« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/07/21

بسم الله الرحمن الرحيم

20 رجب 1447
10 يناير 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مائتان وتسعة وثمانون): تقديم وجوب ذي المقدمة على حرمة المقدمة

تنبيهان:

التنبيه الأول: لو كانت المقدمة محرمة، كاجتياز الأرض المغصوبة، ولكن فرض تقديم جانب وجوب ذي المقدمة أي وجوب إنقاذ الغريق، فحينئذٍ لابدّ من ارتفاع الحرمة عن المقدمة، إذ لا يمكن امتثال أمر ذي المقدمة وهو الإنقاذ مع فرض ترك المقدمة لحرمتها فعند ترك اجتياز الأرض المغصوبة لحرمتها لن يتحقق إنقاذ الغريق.

وهذا واضحٌ جداً إذ أن إنقاذ الغريق الغارق في البحر أو النهر يتوقف على اجتياز الأرض المغصوبة، ومن هنا يقع الكلام في مقامين:

المقام الأول: هل حرمة الاجتياز ترتفع عن خصوص الحصة الموصلة أم أن حرمة الاجتياز ترتفع عن كلتا الحصتين: الموصلة وغير الموصلة؟

المقام الثاني: على فرض وتقدير اختصاص الحرمة وارتفاع الحرمة بخصوص الحصة الموصلة، فهل يختص بالحصة الموصلة التي أتى بها بقصد التوصل إلى ذي المقدمة أو لا؟

وبعبارة أخرى: هل يكفي مجرد التوصل واقعاً أم لابدّ أن يضم إليه قصد ونية التوصل أيضاً؟

إذاً في المقام الثاني نبحث أنه لو افترضنا ارتفاع الحرمة يختص بخصوص المقدمة الموصلة، فهنا نقول: هل نشترط إضافة إلى الإيصال واقعاً أن يقصد المكلف التوصل أو لا يشترط قصد التوصل بل يكفي مجرد التوصل واقعاً؟

هذان مقامان لابدّ من بحثهما:

المقام الأول: وهو أن حرمة المقدمة التي ترتفع هل ترتفع عن خصوص الحصة الموصلة وهو الاجتياز الموصل إلى الإنقاذ أو ترتفع الحرمة عن كلتا الحصتين الموصلة وغير الموصلة؟ يصير مطلق الاجتياز مباح سواء أوصل إلى الإنقاذ أم لم يوصل.

وتحقيق الكلام في المقام الأول: هو أن حرمة المقدمة كالاجتياز، يوجد في مقابلها أمران متنافيان أي منافيان لها.

المنافي الأول وجود المقدمة فحرمة الاجتياز ينافيها وجوب الإنقاذ، هذا المنافي الأول.

المنافي الثاني وجوب المقدمة، أي أن القول بحرمة الاجتياز ينافي القول بوجوب الاجتياز.

إذاً وجوب المقدمة كوجوب اجتياز الأرض المغصوبة ينافيه أمران:

[الطالب:] حرمة المقدمة.

[الشيخ:] حرمة المقدمة أحسنت. حرمة المقدمة ـ حرمة الاجتياز ـ ينافيها أمران:

الأمر الأول: وجوب ذي المقدمة، كوجوب الإنقاذ.

والأمر الثاني: وجوب نفس المقدمة، كيف تكون المقدمة هي حرام وهي واجبة؟

ولنتكلم في المنافي الأول والثاني تباعاً.

أما المنافي الأول لحرمة المقدمة وهو وجوب ذو المقدمة، فهذه المنافاة إنما تكون من باب التزاحم لا التعارض، لأنهما حكمان على موضوعين تعذر على العبد امتثالهما معاً.

إذاً عندنا حكمان وموضوعان:

الحكم الأول: حرمة الاجتياز. فهنا الحكم الحرمة، والموضوع الاجتياز.

الحكم الثاني: وجوب الإنقاذ، الحكم هو الوجوب، وتعلق بالإنقاذ.

هنا يحصل ضيق خناق في قدرة المكلف، المكلف لا يمكنه أن ينقذ الغريق ويجتنب الاجتياز، وهذا ملاك باب التزاحم، ضيق خناق في قدرة المكلف، يعني التنافي في عالم الامتثال، بخلاف ملاك باب التعارض الذي هو عبارة عن التنافي في عالم الجعل، في عالم إصدار الحكم.

إذاً التنافي الأول بين حرمة الاجتياز، وبين وجوب الإنقاذ، إنما يكون في باب التزاحم، لا في باب التعارض، بخلاف التنافي الثاني بين وجوب الاجتياز وحرمة الاجتياز. فهنا يوجد حكمان وهما: الوجوب والحرمة. وموضوعهما واحد وهو الاجتياز. الحكم الأول يقول: يحرم الاجتياز، والحكم الثاني يقول: يجب الاجتياز. هنا تنافي في عالم الجعل، جعل الوجوب وجعل الحرمة، جعل الحرمة ينافي جعل الوجوب للاجتياز.

