« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/07/23

بسم الله الرحمن الرحيم

23 رجب 1447
13 يناير 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مائتان وواحد وتسعون): ثمرة بحث المقدمة الموصلة

 

التنبيه الثاني: في ثمرة بحث المقدمة الموصلة زائداً على ما يظهر مما مضى في التنبيه الأول، فقد ذكرنا في التنبيه الأوّل أن الواجب ليس هو مطلق المقدمة، بل الواجب هو خصوص المقدمة الموصلة إلى ذي المقدمة. نعم، لا يشترط فيها قصد التوصل بل المدار على الوصول واقعاً. وسيأتي توضيح ثمرة البحث فيما يأتي ولكن بما أننا ذكرنا في التنبيه الأول أن المدار على المقدمة الموصلة لا على مطلق المقدمة يأتي هنا موقع التنبيه الثاني، وهو في بيان الثمرة والفارق بين القول بوجوب مطلق المقدمة وبين القول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة.

قد يقال: إنه تظهر الثمرة في القول بالمقدمة الموصلة وإنكارها فيما لو توقف الواجب على ترك عبادة،

توقف كتوقف وجوب إزالة النجاسة عن المسجد فوراً على ترك الصلاة عند الإزالة، بناءً على توقف أحد الضدين وهو الإزالة فوراً على ترك الضد الآخر وهو الصلاة.

فلو ترك ذلك الواجب الفوري الذي هو أهم ولم يزل النجاسة عن المسجد، وأتى بتلك العبادة وصلى، فيمكن أن يقال بوجود فرقٍ بين القولين، فيقال: إنه بناءً على وجوب خصوص المقدمة الموصلة لا تبطل عبادته؛ لأن المدار على ترك الصلاة الموصل إلى الإزالة، وهنا جاء بالصلاة ولم يزل. فهنا الصلاة ليس مقيد بالوصول إلى الإزالة. فيقال هكذا: إنه بناءً على المقدمة الموصلة لا تبطل عبادته، لكن بناءً على وجوب مطلق المقدمة، تبطل عبادته.

فالإزالة واجبةٌ ولها مقدمةٌ مطلقة وهي: ترك الصلاة مطلقاً، سواءً أدى إلى تحقق الإزالة وأوصل إليها، أو لا. كما لو صلى وتثاقل واستثقل عن تطهير المسجد وإزالة النجاسة عنه. فبناءً على وجوب مطلق المقدمة تبطل عبادته وصلاته. بناءً على القول بأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام، والمراد بالضد العام هو النقيض، والمراد بالضد الخاص هو الضد المنطقي. وبناءً على أن النهي في العبادات يوجب الفساد، لأن العبادة مشروطةٌ بقصد القربة، ولا يمكن التقرب إلى الله بالإتيان بالمبغوض والمنهي عنه.

إذاً الأمر بالشيء وهو الإزالة، يقتضي النهي عن ضده العام، ما هو الضد العام؟ عدم الإزالة؛ لأن كلامنا الضد العام النقيض، والنقيضان أمران: أحدهما وجودي والآخر عدمي، لا يجتمعان ولا يرتفعان، فنقيض البياض عدم البياض، بينما ضد البياض هو السواد. فالضدان أمران وجوديان أسود وأبيض. أمران وجوديان، بينما النقيضان أحدهما أمرٌ وجودي والآخر عدمٌ لذلك الوجودي، فالنقيضان أسود وليس بأسود، عدم السواد. بينما الضدان: السواد والبياض.

فهنا إذا حصل أمرٌ بالإزالة، فالإزالة أمر وجود، هذا يقتضي النهي عن الضد العام وهو ترك الإزالة، فإذا ترك الإزالة وصلى وترك الإزالة منهيٌ عنه، تكون هذه الصلاة منهياً عنها. والنهي عن العبادة والصلاة يوجب الفساد والبطلان. واضح إن شاء الله؟

وهذه الثمرة قد بينها المحقق الشيخ محمد كاظم الخراساني[1] ، وعبارة صاحب الكفاية تحتمل عدة تفسيرات، أبرزها تفسيران يمكن أن يستفادا من ظاهر عبارة صاحب الكفاية، لكن يوجد تفسيرٌ ثالث للمحقق الأصفهاني في نهاية الدارية[2] ، وفسر به كلام أستاذه الآخوند الخراساني الذي حضر عنده ثلاثة عشر سنة من دون أن يغيب، غاب يومين: يوم كان يتوهم أن الآخوند ما يدرس ودرس، ويوم كان هناك رياح شديدة بحيث لم يستطع المحقق الأصفهاني الخروج من داره، واتضح أن صاحب الكفاية لم يدرس في ذلك اليوم.

إذاً حضر ثلاثة عشر سنة متواصلة من دون أن يغيب يوماً عمداً.

