« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/07/20

بسم الله الرحمن الرحيم



10 رجب 1447
31 ديسمبر 2025

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مائتان وثمانية وثمانون): إشكال صاحب الكفاية بلزوم تحصيل الحاصل على الوجه الثالث لصاحب الفصول

 

ذكرنا وجوهاً نُقلت عن صاحب الفصول لإثبات القول بوجوب خصوص المقدّمة الموصلة، وكان الوجه الثالث عبارة عن التمسّك بشهادة الوجدان بإمكان تحريم المقدّمة غير الموصلة، كما لو قال صاحب الأرض الواقعة على ساحل البحر: أُجيز لكم العبور في أرضي بشرط إنقاذ الغريق، ولا أُجيز لكم المرور في أرضي إذا لم تنقذوا الغريق، فالوجدان يشهد بصحّة تحريم المقدّمة غير الموصلة.

إذاً مفاد الوجه الثالث هو التمسّك بالوجدان الذي لا يحتاج إلى برهان، لكنّ صاحب الكفاية نفى هذا الوجدان بل أقام البرهان على عدم صحّة تحريم المقدّمة غير الموصلة، فجاء بإشكال لزوم تحصيل الحاصل، فقال: يا صاحب الفصول، هذا البرهان الذي تدّعيه غير صحيح، بل يمكن إقامة برهان وإشكال تحصيل الحاصل لنفي هذا الوجدان. [1]

إذاً، صاحب الكفاية علّق على الوجه الثالث لصاحب الفصول بإنكار شهادة الوجدان على تحريم الحصّة غير الموصلة، بل ادّعى صاحب الكفاية إقامة البرهان على امتناع تحريم الحصّة غير الموصلة بتقريب أنّ تحريم الحصّة غير الموصلة يستلزم تحصيل الحاصل في طرف الأمر بذي المقدّمة، لأنّ الأمر بذي المقدّمة كالأمر بإنقاذ الغريق مثلاً مشروط بالقدرة عقلاً وشرعاً، ويُقصد بالقدرة العقليّة فاعليّة العضلات، ويُقصد بالقدرة الشرعيّة عدم حرمة الشيء أو مقدّماته.

فإذا افترضنا أنّ المولى حرّم الحصّة غير الموصلة، يعني حرّم المرور والعبور في أرض الأجنبيّ الذي لا يوصل إلى الإنقاذ، فحينئذٍ يكون الأمر بإنقاذ الغريق يلزم منه تحصيل الحاصل، وتحصيل الحاصل قبيح عند العقلاء.

ولكن كيف يلزم تحصيل الحاصل؟ بيان ذلك: إذا كان المولى قد حرّم الحصّة غير الموصلة، فإذاً إباحة المقدّمة مشروطٌ بالإيصال، وعليه فوجوب ذو المقدّمة كالإنقاذ، مشروط بالقدرة الشرعيّة، والقدرة الشرعيّة متوقّفة على إباحة المقدّمة، وإباحة المقدّمة متوقّفة على الإيصال، ومعنى الإيصال الإتيان بذي المقدّمة، فتكون النتيجة كون وجوب ذي المقدّمة موقوفاً على الإتيان بذي المقدّمة، وهذا معناه لزوم تحصيل الحاصل.

أُعيد وأُكرّر بشكل موجز: إذا افترضنا أصل موضوعيّ وهو دعوى وجدان صاحب الفصول أنّه بالوجدان يمكن للمولى أن يحرّم المقدّمة غير الموصلة، هنا نقول: إذاً الأمر بوجوب الإنقاذ يلزم منه تحصيل الحاصل، لأنّ الأمر بوجوب الإنقاذ يتوقّف على الإتيان بالإنقاذ.

كيف يتوقّف عليه؟ نقول هكذا: الأمر بوجوب الإنقاذ يتوقّف على القدرة الشرعيّة للإنقاذ، والقدرة الشرعيّة للإنقاذ تتوقّف على إباحة الإنقاذ وعدم حرمة الإنقاذ، وإباحة الإنقاذ متوقّفة على الإيصال والإتيان بالإنقاذ، صار الأمر بالإنقاذ يتوقّف على الإتيان بالإنقاذ، وهذا يلزم منه تحصيل الحاصل.

