« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث التفسیر

47/07/10

بسم الله الرحمن الرحيم



10 رجب 1447
31 ديسمبر 2025

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مائة واثنا عشر): بحث روائيّ في تفسير الآية (35) من سورة البقرة

 

وهي قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[1] . آمنَّا بالله، صدق الله العليّ العظيم.

وردت عدَّة روايات في تفسير هذه الآية والآية التي تليها (آية ستة وثلاثين)، ويمكن تقسيم هذه الروايات إلى ثلاث طوائف وأقسام.

الطائفة الأولى والثانية: وردتا في تفسير جنَّة آدم والشجرة المنهيّة، وجنس ثمارها وخصائصها.

الطائفة الثالثة: ما ورد في تفسير سائر جهات مدلول الآية الكريمة.

الطائفة الأولى: تتألَّف من ستّ روايات، وفيها روايات صحيحة مستفيضة، وتدلّ على أنَّ المراد بالجنَّة جنَّة في السماء.

الطائفة الثانية: رواياتها كلُّها ضعيفة، ونذكر منها ثلاث روايات، وهي تدلّ على أنَّ المراد بالجنَّة جنَّة الأرض لا جنَّة السماء.

الطائفة الثالثة: وهي المفسِّرة لحيثيّات في الآية الكريمة، وفيها عدَّة روايات نذكر منها إحدى عشرة رواية. وللاطِّلاع على هذا البحث بالكامل[2] .

ولنشرع ببيان الطائفة الأولى:

الطائفة الأولى: ما دلَّ على أن الجنّة أو ما يُفهَم منها أنَّ الجنَّة ليست من جنان الأرض بل من جنان السماء، ويوجد في الطائفة روايات صحيحة.

روايات الطائفة الأولى أصحّ سندًا من روايات الطائفة الثانية التي تدلّ على أنَّ الجنَّة من جنان الأرض.

الرواية الأولى: صحيحة ابن أبي عُمَير وقد رواها عليّ بن إبراهيم القُمّيّ في تفسيره بقوله: «فإنَّه حدَّثني أبي عن ابن أبي عُمَير عن أبان بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إنَّ آدم عليه السلام بقي على الصفا أربعين صباحًا ساجدًا يبكي على الجنَّة وعلى خروجه من الجنّة من جوار الله عزَّ وجلَّ، فنزل علیه جبرئيل عليه السلام فقال: يا آدم، ما لك تبكي؟ فقال: يا جبرئيل، مالي لا أبكي وقد أخرجني الله من الجنَّة من جواره وأهبطني إلى الدنيا؟»[3] .

ومن الواضح أنَّ ذيل هذه الصحيحة يُعارِض بظاهره مرفوعة إبراهيم بن هاشم الآتية، إذ صُرِّح فيها بأنَّ جنَّة آدم كانت من جنان الدنيا. فهاتان الروايتان يرويهما إبراهيم بن هاشم والد عليّ بن إبراهيم القُمّيّ. فيَظهر من قول آدم عليه السلام في جواب جبرئيل: «وقد أخرجني الله من الجنَّة من جواره وأهبطني إلى الدنيا» أنَّ هذه الجنّة من جنان السماء لا من جنان الدنيا.

وقد حاول الشيخ عليّ أكبر السيفي المازندرانيّ الجمع بينهما وترجيح أنَّ الجنَّة من جنان الدنيا لا من جنان الآخرة بحَمْل لفظ «الدنيا» على «الأدنى». والدنيا هي مؤنَّث «أدنى»، يعني أخرجه من جنَّة في الدنيا إلى مكان أدنى في هذه الدنيا. فقال ما نصُّه[4] : «ويمكن حلّ هذا الإشكال بحَمْل لفظ الدنيا في كلام آدم عليه السلام على معناه اللغويّ، أي مؤنَّث الأدنى، يعني أهبطني الله إلى ما هو أدنى مكانًا ممَّا كنتُ فيه من الجنَّة، ولا يُنافي ذلك كون جنَّته من جنان الدنيا».

