47/07/22
22 رجب 1447
12 يناير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائتان وتسعون): اختصاص ارتفاع الحرمة عن الحصة الموصلة من المقدمة لا يشترط فيه قصد التوصل إلى ذي المقدمة
الكلام في المقام الثاني فقد أثبتنا في المقام الأول: أن حرمة المقدمة كاجتياز الأرض المغصوبة ترتفع عن خصوص المقدمة الموصلة كالاجتياز الموصل إلى الإنقاذ، ولا يشمل الحصة غير الموصلة كما لو اجتاز الأرض المغصوبة كما يشاء، ولم ينقذ الغريق.
إذاً في المقام الأول أثبتنا أن حرمة الغصب وحرمة اجتياز الأرض المغصوبة والمقدمة لا ترتفع هذه الحرمة إلا في حصة واحدة، وهي: خصوص حصة المقدمة الموصلة، ولا تشمل المقدمة غير الموصلة. هذا تمام الكلام الذي أثبتناه في المقام الأول.
ويقع الكلام في المقدمة الموصلة في المقام الثاني إذ أن المقدمة الموصلة إلى ذي المقدمة على قسمين:
القسم الأول: المقدمة الموصلة التي يقصد بها التوصل إلى ذي المقدمة.
القسم الثاني: المقدمة الموصلة التي لا يقصد بها التوصل إلى ذي المقدمة.
فالمكلف لو اجتاز الأرض المغصوبة أولاً، وأنقذ الغريق ثانياً، وسألناه: هل قصدت التوصل إلى الإنقاذ حينما دخلت الأرض المغصوبة؟ فإنه يوجد احتمالان:
الاحتمال الأوّل: أن يكون قد قصد التوصل إلى ذي المقدمة. فقال: أصلاً لم أدخل الأرض المغصوبة، ولم أتصرف في المغصوب إلا حينما رأيت الغريق المسكين يغرق، فقصدت إنقاذ الغريق حينما دخلت الأرض المغصوبة. هذا القسم الأول والاحتمال الأول.
الاحتمال الثاني: أن يكون لم يقصد إنقاذ الغريق ولم يرى الغريق، بل دخل الأرض المغصوبة للتنزه، فجأة وإذا به يرى الغريق يغرق، فذهب وأنقذ الغريق، فهذه حصة موصلة إلى الإنقاذ، لكن لم يقصد بها التوصل، إلى ذي المقدمة.
سؤال يطرح نفسه: حينما أثبتنا في المقام الأول أن حرمة المقدمة لا ترتفع عن مطلق المقدمة، بل حرمة المقدمة ترتفع عن خصوص المقدمة الموصلة إلى ذي المقدمة، وتبقى حرمة المقدمة ثابتةً للحصة غير الموصلة كاجتياز الأرض المغصوبة غير الموصل إلى الإنقاذ فهذا حرام.
إذاً في المقام الأول أثبتنا أن ارتفاع الحرمة لا يكون مطلقاً، بل يختص بخصوص المقدمة الموصلة، ولا يشمل المقدمة غير الموصلة، فتبقى غير الموصلة على التحريم، هذا في المقام الأول.
بينما في المقام الثاني نبحث أنه بناءً على أن ارتفاع الحرمة يختص بخصوص المقدمة الموصلة، نسأل هذا السؤال: هل يشترط قصد التوصل في المقدمة الموصلة، أو لا يشترط قصد التوصل في المقدمة الموصلة؟
فالحرمة ترتفع مطلقاً، قصد التوصل أو لم يقصد التوصل؟ المهم تحقق التوصل واقعاً، وإن لم يكن قصد التوصل حاصلاً في النية والقلب.
وأما على القول باشتراط قصد التوصل فإن الحرمة لا ترتفع إلا بتحقق قيدين، وهما:
الأول: تحقق التوصل واقعاً.
ثانياً: قصد التوصل قلباً.