وناقش صاحب الكفاية المحقّقُ الكبير الميرزا الشيخ محمّد حسين النائيني، وقد أبرز المحقق النائيني نكتة الاشتباه في هذا الاستدلال التي أوجبت القول بلزوم تحصيل الحاصل.

بيان نكتة الاشتباه: إنّ قيد التوصّل إلى ذي المقدّمة ليس قيداً للإباحة بل قيد للمباح، فالمباح هو خصوص الحصّة الموصلة، فالمباح وهو الحصّة الموصلة قُيّد بقيد الإيصال، وأمّا الإباحة فهي ليست مقيّدة بالإيصال، فإذاً قال: مقدّمة الإنقاذ مباحة من دون تقييدها بقيد الإيصال، فلا يتمّ الإشكال بلزوم تحصيل الحاصل.

إذاً نكتة الاشتباه أنّ قيد التوصّل ليس قيداً للإباحة بحيث يُفرض أنّه مع عدم التوصّل لا إباحة للمقدّمة، وإنّما قيد التوصّل هو قيد للمباح أي للحصّة الموصلة، فحتّى مع عدم التوصّل تكون الإباحة ثابتة على الحصّة الموصلة، أي أنّ قيد الإيصال من قبيل قيد الواجب لا من قبيل قيد الوجوب، يعني الإباحة ثابتة للمقدّمة، نعم المباح وهو خصوص الحصّة الموصلة أُخذ فيه قيد الإيصال.

فتكون النتيجة: وجوب ذي المقدّمة وإن كان موقوفاً على القدرة الشرعيّة والقدرة الشرعيّة وإن كانت موقوفة على إباحة المقدّمة، لكنّ إباحة المقدّمة ليست موقوفة على الإيصال، الموقوف على الإيصال هو المباح وليس نفس الإباحة، فإذا كانت إباحة المقدّمة ليست موقوفة على الإيصال، إذاً لا يلزم تحصيل الحاصل[2] .

وهذا النقاش والكلام للميرزا النائيني محكم وفي غاية المتانة، لكنّ الشهيد الصدر رحمه الله أضاف عليه إضافة[3] .

فالشهيد الصدر أضاف قال: بل حتّى لو تنزّلنا وقلنا إنّ قيد الإيصال قد أُخذ في الإباحة ولم نقل بكلام الميرزا النائيني أنّ القيد قد أُخذ في المباح لا الإباحة، أيضاً لا يتمّ كلام صاحب الكفاية.

فأضاف الشهيد الصدر أنّه لو كان التوصّل قيداً للإباحة لم يلزم محذور تحصيل الحاصل أيضاً، لأنّ وجوب الإنقاذ لا يتوقّف على إباحة الاجتياز، وإنّما يتوقّف وجوب الإنقاذ على أن لا تكون مقدّمته محرّمة بحرمة مطلقة، إذ لو كانت محرّمة بحرمة مقيّدة بعدم الإنقاذ كان الإنقاذ رافعاً لموضوعها، فيُعقل اجتماع حكمين:

     الحكم الأوّل: وجوب الإنقاذ.

     الحكم الثاني: حرمة الاجتياز المقيّدة بعدم الإنقاذ.

ولا يقع بينهما تعارض ولا تزاحم.

نعم لا يُعقل اجتماع وجوب الإنقاذ مع الحرمة المطلقة للاجتياز.

إذاً يوجد بينهما ورود يصير ذاك الدليل رافعاً للموضوع حقيقة، يعني يحرم الاجتياز لكن لا مطلقاً، يحرم الاجتياز إذا لم تُنقذ، فإذا أنقذتَ ارتفعت الحرمة.

وبتعبير آخر: إنّ وجوب الإنقاذ موقوف على القدرة الشرعيّة على المقدّمة، والقدرة الشرعيّة على المقدّمة ليست موقوفة على إباحة المقدّمة بالفعل، بل يكفي فيها القدرة على الإتيان بذي المقدّمة من دون أن يقع في حرام من ناحيتها أو ناحية مقدّمتها، وهو قادرٌ على ذلك إذ بإمكانه أن يأتي بالمقدّمة مع ذيها، وعندئذٍ لم يقع في محرّم لتحقّق شرط إباحة المقدّمة.

