47/07/30
30 رجب 1447
20 يناير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائتان واثنان وتسعون): التفسير الثالث لكلام صاحب الكفاية في ثمرة بحث المقدمة الموصلة
التفسير الثالث لكلام صاحب الكفاية في ثمرة بحث المقدمة الموصلة وهو ما أفاده الشيخ محمد حسين الأصفهاني، وفسّر به كلام أستاذه الآخوند الخراساني[1] . وهذا التفسير هو الذي ينبغي أن يقع موضعاً للبحث إثباتاً ونفياً، ولعل تفسير المحقق الأصفهاني هو المراد الحقيقي لأستاذه صاحب الكفاية، على الرغم من أن عبارة صاحب الكفاية قد لا تساعد على ما أفاده المحقق الأصفهاني.
ومفاد هذا التفسير والتقريب: بيان عدة قواعد، بأن يُقال: إنه إذا فُرض أن فعل أحد الضدين كالإزالة متوقف على ترك الضد الآخر كالصلاة، وكان ضد الواجب عبادة، فضد الإزالة الواجبة عبادة وهو الصلاة، فقد أصبح فعل الواجب وهو الإزالة موقوفاً على ترك الضد وهو الصلاة.
فإذا كان الواجب مطلق المقدمة أي مطلق مقدمة الإزالة، فحينئذ وجب ترك الصلاة مطلقاً، سواء هذا الترك أوصل إلى الإزالة أو لم يوصل إلى الإزالة. وبناءً على أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام، أي عن نقيضه، فالأمر بالشيء كالإزالة يقتضي النهي عن ضده العام، أي نقيض الإزالة، وهو ترك الإزالة، فحينئذ تصبح الصلاة منهياً عنها؛ لأن الصلاة ترك للإزالة.
وبناءً على أن النهي عن العبادة يقتضي فساد العبادة؛ لأن العبادة مشروطة ومتقومة بقصد التقرب إلى الله، ولا يُعقل التقرب إلى الله بالمنهي عنه، إذاً بناءً على فساد العبادة بتعلق النهي بها، تبطل الصلاة.
إذاً بناءً على وجوب مطلق المقدمة الموصلة أو غير الموصلة، إذا وجبت الإزالة، حَرم ضدها العام، أي ترك الإزالة يعني حرمت الصلاة، سواء كان ترك الصلاة يوصل إلى الإزالة أو لا يوصل. هذا تمام الكلام بناءً على أن الواجب مطلق المقدمة.
وأما إذا بنينا على أن الواجب هو خصوص الموصلة لا مطلق المقدمة، فالواجب حينئذ: ليس مطلق ترك الصلاة، بل الواجب هو خصوص ترك الصلاة الموصل إلى الإزالة، وهذا ليس نقيضه فعل الصلاة؛ إذ قد يرتفعان بأن يأتي بتركٍ غير موصل، والنقيضان لا يرتفعان. وهذه قاعدة عامة: النقيضان مثل الإزالة وعدم الإزالة لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ لا يصير هذا الشيء في نفس الوقت هو وعدم إزالة، ولا يصير هذا الشيء ليس بإزالة وليس بترك إزالة.
إذاً، هذان ليسا نقيضين؛ لأنهما قد يرتفعان: الأول: ترك الصلاة الموصل إلى الإزالة، الثاني: فعل الصلاة. هذان قد يرتفعان بترك للإزالة غير موصل إلى الصلاة. هذا الترك غير الموصل ارتفع عنه فعل الصلاة؛ لأنه ترك، وارتفع عنه أيضاً ترك الصلاة الموصل إلى الإزالة؛ لأنه ترك لم يوصل إلى الإزالة.
إذاً ما هو نقيض ترك الصلاة الموصل إلى الإزالة؟
الجواب: نقيضه هو رفع الترك الموصل، ورفع ترك الموصل قد يقترن بالصلاة، وقد يقترن بالترك غير الموصل. فإذا صلى أو ترك الصلاة لكنه لم يُزِل النجاسة، هذان في مقابل رفع الترك الموصل. إذاً، قد يُصلي، وقد لا يصلي ولا يُزيل. ولا موجب لسريان الحرمة من رفع الترك الموصل إلى ما قد يقترن معه وهو الصلاة، إذاً فتقع الصلاة صحيحة.