فما هو الصحيح؟
الجواب: يقع الكلام في تحقيق منافاتين:
المنافاة الأولى: التنافي بين حرمة المقدمة، والوجوب النفسي لذي المقدمة بنحو التزاحم. يعني التنافي بين حرمة الاجتياز الموصل، وبين وجوب الإنقاذ. هذا التنافي الأول.
التنافي الثاني: بين حرمة المقدمة الموصلة ووجوب المقدمة الموصلة بنحو التعارض.
إذاً يقع الكلام بين منافتين، إذا حققنا المطلب في المنافاة الأولى سيتضح الجواب في المنافاة الثاني، إذا حققنا المطلب في المنافاة بين حرمة الاجتياز الموصل وبين وجوب الإنقاذ سنعرف الجواب في التنافي الثاني وهو بين: حرمة الاجتياز الموصل ووجوب الاجتياز الموصل.
وسيتضح في التنافي الأول أننا لا نشترط قصد التوصل، فتكون النتيجة النهائية: المدار كل المدار في رفع التحريم عن المقدمة الموصلة هو خصوص قيد الوصول واقعاً، ولا نشترط قصد التوصل إلى ذي المقدمة.
تصير النتيجة النهائية هكذا: الاجتياز محرمٌ؛ لأنه غصبٌ. وهذا التحريم يرتفع إذا تحقق التوصل إلى الإنقاذ مطلقاً، يعني سواء قصد الإنقاذ عند الاجتياز أم لم يقصد.
ومن هنا يقع البحث في المنافاة الأولى بين المقدمة وذي المقدمة، المقدمة تقول: يحرم الاجتياز، وذو المقدمة يقول: يجب الإنقاذ. فلابدّ من بحث التنافي بينهما في صورتين:
الصورة الأولى: في صورة قصد التوصل.
الصورة الثانية: صورة عدم قصد التوصل.
البحث الأول: بحث التنافي في صورة قصد التوصل، فقد يقال بأن الجواب في المقام الثاني هو نفس البيان والجواب في المقام الأول إذ أن ارتفاع الحرمة عن المقدمة الموصلة التي قصد بها التوصل، هذا التنافي مع الإنقاذ يرتفع؛ لأن احتمال حرمة تنافي وجوب ذي المقدمة المقتضي لقصد التوصل والامتثال هذا وجه.
وجه ثاني: لأن حرمة المقدمة تعطل محركية وباعثية الأمر بالإنقاذ، فيتحقق استحكام التزاحم، ويتعذر امتثال الحرمة والوجوب معاً، فلا بدّ من تقديم الوجوب على الحرمة.
أكرر باختصار وسهولة وإيجاز مع التمثيل:
الصورة الأولى: صورة المقدمة الموصلة مع قصد التوصل، قيدين فيها: يعني اجتياز مع قصد الإنقاذ.
هنا التحريم، يعني تحريم الحصة الموصلة التي قصد بها الإنقاذ، هذا تحريم المقدمة يتنافى مع إيجاب ذي المقدمة، وإيجاب الإنقاذ. لماذا يتنافى؟ لأن وجوب ذي المقدمة يعني وجوب الاجتياز، يحرك ويدفع ويبعث (يبحث) نحو المقدمة الموصلة ويقول: اقصد الإنقاذ.
إذاً الوجوب وجوب الإنقاذ يدعوا إلى القيدين:
أولاً: الوصول إلى الإنقاذ.
ثانياً: قصد الإيصال. يعني اجتياز الأرض بقصد الإيصال.
فإثبات الوجوب للإنقاذ ينافي إثبات التحريم للقيدين:
أولاً: مقدمة موصلة واقعاً.
وثانياً: يقصد بها الإنقاذ.
هذا وجه التنافي من جهة الوجوب.
ويوجد وجه تنافي من جهة التحريم؛ لأنه إذا حرمنا المقدمة المقيدة بقيدين:
أولاً: موصلة.
ثانياً: يقصد فيها الإيصال.
