بأن لفظ الهبوط استُخدم في الانتقال من مكان إلى مكان في الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾[11] ، وكما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾[12] .

وفيه: إن مفردة الهبوط في هاتين الآيتين تعدت بنفسها في الآية الأولى «اهبطوا مصرًا»، وتعدت في الآية الثانية بالباء «اهبط بسلام»، بينما في العديد من الروايات تعدى لفظ الهبوط بـ «إلى»: «اهبطوا إلى الأرض». وهذا التعدي بـ «إلى» قد يكشف عن المغايرة. وهذا ما ورد في ذيل صحيحة أبي الصلت الهروي إذ جاء فيها: «فأخرجهما الله تعالى من جنته وأهبطهما من جواره إلى الأرض». هذا ظاهر في أن الجنة كانت بجوار الله، ثم هبط آدم وحواء عليها السلام من جوار الله حيث شاهدا عرش الله إلى الأرض.

إذًا الجمع الأول - وهو أن جنة آدم هي من جنان الدنيا - لا يمكن المساعدة عليه.

يبقى الكلام في الجمع الثاني إلى السادس، ويأتي عليه الكلام.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


[1] . منهاج التبيان (الشيخ علي أكبر السيفي المازندراني): 2/58.
[2] . مواهب الرحمن في تفسير القرآن، السيد عبد الأعلى السبزواري، ج1.
[3] . سورة البقرة: 35.
[4] . سورة البقرة: 35.
[5] . سورة البقرة: 35.
[6] . التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام: ص221.
[7] . منهاج التبيان (الشيخ السيفي المازندراني): 2/45.
[8] . علل الشرائع (الشيخ الصدوق): 1/382، ح2.
[9] . معاني الأخبار (الشيخ الصدوق): ص121-124.
[10] . منهاج التبيان (الشيخ علي أكبر السيفي المازندراني): 2/58.
[11] . سورة البقرة: 61.
[12] . سورة هود: 48.
logo