إلى هنا اتّضح أنّه الوجوه الثلاثة التي ذكرها صاحب الفصول أو نُسبت إليه للاستدلال على وجوب خصوص المقدّمة الموصلة لم يتمّ وجه منها.

الوجه الرابع والأخير وهو الصحيح: إنّ الغرض من الواجب الغيري إنّما هو التوصّل إلى الواجب النفسي، فلا محالة يختصّ الوجوب بخصوص المقدّمة الموصلة.

لأنّ الغرض يتحقّق بهذا المقدار وهو الإتيان بالمقدّمة الموصلة[4] .

وهذا الوجه الرابع وجه متين، وهو نفس الوجه الذي رجّحه الشهيد الصدر، وذكر فيه شقوقاً أربعة[5] .

يقول خلاصته وأخذناه هذا: إنّ الإتيان بالشيء كالوضوء مقدّمة لا يخلو غرضه من أحد شقوق أربعة:

الشقّ الأوّل: أن يكون الغرض في نفسه محبوباً نفسيّاً، وهذا خلف المفروض، لأنّ المفروض أنّه لا يوجد مطلوب نفسي إلّا ذو المقدّمة، وأمّا المقدّمة فليست مطلوبة بنفسها.

الشقّ الثاني: أن هذا الغرض محبوب غيري، وأنّ هذا المحبوب الغيري يؤدّي إلى تحقّق الغرض وهو الواجب النفسي، هذا الاحتمال نقول له: أهلاً بناصرنا، غرض غرض غرض الواجب النفسي يعني اختصرها: الغرض هو الواجب النفسي.

الاحتمال الثالث: أن يكون الغرض الغيري ناشئاً من غرض غيري، وهذا الغرض الغيري ناشئاً من غرض غيري، فيلزم التسلسل.

الاحتمال الرابع: أن يكون الواجب الغيري ينتهي إلى غرض نفسي غير الصلاة، وهذا باطل لأنّه خلف، لأنّ المفروض أنّه لا يوجد غرض نفسي غير الصلاة.

إذاً، يتعيّن أن تكون المقدّمة محقّقة لغرض واحد وهو خصوص الصلاة.

الخلاصة: الواجب الغيري هو ما حقّق الغرض وهو الإتيان بذي المقدّمة، والذي يحقّق الغرض كالصلاة والإنقاذ إنّما هو خصوص المقدّمة الموصلة، خصوص الوضوء الموصل للصلاة، وخصوص عبور الأرض الموصل للإنقاذ.

هذا تمام الكلام في بيان أدلّة صاحب الفصول، واتّضح أنّ ما ذهب إليه صاحب الفصول من وجوب خصوص المقدّمة الموصلة لا مطلق المقدّمة هو الصحيح، وأمّا الصحيح من أدلّته هو خصوص الدليل الرابع دون الأدلّة الثلاثة الأُول.

يبقى الكلام في تنبيهات، تنبيهان يأتي عليهما الكلام.

وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

 


[1] . الفصول الغرويّة، صاحب الفصول، ص٨٧. كفاية الأصول، الآخوند الخراساني، ج١، ص١٨٩، من نسخة الكفاية بتعليقات أبي الحسن المشكيني.
[2] . أجود التقريرات، المحقّق النائيني تقرير السيّد الخوئي، ج١، ص٢٤٠.
[3] . مباحث الأصول، السيّد كاظم الحائري، ج٢، ص٥٢١. بحوث في علم الأصول، تقرير الشيخ حسن عبد الساتر، ج٥، ص٢٥٦-٢٥٧.
[4] . الفصول الغرويّة، صاحب الفصول، ص٨٧.كفاية الأصول، الآخوند الخراساني، ج١، ص١٨٧.
[5] . مباحث الأصول، السيّد كاظم الحائري، ج٢، ص٥٠٨.
logo