ولنتكلم عن المنافاة الأولى، وهي المنافاة بين حرمة الاجتياز ووجوب ذي المقدمة أي وجوب الإنقاذ، وهذه المنافاة في عالم الامتثال لا تقتضي إلا ارتفاع الحرمة عن خصوص الحصة الموصلة. وبذلك يرتفع التزاحم والتنافي في عالم الامتثال؛ لأن العبد يصبح قادراً على امتثال حرمة المقدمة، ووجوب ذي المقدمة معاً.

إذ أن حرمة المقدمة وهي الاجتياز اختصت بخصوص المقدمة غير الموصلة، وبإمكان المكلف أن يأتي بالحصة الموصلة، أي الاجتياز الموصل إلى الإنقاذ. فيكون قد اجتنب عن الحصة المحرمة وهو الاجتياز غير الموصل إلى الإنقاذ، وأتى بذي المقدمة أي أتى بالإنقاذ.

إذاً الحصة غير الموصلة تبقى على حرمتها لوجود المقتضي وهو إطلاق دليل حرمة الغصب. وعدم المانع نظراً لارتفاع التزاحم بإمكان امتثال كلا الحكمين: يمتثل حكم وجوب الإنقاذ، ويمتثل حكم حرمة الاجتياز غير الموصل. فيأتي بالاجتياز الموصل هذا غير حرام، هذا واجب؛ لكي ينقذ.

إذاً مقتضى المنافاة الأولى، ما هي المنافاة الأولى؟ بين حرمة المقدمة ووجوب ذي المقدمة. مقتضى المنافاة الأولى هو اختصاص الحرمة بالحصة غير الموصلة، وأما الحصة الموصلة فهي واجبة لأنها مقدمة للواجب. هذا تمام الكلام في المنافاة الأولى.

وأما المنافاة الثانية وهي المنافاة بين حرمة المقدمة ووجوب المقدمة، التي توجب تحقق التعارض،

يعني التعارض في عالم الجعل، جعل الوجوب وجعل الحرمة والموضوع واحد وهو الاجتياز.

فهنا يوجد مبنيان:

المبنى الأول: إذا اخترنا اختصاص وجوب المقدمة بخصوص الحصة الموصلة. ومن الواضح أنه على هذا المبنى يحصل ارتفاع لخصوص حرمة المقدمة الموصلة، وتبقى الحرمة على المقدمة غير الموصلة. فمقتضى التعارض بين حرمة المقدمة ووجوب المقدمة أن نلتزم بالتفصيل، فنقول: المقدمة غير الموصلة يشملها إطلاق حرمة الغصب، والمقدمة الموصلة إلى الإنقاذ يرتفع عنها الحرمة ويشملها الوجوب؛ لأنها مقدمة موصلة إلى ذي المقدمة وهو الإنقاذ.

إذاً على هذا المبنى مبنى وجوب خصوص المقدمة الموصلة تكون النتيجة في المنافي الثاني كالنتيجة في المنافي الأول.

المبنى الثاني: أن نلتزم بوجوب المقدمة وأنه ثابتٌ للجامع بين الحصتين الموصلة وغير الموصلة. وهنا يقع الكلام في دليل هذا المبنى، أي مبنى؟ ثبوت الوجوب لجامع المقدمة هنا يوجد مسلكان تبعاً للدليل:

المسلك الأول: أن نلتزم بثبوت الوجوب للجامع بين الحصتين؛ لأنه لا يوجد مقتضٍ لاختصاص الوجوب بإحدى الحصتين، وهو خصوص الحصة الموصلة. فهنا يقال بثبوت الوجوب لجامع المقدمة لأنه لا يوجد مقتضٍ يقتضي تخصيص الوجوب بخصوص المقدمة الموصلة دون المقدمة غير الموصلة.

فيقال هكذا: لا بدّ من التحفظ على حرمة المقدمة بقدر الإمكان، فيقتصر في مقام رفع اليد عن حرمة المقدمة على رفع اليد عنها في خصوص المقدمة الموصلة؛ لأن حرمتها تكون مزاحمةً لوجوب ذي المقدمة.

فتصير النتيجة أيضاً مثلما ذكرنا في المنافي الأول: نلتزم بأن جامع الوجوب لكلا الحصتين ولا ينطبق على المقدمة غير الموصلة. هذا المسلك الأول.

المسلك الثاني: وهو دعوى أن وجوب المقدمة ثابتٌ للجامع بين الحصة الموصلة وغير الموصلة ليس فقط لأنه لا يوجد مقتضي لاختصاص الوجوب بخصوص المقدمة الموصلة، بل يوجد مانع من اختصاص الوجوب بخصوص المقدمة الموصلة، وهو لزوم الدور أو التسلسل. فنلتزم بأن جامع الوجوب يشمل المقدمة الموصلة وغير الموصلة لأمرين:

الأمر الأول: لا يوجد مقتضي لتخصيص الوجوب بخصوص الموصلة.