خلاصة وزبدة التفسير الثالث للمحقق الأصفهاني، يوجد شقان:
الشق الأول: أن نبني على وجوب مطلق المقدمة، فنطبق القاعدة أن الأمر بالشيء كالإزالة يقتضي النهي عن ضده العام، وهنا الضد العام ترك الإزالة مطلقاً، سواء واضح أو لا. هنا الصلاة يصدق عليها ترك إزالة سواء أوصلت إلى الإزالة أو لم توصل إلى الإزالة، فيصير الأمر بالإزالة نهياً عن الصلاة، والنهي عن الصلاة يقتضي بطلان الصلاة، فإذا دائماً تقع الصلاة ماذا؟ باطلة. هذا الشق الأول.
الشق الثاني: أما بناءً على وجوب خصوص المقدمة الموصلة، فيصير الواجب ما هو؟ الإزالة. ما الذي يقابل الإزالة؟ ترك الصلاة الموصل إلى الإزالة، ليس مطلق ترك الصلاة، بل خصوص ترك الصلاة الموصلة إلى الإزالة. هذا ترك الصلاة الموجب إلى الإزالة قد يُنقض بالإتيان بالصلاة، وقد ينقض بترك الصلاة وترك الإزالة. فهنا لو النهي هنا عن ترك الصلاة وترك الإزالة، لا يستلزم النهي عن الصلاة، فتقع الصلاة صحيحة.
فصار يوجد فرق بين وجوب مطلق المقدمة الذي يقتضي حرمة الصلاة مطلقاً، وبين وجوب خصوص المقدمة الموصلة الذي تقتضي صحة الصلاة. هذا تمام الكلام في بيان تفسير المحقق الأصفهاني لكلام أستاذه الآخوند الخراساني.
وهذا كلام محكم ومتين ومليء بالقواعد المنطقية والأصولية، لكن يمكن مناقشة هذه الثمرة على الرغم من بيانها المحكم من قبل المحقق الأصفهاني، فيمكن مناقشة ما أفاده بوجوه:
الوجه الأول: إننا لو سلّمنا كل الأصول الموضوعية لهذه الثمرة التي ذكرها المحقق الأصفهاني، ولم نناقش أي أصل موضوعي، فإن النتيجة لن تكون كما أفاده رحمه الله، بل ستكون النتيجة البطلان مطلقاً. فإذا سلّمنا بجميع القواعد، وهي: إن الضد موقوف على ترك ضده، وأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام، وأن هذا النهي يوجب الفساد في العبادة، فهذه ثلاثة أصول موضوعية. لو سلّمنا بها، فإننا نقول: إن هذه الأصول الموضوعية بنفسها تستبطن وتتضمن أن فعل أحد الضدين أيضاً مقدمة لترك الآخر؛ فإن منشأ مقدمية ترك أحدهما كالصلاة لفعل الآخر كالإزالة هو التمانع. وإذا صح التمانع، فكما أن عدم أحدهما كالصلاة مقدمة لوجود الآخر كالإزالة من باب مقدمية عدم المانع لوجود الشيء، كذلك وجود أحدهما كالصلاة مقدمة لعدم الآخر كعدم الإزالة من باب أن وجود المانع أحد أسباب انتفاء الشيء.
إذاً فذلكة الموقف في بيان نكتة المقدمية والتوقف. فإذا قلنا إن النكتة هي التمانع، وجود تمانع في الوجود بين الإزالة والصلاة، فيصير هكذا: عدم الصلاة مقدمة للإزالة، وفعل الإزالة مقدمة لترك الصلاة؛ لأنه يوجد تمانع، كما لو افترضنا أنه لم يمكنه أن يُصلي ويُزيل النجاسة في نفس الوقت. وهكذا بالنسبة إلى الإنقاذ والمشي في الأرض المغصوبة، فيوجد تمانع، فيصير الإنقاذ يتوقف على المرور في الأرض المغصوبة، وترك الغصب… إلى آخره.
إذاً، إذا كانت النكتة هي نكتة التمانع، يعني شيئان بينهما تمانع في الوجود، يصير ترك أحدهما مقدمة للآخر، وفعل الآخر مقدمة لترك الآخر. واضحة هذه القاعدة والنكتة.