وتفسير المحقق الأصفهاني لا يستفاد من ظاهر عبارة الآخوند الخراساني، لكن تفسير المحقق الأصفهاني هو الأوفق بالقواعد وينبغي أن يقع موضعاً للنفي والإثبات. ونحن سنتطرق إلى هذه التفسيرات الثلاثة، نأخذ التفسير الأول والثاني والتفسير الثالث نوكله إلى الدرس القادم إن بقينا الأحياء؛ لأنه هو الأهم وعليه على الأقل ثلاث مناقشات:

التفسير الأول لعبارة صاحب الكفاية في بيان الثمرة بين القول بالمقدمة الموصلة وبين القول بوجوب مطلق المقدمة كانت موصلة أو غير موصلة.

التفسير الأول أن يقال: إن أي قيد أخذ في أحد النقيضين ينبغي أخذه في النقيض الآخر حفظاً للتناقض. فمثلاً: نقيض الصوم في يوم الجمعة هو ترك الصوم في يوم الجمعة، وعليه فالواجب إذا كان هو ترك الصلاة مثلاً مطلقاً ففعلها حرام فتبطل. وأما إذا كان الواجب هو ترك الصلاة المقيد بترتب الإزالة مثلاً، فنقيضه هو الصلاة المقيدة أيضاً بترتب الإزالة.

ومن الواضح أنه لو صلى لم تترتب الإزالة لفرض التضاد بينهما؛ لأن وجود الصلاة ينافي وجود الإزالة فلا تكون هذه الصلاة محرمة، فلا تكون باطلةً.

هذا هو التفسير الأول الذي ذكره الشهيد الصدر رحمه الله، وناقشه بمناقشة محكمة ومتينة[3] .

وناقشة الشهيد الصدر رحمه الله بأن هذا التقريب للثمرة واضح البطلان: بداهة أن أخذ قيد ترتب الإزالة في طرف ترك الصلاة لا يوجب أخذه في طرف الصلاة، فإنه ليس القيد المأخوذ في أحد النقيضين يؤخذ في عدمه، بمعنى كون نقيضه عدمه المقيد بذلك القيد، وإنما القيد المأخوذ في أحد النقيضين يؤخذ في الذي يضاف إليه عدمه، أي أن الوجود المقيد بقيد يكون نقيضه هو عدم المقيد لا العدم المقيد، وكم فرقٍ بينهما.

إذاً فرق كبير بين عدم المقيد وبين العدم المقيد، فتقول هكذا: الوجود المقيد بقيد كوجود الإزالة المقيد بقيد عدم الصلاة يكون نقيضه هو عدم المقيد، يعني عدم الصلاة المقيدة بالإزالة لا العدم المقيد وهو عدم الصلاة.

إذاً فرق بين أن تقول: الصلاة التي هي أمر وجودي، المقيدة بترك الإزالة، وبين أن تقول: عدم الصلاة. والفرق بينهما في الوجود والعدم. تارة تقول: الصلاة يعني وجود الصلاة، المقيد بالعدم. يعني مقيد بعدم الإزالة، وتارة تقول: عدم الصلاة، هذا أمر عدمي.

فيصير هكذا: ما هو الواجب؟ أمر وجودي، وهو الإزالة المقيدة بعدم الصلاة. يكون نقيضه: عدم المقيد، يعني عدم الوجود المقيد، يعني الصلاة المقيدة بترك الإزالة.

لاحظ الدقة: يا أخي يا أخي! ما هو الأمر الأول؟ إزالة، ما هو نقيض الإزالة؟ عدم الإزالة، وليس نقيض الإزالة هو الصلاة، حتى تقول: نقيضها عدم الصلاة.

أعيد وأكرر التفت جيداً إلى النكتة:

الإزالة ما هو نقيضها؟ عدم الإزالة، فتصير الإزالة المقيدة بترك الصلاة، نقيضها الصلاة المقيدة بعدم الإزالة، ولا تقل: إن نقيض الإزالة هو عدم الصلاة. هذا الفارق نحتاجه في المناقشات القادمة.

أعيد وأكرر: الوجود المقيد بقيد كوجود الإزالة المقيدة بقيد ترك الصلاة، يكون نقيضه الوجود المقيد بالعدم، يكون نقيضه وجود الصلاة المقيد بترك الإزالة؛ لأن نقيض الإزالة ترك الإزالة وليس نقيضه العدم المقيد، يعني عدم الصلاة المقيد بترك الإزالة.