فهذا يعني إعدام ذا المقدمة، إعدام الإنقاذ، لأن الإنقاذ ما يتحقق بدون اجتياز موصل ويقصد به الإنقاذ.
إذاً استحكم التزاحم والتنافي بين وجوب الإنقاذ من جهة، وحرمة الاجتياز الموصل للإنقاذ والذي قصد فيه الإنقاذ. إذا التزاحم وليس التعارض لأن التنافي في قدرة المكلف، التنافي في عالم الامتثال، يقدم الأهم ملاكاً. ما هو الأهم ملاكاً؟ الإنقاذ.
إذاً، يثبت الوجوب للإنقاذ، وعليه يرتفع التحريم عن خصوص المقدمة المقيدة بقيدين: أولاً موصلة، ثانياً قصد بها الإنقاذ. إذاً يثبت الوجوب للمقدمة الموصلة أولاً وقصد بها الإنقاذ والتوصل ثانياً. هذا تمام الكلام في الصورة الأولى. استحكم التنافي في خصوص الصورة الأولى المقيدة بقيدين.
الصورة الثانية: صورة المقدمة الموصلة مطلقاً (قصدت التوصل أم لم تقصد). فتكون الصورة الثانية هي عبارة عن خصوص المقدمة الموصلة التي لم يقصد بها التوصل إلى ذي المقدمة. هذا الذي نبحثه.
إذاً بحثنا في الصورة الأولى التنافي بين الوجوب النفسي وبين حرمة المقدمة الموصلة التي قصد بها التوصل، الصورة الثانية نبحث التنافي بين الوجوب النفسي كالاجتياز وبين حرمة الاجتياز المقيد بقيد واحد فقط وهو الاجتياز الموصل الذي لم يقصد به التوصل، هذا الذي نبحثه.
هنا يقال: لا مقتضي لارتفاع الحرمة عن الصورة الثانية وهي المقدمة الموصلة التي قصد بها التوصل على كل حال.
[الطالب:] التي لم يقصد.
[الشيخ:] لم يقصد، أنا قلت: قصد، اشتباه لفظي. كلامنا في الصورة الثانية عن الحصة الموصلة التي لم يقصد بها التوصل، نقول: لا مقتضي لارتفاع الحرمة عنها، يعني تبقى الحرمة عليها، لماذا؟
يوجد تنافي بين حرمة المقدمة الموصلة التي لم يقصد بها التوصل وبين الوجوب النفسي. نقول هكذا: تقدم في المنافاة الأولى أن التنافي يستحكم في صورة واحدة، وهي خصوص الصورة الأولى.
التنافي متى يستحكم؟ في خصوص الصورة الأولى، يعني حرمة المقدمة الموصلة أولاً والتي قصد بها التوصل ثانياً، هذه تتنافى مع الواجب النفسي. فهنا نرفع اليد بمقدار التنافي، ومقدار التنافي هو تقديم الوجوب النفسي وهو الإنقاذ على الوجوب الغيري حرمة الاجتياز. لكن في الحصة الموصلة التي لم يقصد بها التوصل فلا مانع من بقاء الحرمة عليها، بعد وجود مقتضي الحرمة وهو إطلاق دليل الغصب لا تغصب، وفقدان المانع، والمانع هو رعاية حق المزاحم الأقوى.
فحاصل هذا الإشكال: إن ثبوت التحريم على الحصة الموصلة التي لم يقصد بها التوصل ليس له أي دخلٍ في تقريب المولى نحو أغراضه.
إذاً لاحظوا معي جيداً باختصار حتى نبين نكتة المطلب: في الصورة الأولى يوجد تزاحم مستحكم بين حرمة المقدمة الموصلة التي يراد بها التوصل، وبين وجوب الإنقاذ، في الصورة الثانية لا يوجد تعارض مستحكم، لماذا لا يوجد تعارض مستحكم؟ هنا لابدّ نبين النكتة.