والأمر الثاني: يوجد مانع من تخصيص الوجوب بخصوص المقدمة الموصلة، وهو لزوم الدور أو التسلسل.

تكون النتيجة: وجوب المقدمة ثابتٌ على الجامع بين الحصة الموصلة وغير الموصلة، فالنتيجة: يكون وجوب الجامع طرفاً للمعارضة مع حرمة المقدمة. لاحظ طرفي المعارضة:

الطرف الأول: حرمة الاجتياز، وحرمة الغصب.

الطرف الآخر المعارض: وجوب المقدمة مطلقاً، أي وجوب الاجتياز مطلقاً أوصل إلى الإنقاذ أم لم يوصل.

فكيف نحل هذا التعارض؟ ولا يمكن حل المعارضة بتخصيص الوجوب بخصوص الحصة الموصلة، والالتزام بثبوت الحرمة في خصوص الحصة غير الموصلة، لأن هذا المبنى يرى وجود مانع: وهو أن تخصيص الوجوب بخصوص الحصة الموصلة يلزم منه الدور أو التسلسل.

ومن هنا يستحكم التعارض بين وجوب مطلق المقدمة، وحرمة المقدمة. وهذا التعارض في المقدمة يسري إلى ذي المقدمة، فإذا صار تعارض في الاجتياز أنه واجب أو حرام، يسري هذا التعارض إلى وجوب الإنقاذ، يصير وجوب الإنقاذ واجب أو حرام؛ لأن المفروض كونه مسلتزماً لوجوب جامع المقدمة المتعارض مع حرمتها.

بالتالي الآن إذا صار تعارض نقدم الدليل الأقوى، أيهما أقوى دليل وجوب المقدمة أو حرمتها، أو دليل وجوب ذي المقدمة؟

ومن الواضح أن دليل وجوب الإنقاذ قطعي، فدليل وجوب الإنقاذ وذي المقدمة يقدم على دليل المقدمة، فدليل وجوب الإنقاذ قطعيٌ لا يمكن أن يعارض بدليل حرمة المقدمة. وبالتالي نقدم دليل وجوب الإنقاذ، ونرفع اليد عن دليل حرمة الاجتياز. وبالتالي يا أخي يا أخي! الذي يرتفع وترتفع عنه الحرمة هو مطلق الاجتياز، سواءً أوصل أم لم يوصل.

وهذه النتيجة غريبة عجيبة، وهي من غرائب وعجائب: الالتزام بعدم اختصاص الوجوب بخصوص المقدمة الموصلة.

أعيد وأكرر: ما هو طرف المعارضة؟ وجوب ذي المقدمة وهو الإنقاذ، مع جامع المقدمة وهو الاجتياز، يعني مطلق الاجتياز أوصل أم لم يوصل. صار الآن التعارض بين حرمة الاجتياز مطلقاً وبين وجوب الإنقاذ. إذا قدمنا طرف الوجوب وجوب الإنقاذ ارتفع مطلق الحرمة عن الاجتياز سواء هذا الاجتياز أوصل إلى الإنقاذ أو لم يوصل؛ لأن طرف المعارضة ليس خصوص الاجتياز الموصل، صاحب هذا المبنى يرى الاستحالة، استحالة تقييد الوجوب بخصوص المقدمة الموصلة لوجود مانع وهو التسلسل أو الدور.

فإذا قدمنا وجوب ذي المقدمة وهو الإنقاذ سقط المعارض له وهو حرمة الاجتياز مطلقاً سواء أوصل أم لم يوصل.

وهذه نتيجة غريبة عجيبة أنه الاجتياز في الأرض المغصوبة حتى لو لم يوصل إلى الإنقاذ فليس بمحرم، إذ من الواضح أن العقلاء يستنكرون على من يجتاز الأرض المغصوبة من دون أن ينقذ الغريق، ويرى العقلاء أنه قد ارتكب محرمين: أولاً اجتاز الأرض المغصوبة، ثانياً ترك إنقاذ الغريق. ويرى العقلاء أن حاله أشد ممن لم يجتز الأرض المغصوبة، ولم ينقذ، فيقولون: لا أقل هذا الشخص صحيح هو لم ينقذ ارتكب ذنب واحد لكن لم يغصب لم يجتز الأرض المغصوبة، فهو ارتكب ذنباً واحداً وهو عدم إنقاذ الغريق، ولم يرتكب الذنب الثاني وهو اجتياز الأرض المغصوبة، بخلاف من اجتاز الأرض المغصوبة ولم ينقذ فإنه قام بذنبين: أولاً اجتياز الأرض المغصوبة فهذا غصب، وثانياً عدم إنقاذ الغريق.

ولعل هذه النتيجة على بطلان القول بالحرمة مطلقاً، ومنبه وجداني على أن الوجوب لا يثبت لمطلق المقدمة، بل يثبت لخصوص المقدمة الموصلة.

هذا تمام الكلام في المقام الأول.

المقام الثاني يأتي عليه الكلام، وصلى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

logo