نكتة مهمة جداً: الوجود المقيد بقيد كوجود الإزالة المقيد بقيد ترك الصلاة، يكون نقيضه عدم المقيد، يعني الموجود المقيد بعدم. يعني يكون نقيضه الصلاة المقيدة بعدم الإزالة، ولا يكون نقيضه العدم المقيدة، لا يكون نقيض الإزالة المقيدة بترك الصلاة ما يكون نقيضها هو عدم الصلاة المقيدة بعدم الإزالة. واضح إن شاء الله؟

التفسير الثاني: أن يقال إنه إذا قلنا بوجوب مطلق المقدمة، فترك الصلاة يجب على الإطلاق، ففعل الصلاة يحرم على الإطلاق فتقع الصلاة باطلةً، فإذا أوجبنا الإزالة وجبت مقدمتها المطلقة أي التي توصل إلى الإزالة أو التي لا توصل. و

وبالتالي تحرم الصلاة؛ لأنه يجب ترك الصلاة، مقدمة الواجب واجبة، الإزالة واجبة ومقدمة الإزالة وهي ترك الصلاة واجبة، فيكون فعل الصلاة محرماً. هذا في أين؟ هذا في وجوب مطلق المقدمة.

أما إذا قلنا بوجوب خصوص المقدمة الموصلة فمعنى ذلك: أن الوجوب مشروط بترك الإزالة، يعني وجوب الصلاة فيه شرط: إذا تركت الإزالة تجب عليك الصلاة، أما إذا فعلت الإزالة لا تجب عليك الصلاة.

إذاً، فكل تركٍ للإزالة لو فرضناه الآن واقعاً لكان موصلاً يكون هو الواجب، يعني الآن إذا ترك الصلاة وراح أزال، هذا ترك الصلاة هو الواجب؛ لأنه في هذا الآن الذي يترك الصلاة يذهب ويزيل النجاسة.

وأما ترك الصلاة الذي لو فرضناه الآن واقعاً لما كان موصلاً إلى تحقق الإزالة فهذا غير واجب، كما لو اشتغل المكلف وهذا الشخص بالصلاة ولم يزل حتى لو لم يصلِ لوجود صارف نفسي عن الإزالة كما لو استثقل إزالة النجاسة عن المسجد.

رأى عذرة في المسجد قال: نفسي ما تطاوعني أزيل العذرة وأنجس يدي، صليت لو ما صليت لن أزل النجاسة عن المسجد. ففي هذه الحالة صلاته غير محرمة عليه؛ لأن تركه للصلاة غير واجب عليه، لأن تركه للصلاة هذا لو فرض الآن واقعاً لما أوصله إلى الإزالة، إذاً صلاته صحيحة. واضح هذا التفسير الثاني؟

ويرد على التقريب الثاني: أنّه واضح البطلان؛ لبداهة أن معنى اختصاص الوجوب بالموصولة ليس هو أخذ قيد الإيصال في الوجوب، وإنما معناه أخذ قيد الإيصال قيداً في الواجب، فهذا بالفعل يجب عليه الترك، يعني الواجب عليه الفعلي أن يترك الصلاة ويذهب لإزالة النجاسة.

أي أن المكلف يتوجه إليه خطاب بلزوم ترك الصلاة الموصل إلى تحقيق الإزالة، على الرغم من أنه الآن لو ترك الصلاة لن يزل ولكان تركه ليس بموصلٍ إلى النجاسة.

إذاً الصلاة التي يأتي بها يكون من المطلوب تركها تركاً موصلاً فيقال له مثلاً: «إن هذه الصلاة أصبحت محرمةً فتبطل».

أعيد باختصار الجواب ونختم:

الواجب هو الإزالة، ومقدمة الواجب واجبة، ومقدمة الإزالة ترك الصلاة، صحيح الواجب هو ترك الصلاة الموصل إلى تحقق الإزالة، فيخاطب هذا المكلف: أنت الآن يجب عليك ترك الصلاة لكي تزل، سواء أزلت أم لم تزل، فهذه الصلاة محرمة، أنت الواجب عليك ترك الصلاة الموصل للإزالة. لكن لو صليت وما أزلت صلاتك أيضاً باطلة، لأنه في هذا الآن أنت مخاطب بترك الصلاة، وإذا صليت صلاتك باطلة، وإذا ما أزلت أنت مأثوم لأنك ما أزلت.

فيكون هذا هو الجواب: الإزالة واجبة، ومقدمة الواجب واجب وهو ترك الصلاة، والواجب ليس هو مطلق ترك الصلاة، الواجب خصوص ترك الصلاة الموجب إلى الإزالة، لكن هذا الخطاب فعلي في حق المكلف سواءً أزال أم لم يزل.

هذا تمام الكلام في التفسير الثاني، واتضح أن التفسير الأول والثاني ليس بتام.

التفسير الثالث للمحقق الأصفهاني يأتي عليه الكلام.

وصلى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.


[1] كفاية الأصول، ج1، ص192، الطبعة المشتملة على حواشي المحقق أبي الحسن المشكيني.
[2] . نهاية الدراية، المحقق الأصفهاني، ج2، ص150.
[3] . مباحث الأصول، السيد كاظم الحائري، ج2، ص530.
logo