نقول: ما هو الغرض من اشتراط إرادة التوصل إلى المقدمة؟ ما هو الغرض؟ يوجد غرضان لا ثالث لهما وكلاهما باطل عاطل.
الغرض الأول: هو الجمع بين الغرضين. يعني بين غرض ومصلحة وجوب الإنقاذ، وبين غرض دفع مفسدة الاجتياز، فيكون الجواب: لا يعقل الجمع بين الغرضين سواءً قصدت التوصل أم لم تقصد التوصل، يوجد تنافي بحيث لا يمكن الجمع بينهما.
ومن هنا قلنا: برفع التنافي الجزئي، بالتفصيل بين المقدمة الموصلة والمقدمة غير الموصلة، فتبقى الحرمة على المقدمة غير الموصلة، وترتفع الحرمة عن المقدمة الموصلة.
إذاً إن كان الغرض من اشتراط قصد التوصل هو الجمع بين الغرضين، الجمع بين المرادين، فنقول: هذا مستحيل لوجود تنافي مستحكم، هذا الاحتمال الأول.
الاحتمال الثاني: من اشتراط إرادة قصد التوصل إلى المقدمة أن المكلف لا يخسرهما معاً، يعني لا يخسر الغرضين معاً. لا يخسر غرض الإنقاذ، ولا يخسر غرض دفع مفسدة الاجتياز، فيكون الجواب هذا حاصلٌ من دون حاجة إلى اشتراط إرادة قصد التوصل؛ لأننا حتى لو لم نشترط إرادة قصد التوصل فإنه ـ المكلف ـ لا يخسر الاثنين، بل يحافظ على الغرض الأهم وهو الإنقاذ والوجوب النفسي، ويخسر واحد منهم وهو مفسدة دخول الأرض المغصوبة.
أعيد وأكرر واختم:
سؤال: لماذا اشترطتم قصد التوصل؟ ما هو الغرض من اشتراط قصد التوصل؟
يوجد احتمالان:
الاحتمال الأول: الجمع بين الحقين: بين حق وغرض وجوب الإنقاذ، وبين غرض دفع مفسدة الاجتياز.
الجواب: الجمع بين الحقين مستحيل. اشترطت قصد التوصل أو ما اشترطت لا يمكن الجمع، لابدّ تقدم الأقوى وهو الاجتياز.
الاحتمال الثاني: ليس الجمع بين الحقين، بل لا نخسر الاثنين معاً.
والجواب: عدم خسارة الاثنين معاً هذا حاصل، اشترطنا قصد التوصل أو ما اشترطنا، لأنك تخسر واحد فقط، وهو دفع مفسدة الاجتياز، لكن تحافظ على المصلحة الأهم، وهي ماذا؟ الحفاظ على مصلحة الإنقاذ.
إذاً لا توجد ثمرة ولا يوجد غرض في اشتراط إرادة التوصل، ثم ننوه في الختام إلى هذه النكتة: قصد التوصل وإرادة التوصل ليس أمراً واجباً بل أمرٌ حسن، وفرق بين الأمر اللازم والواجب وبين الأمر الأفضل والحسن، فلا يوجد دليل يدل على وجوب قصد التوصل. نعم، يحكم العقل برجحان وأفضلية قصد التوصل.
فتكون النتيجة في المقام الثاني: يختص ارتفاع حرمة المقدمة بخصوص المقدمة الموصلة واقعاً، ولا يشترط فيها إرادة قصد التوصل؛ لأن إرادة قصد التوصل لم يدل دليل على أنه أمر لزومي ولم يدل دليل على أنه واجب.
إذاً النتيجة النهائية من هذا البحث في كلا المقامين: المقدمة المحرمة ترتفع بقيد واحد، وهو التوصل واقعاً ولا يشترط في ارتفاع الحرمة عنها قيد آخر، وهو إرادة قصد التوصل إلى المقدمة، والله العالم.
وصلى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.