إذا اتضحت هذه النكتة، نطبقناها على مثال الإزالة وفعل الصلاة، فنقول: إن الإزالة واجبة، فترك الإزالة حرام؛ لما فُرض من أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده. وفعل الصلاة مقدمة موصلة لهذا الحرام، فهي حرام؛ لأن فعل الصلاة لا ينفك أبداً عن ترك الإزالة، فهو مقدمة تستتبع فعل الحرام. وإذا كانت مقدمة الواجب واجبة، فمقدمة الحرام التي تكون علة تامة لتحقق الحرام أيضاً تكون محرمة.
إذاً، ليست مطلق مقدمة الحرام حرام. مقدمة الحرام التي هي جزء علة لا تكون محرمة، لكن مقدمة الحرام التي هي علة تامة تكون محرمة أيضاً.
إذاً الصلاة حرام حتى ولو قلنا بالمقدمة الموصلة، غاية الأمر أنه إذا قلنا بوجوب مطلق المقدمة لا المقدمة الموصلة، اتصفت الصلاة بالحرمة الغيرية باعتبارها نقيض الواجب. وإن قلنا بوجوب خصوص المقدمة الموصلة، لم تتصف الصلاة بالحرمة الغيرية باعتبارها نقيض الواجب، ولكنها تتصف بالحرمة الغيرية باعتبارها مقدمة مستتبعة حتماً للحرام.
فمن حيث النتيجة، لا يبقى فرق بين القولين. يعني الخلاصة: بناءً على وجوب مطلق المقدمة، وبناءً على وجوب خصوص المقدمة الموصلة، إذا وجبت الإزالة، حَرُم نقيضها، ترك الإزالة، وبالتالي تحرم الصلاة مطلقاً، سواء ترك الصلاة الموصل للإزالة أو ترك الصلاة غير الموصل.
أما إذا قلنا: بالشق الأول: إذا قلنا بوجوب مطلق المقدمة موصلة أو غير موصلة، هنا إذا وجبت الإزالة، اتسمت الصلاة بالحرمة الغيرية، تصير الصلاة حرام لغيرها، يعني من أجل أن تُزيل تحرم عليك الصلاة. هنا نفس الصلاة تتسم بالحرمة الغيرية.
أما إذا قلنا بوجوب خصوص المقدمة الموصلة، هنا لا ينطبق عنوان الحرمة الغيرية على فعل الصلاة، لكن فعل الصلاة يستتبع وفي نتيجته ترك الإزالة، فيحرم؛ لأنه يؤدي ويفضي إلى ترك الإزالة.
إذاً في النتيجة، إذا وجبت الإزالة، حرمت الصلاة، سواء قلنا بوجوب مطلق المقدمة، فهنا الصلاة تتصف بالحرمة الغيرية، أو إذا قلنا بوجوب خصوص المقدمة الموصلة أيضاً، الصلاة حرام، لا لانطباق عنوان الحرمة الغيرية عليها، بل لأن فعل الصلاة يستتبع ترك الإزالة، وهذا حرام.
إذاً النتيجة النهائية: لو سلّمنا بجميع الأصول الموضوعية التي ذكرها المحقق الأصفهاني، تكون النتيجة واحدة، وهي أنه إذا وجبت الإزالة، الصلاة باطلة عاطلة، سواء قلنا بحرمة مطلق الصلاة أو خصوص الصلاة التي تركها يوصل إلى الإزالة.
فالنتيجة واحدة وإن اختلف العنوان، فتارة نقول بانطباق الحرمة الغيرية على فعل الصلاة، هذا إذا قلنا بوجوب مطلق المقدمة. أو لم نقل بانطباق الحرمة الغيرية على الصلاة، لكن نلتزم أيضاً بحرمة الصلاة؛ لأن فعل الصلاة يستتبع ومن نتائجه ترك الواجب وهو الإزالة.
إذاً هذه الثمرة، وهذا الفارق ليس بفارق.
هذا تمام الكلام في الوجه الأول، والوجه الثاني في مناقشة ما أفاده المحقق الأصفهاني يأتي عليه الكلام.
وصلى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.
.