وجه هذا الحَمْل أنَّ الصحيحة وإن تقدَّم على المرفوعة بمقتضى القاعدة الأصوليّة، إلَّا أنَّ وجه التعليل المُعلَّل به في المرفوعة لكون الجنَّة من جنان الدنيا يكون مستندًا إلى القواعد العقليّة وظاهر الآيات القرآنيّة ونصوص السنَّة، فينبغي الحَمْل المذكور.

أقول: لا شكَّ ولا ريب أنَّ ظاهر الصحيحة هو حَمْل الجنَّة على جنَّة من جنان السماء لا من جنان الأرض، كما أنَّ رفع اليد عن هذا الظاهر وعن ظاهر لفظ «الدنيا» لا يكون إلَّا بوجود قرائن توجب رفع اليد عن هذا الظهور. والحقّ والإنصاف أنَّ حَمْل لفظ الجنَّة في هذه الرواية على جنَّة من جنان الأرض بعيد جدًّا ومخالف للإنصاف.

ففي هذه الرواية توجد ألفاظ وقرائن توجب حَمْل الجنَّة على جنَّة من جنان السماء، كقوله عليه السلام: «وعلى خروجه من الجنَّة من جوار الله عزَّ وجلَّ»، وما جاء في ذيلها: «يا جبرئيل، مالي لا أبكي وقد أخرجني الله من الجنَّة من جواره وأهبطني إلى الدنيا؟» فظاهر الرواية والمقابلة بين الدنيا والأرض وبين السماء، فحَمْل الهبوط على المرتبة الأدنى لا يُساعِد عليه ظاهر الرواية، بل ظاهر الرواية أنَّ الجنَّة في السماء بجوار الله وقد هبط من السماء إلى الأرض.

وهذا لا يعني أنَّ الله في السماء حتَّى يُقال «بجوار الله»، فإنَّ الله في كلّ مكان، ولكنَّ هذه كناية عن القُرب، ولذا حينما تدعو الله ترفع يديك إلى السماء لا إلى الأرض، مع أنَّ الله موجود في كلّ مكان في السماء وفي الأرض، ولكنَّ هذا إشارة إلى علوّ المقام والرفعة.

فظاهر الرواية أنَّ الجنَّة في السماء، وإن لم تُصرِّح الرواية بأنَّ الجنَّة في السماء ولم تُصرِّح بأنَّها جنَّة الخُلد، لكن من الواضح أنَّ هذه الجنَّة مَن يسكن فيها يأنس بجوار الله عزَّ وجلَّ. وهذا العنوان ما يصدق على جنان وبساتين الأرض إلَّا إذا ادُّعِيَ أنَّه كانت جنَّة خاصَّة في الأرض المُكوث فيها يوجب جوار الله عزَّ وجلَّ، ولا شاهد على مثل هكذا جنَّة في الأرض.

إذًا الرواية الأولى ظاهرةٌ في جنان السماء لا الأرض.

[الطالب:] شيخنا يعني الأرضين السبع كلّها في الدنيا.

[الشيخ:] هذا بحثٌ القرآن لم يذكر إلَّا أرض واحدة، لم يذكر القرآن أرضين سبع، لكن في الروايات وفي الأدعية: «سبحان الله ربّ السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهنَّ وما فوقهنَّ وما تحتهنَّ».

واضح؟ فهل الأرض واحدة أو متعدِّدة؟ يعني سبع أراضي، هذا موجود في الروايات ليس موجود في آيات القرآن الكريم، ولكنَّ ظاهر الإطلاق أنَّ هذه الأراضي في الدنيا لا في الآخرة.

[الطالب:] شيخنا عندنا في القرآن آية تدل على سبع أراضي.

[الشيخ:] تفضل.

[الطالب:] قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[5] .

[الشيخ:] الآية رقم كم؟

[الطالب:] اثنا عشر.

[الشيخ:] من سورة.

[الطالب:] الطلاق.

[الشيخ:] صرَّح بالمِثل لكن لم يذكر سبع أرضين، هذا اللفظ لم يذكر. توجد آية أخرى يُفهَم منها أنَّ هناك أكثر من أرض واحدة.

الكلام عن التصريح، لا يوجد تصريح، يعني القرآن ذكر «أرض» ولم يذكر «أرضين»، لكن ذكر ما يُفهَم منه تعدُّد الأرض، هذه يفهم منها «ومن الأرض مثلهنَّ» أنّه سبع أرضين. الكلام في التصريح بالجمع، في القرآن ورد لفظ السماء وورد لفظ السماوات، وورد لفظ الأرض ولم يرد لفظ الأرضين. توجد آية أخرى تنصّ على أنَّه توجد زيادة على الأرض، لكن ما تنصّ على أنَّ الأرضين سبع.

إذًا، الرواية الأولى بناءً على قبولها، لأنَّها من ناحية السند صحيحة، لكنَّ الكلام في النُّسخة الواصلة إلينا من تفسير القُمّيّ، ونحن نرى عدم اعتبارها إذ أنَّها نُسخة مخلوطة بين تفسير القُمّيّ وتفسير أبي الجارود الزيدي.

الرواية الثانية: يمكن القول باعتبار سندها، وهي مرويّة عن تفسير الإمام الحسن العسكريّ، وهناك كلام أيضًا في التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام.

وقد جاء فيها: قال الإمام أبو محمّد العسكريّ عليه السلام: «إنَّ الله عزَّ وجلَّ لمَّا لعن إبليس بإبائه وأكرم الملائكة بسجودها لآدم وطاعتهم لله عزَّ وجلَّ، أمر بآدم وحوَّاء إلى الجنَّة وقال: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا﴾ من الجنة ﴿رَغَدًا﴾ واسعًا ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ بلا تعب، ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ﴾، شجرة العِلم، شجرة عِلم محمّد وآل محمّد – اللهمَّ صلِّ على محمّد وآل محمّد – الذين آثرهم الله عزَّ وجلَّ دون خَلقه، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ شجرة العِلم، فإنَّها لمحمّد وآله خاصَّة دون غيرهم، ولا يتناول منها بأمر الله إلَّا هم، ومنها ما كان يتناوله النبيّ صلَّى الله عليه وآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين بعد إطعامهم اليتيم والمسكين والأسير حتَّى لم يُحِسُّوا بعدُ بجوع ولا عطش ولا تعب ولا نَصَب.

وهي شجرة تميَّزت بين أشجار الجنَّة، إنَّ سائر أشجار الجنَّة كان كلّ نوع منها يحمل نوعًا من الثمار والمأكول، وكانت هذه الشجرة وجنسها تحمل البُرّ – يعني القمح – والعِنَب والتين والعناب وسائر أنواع الثمار والفواكه والأطعمة. فلذلك اختلف الحاكون لذِكر الشجرة، فقال بعضهم: هي بُرّة، وقال آخرون: هي عِنَبة، وقال آخرون: هي تِينة، وقال آخرون: هي عُنّابة.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ تلتمسان بذلك درجة محمّد وآل محمّد وفضلهم، فإنَّ الله تعالى خصَّهم بهذه الدرجة دون غيرهم. وهي الشجرة التي مَن تناول منها بإذن الله ألهم علم الأوَّلين والآخِرين من غير تعلُّم، ومَن تناول منها بغير إذن خاب من مُراده وعصى ربَّه، ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ بمعصيتكما والتماسكما درجةً قد أُوثِرَ بها غيركما كما أردتُما بغير حُكم الله تعالى.

قال الله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾، عن الجنَّة، بوسوسته وخديعته وإيهامه وغروره، بأن بدأ بآدم فقال: ﴿ما نهاكما ربُّكما عن هذه الشجرة إلَّا أن تكونا مَلَكَين﴾ إن تناولتُما منها تعلمان الغيب وتقدران على ما يقدر عليه مَن خصَّه الله تعالى بالقدرة، أو تكونا من الخالدين لا تموتان أبدًا»، ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾[6] حلف لهما: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾[7] . وكان إبليس بين لحيي الحيَّة – يعني بين فَكَّي الحيَّة؛ لحيي المكان الذي ينبت عليه اللحية، يعني فَكَّي الحيَّة – أدخلته الجنَّة.

وكان آدم يظنّ أنَّ الحيَّة هي التي تُخاطبه ولم يعلم أنَّ إبليس قد اختفى بين لحييها. فردَّ آدم على الحيَّة: «أيَّتُها الحيَّة، هذا من غرور إبليس لعنه الله، كيف يَخوننا ربُّنا؟ أم كيف تُعظِّمين الله بالقَسَم به وأنتِ تَنسبينه إلى الخيانة وسوء النَّظَر؟ وهو أكرم الأكرمين. أم كيف أروم التوصُّل إلى ما منع منه ربِّي عزَّ وجلَّ وأتعاطاه بغير حُكمه؟

فلمَّا يَئِس إبليس من قبول أمره منه، عاد ثانيةً بين لَحيَي الحيَّة فخاطب حوَّاء من حيث يُوهِمها أنَّ الحيَّة هي التي تخاطبها، وقال: «يا حوَّاء، أرأيتِ هذه الشجرة التي كان الله عزَّ وجلَّ حرَّمها عليكما؟ قد أحلَّها لكما بعد تحريمها لِمَا عرف من حُسن طاعتكما وتوقيركما إيَّاه، وذلك أنَّ الملائكة الموكَّلين بالشجرة، التي معها الحِراب، يدفعون عنها سائر حيوان الجنَّة، لا تدفعك عنها إن رُمتِها، فاعلمي بذلك أنَّه قد أحلَّ لكِ، وأبشري بأنَّكِ إن تناولتِها قبل آدم كُنتِ أنتِ المُسلَّطة عليه، الآمرة الناهية، فوقه.

فقالت حوَّاء: «سوف أُجرِّب هذا». فرامت الشجرة فأرادت الملائكة أن تدفعها عنها بحِرابها، فأوحى الله تعالى إليها: «إنَّما تدفعون بحِرابكم مَن لا عقل له يزجره، فأمَّا مَن جعلتُه متمكِّنًا مختارًا فَكِلُوه إلى عقله الذي جعلتُه حُجَّة عليه، فإن أطاع استحقَّ ثوابي، وإن عصى وخالف أمري استحقَّ عقابي وجزائي».

فتركوها ولم يتعرَّضوا لها بعد ما همُّوا بمنعها بحِرابهم، فظنَّت أنَّ الله تعالى نهاهم عن منعها لأنَّه قد أحلَّها بعد ما حرَّمها. فقالت: «صدقت الحيَّة» – وظنَّت أنَّ المُخاطِب لها هي الحيَّة – فتناولت منها ولم تُنكِر من نفسها شيئًا. فقالت: «يا آدم، ألم تعلم أنَّ الشجرة المُحرَّمة علينا قد أُبيحت لنا؟ تناولتُ منها فلم يمنعني أملاكها، ولم أُنكِر شيئًا من ذلك».

فذلك حين اغترَّ آدم وغَلِط فتناول، فأصابهما ما قال الله تعالى في كتابه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا﴾[8] بوسوسته وغروره ممَّا كانا فيه من النعيم. ﴿وَقُلْنَا﴾[9] يا آدم ويا حوَّاء ويا أيَّتُها الحيَّة ويا إبليس، ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾[10] ، آدم وحوَّاء وولدهما عدو الحيَّة وإبليس والحيَّة وأولادها أعداؤكم، ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾[11] أي منزل ومُقَرّ للمعاش ﴿وَمَتَاعٌ﴾[12] ، منفعة ﴿إِلَىٰ حِينٍ﴾[13] الموت»[14] .

هذه الرواية يستفاد منها عدة نكات:

الأولى: أنَّ الشجرة المنهيّ عنها شجرة فيها عدَّة ثمرات، وهي تختلف عن أشجار الدنيا، وهذا ينسجم مع كون الجنَّة من جنان السماء لا من جنان الأرض، إلَّا أن يُقال أنَّه كانت في الأرض جنَّة فيها هكذا ثمار ثمَّ أُبيدت، وهذا لم يَثبت. فشجرة العِلم والتي فيها عدة ثمار هذه ليست من أشجار جنان الأرض.

النكتة الثانية: أنَّ الشيطان بدأ بوسوسة آدم حينما اختفى بين لَحيَي الحيَّة.

النكتة الثالثة: أنَّ آدم وحوَّاء لهم أعداء، وهم الحيَّة وإبليس. وفي هذه الرواية خطاب للحيَّة، بينما الخطاب إنَّما يكون للعاقل لا للحيوانات غير العاقل، وتفسير ذلك يُردّ عِلمه إليهم صلوات الله وسلامه عليهم.

النكتة الرابعة والمهمَّة في هذه الرواية: أنَّ آدم وحوَّاء حينما أقدما على الأكل من الشجرة لم يكونا قد أقدما عن اعتقادٍ بحُرمة الأكل، بل كانا يعتقدان أنَّ الحُرمة قد ارتفعت وأنَّ الأكل منها حلال زلال، وهذا ينفي عنهما المعصية.

النقطة الخامسة: يُستفاد من هذه الرواية أنَّ النهي مولويّ وليس إرشاديًّا، إذ جاء في التعليل: «فإن أطاع استحقَّ ثوابي، وإن عصى وخالف أمري استحقَ عقابي وجزائي». ثمَّ فرَّعت الرواية: «فتركوها ولم يتعرَّضوا لها بعدما همُّوا بمنعها بحِرابهم».

إذًا هذه الرواية يُستفاد منها أنَّ النهي مولويّ وليس النهي إرشاديًّا. فإن قلنا باعتبار هذه الرواية كما يقول به الشيخ السيفي المازندرانيّ، فإنَّه يرى اعتبار الرواية الأولى والرواية الثانية، فلا بدَّ من الأخذ بهذه المضامين.

ولكن بناءً على مبنانا من عدم اعتبار النُّسخة الواصلة إلينا من تفسير القُمّيّ والتشكيك في صحَّة التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام، فإنَّه لا يمكن الأخذ بتفاصيل هذه الرواية. نعم، يمكن الأخذ بالمضامين التي تكرَّرت في عدَّة روايات ضعيفة فيما إذا أوجبت الوصول إلى درجة الاستفاضة أو التواتر. فإذا حصل الاطمئنان بهذه المضامين يمكن الأخذ به.

من هذه المضامين هو أنَّ هذه الجنَّة ليست من سنخ جنان الأرض بل من سنخ جنان السماء، وهذا نقطة مهمَّة، يعني في استنطاق الآيات والروايات، مثلًا حينما نقول إنَّ مفردة «الشهيد» بمعنى المقتول لم ترد في القرآن الكريم، هذا ما معناه أنَّ الشهادة لم ترد في القرآن الكريم. وردت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾[15] ، لكنَّ لفظ «الشهيد» في القرآن لم يرد بمعنى القَتْل في سبيل الله. القرآن عبَّر عن الشهيد المقتول بلفظ «القَتْل»: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾[16] ، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾[17] .

هذه نقاط مهمَّة. فحينما نقول: «الأرضين السبع لم ترد» يعني لفظ «الأرضين» لم يرد، وإنَّ ورد ما يدلّ عليه. كذلك لفظ «الشهادة» بمعنى المقتول في سبيل الله لم يرد في القرآن، وإن ورد مفردة القَتْل في سبيل الله.

الرواية الثالثة: يأتي عليها الكلام.

وصلَّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

 

 


[1] . البقرة: ٣٥.
[2] . منهاج التبيان في تفسير القرآن، آية الله الشيخ علي أكبر السيفي المازندراني، ج٢، ص٤٥.
[3] . تفسير القُمّيّ، ج١، ص٤٤.
[4] . منهاج التبيان، ج١، ص٤٥.
[5] . الطلاق: ١٢.
[6] . الأعراف: 21.
[7] . الأعراف: 21.
[8] . البقرة: 36.
[9] . البقرة: 36.
[10] . البقرة: 36.
[11] . الأعراف: 24.
[12] . الأعراف: 24.
[13] . الأعراف: 24.
[14] . التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام، ص٢٢١، ويمكن مراجعة ص١٠٣ وص١٠٤.
[15] . النساء: 41.
[16] . البقرة: 154.
[17] . آل عمران: 169.
logo