47/07/02
الدرس (مائتان وسبعة وثمانون): أدلّة صاحب الفصول على وجوب المقدِّمة الموصلة
الموضوع: الدرس (مائتان وسبعة وثمانون): أدلّة صاحب الفصول على وجوب المقدِّمة الموصلة
[تمهيد: بيان محلّ البحث]
نُقِل عن الشيخ محمَّد حسين الأصفهاني صاحب كتاب الفصول الغرويَّة وجوهٌ لإثبات القول بالمقدِّمة الموصلة.
[الوجه الأوَّل: دعوى الوجدان الأوَّلي]
الوجه الأوَّل: دعوى الوجدان القاضي بأنَّ مَن يريد شيئًا يريد مقدِّمته الموصلة دون مطلق المقدِّمة ولو كانت غير موصلة[1] .
وهذا الوجدان وإن كان صحيحًا عندنا لكنَّه لا يفيد في مقابل المنكرين لوجوب خصوص المقدِّمة الموصلة، فهم أيضًا يدَّعون بالوجدان أنَّ الواجب إنَّما هو مطلق المقدِّمة لا خصوص المقدّمة الموصلة، فهم يدَّعون شهادة الوجدان والبداهة على ما اختاروه. فهذه المسألة من المسائل التي تقابل فيها دعوى الوجدان من الخصمَيْن، ممَّا ينبغي أن نعتبر به في عدم التسرُّع في دعوى البداهة والوجدان.
[تطبيق على موارد مشابهة لتعارض الوجدان]
من المسائل الأخرى التي فيها تعارضٌ بين دعاوى الوجدان: قاعدة قُبح العقاب بلا بيان ومسلك حقّ الطاعة، أي منجِّزيَّة مطلق الاحتمال.
فما هي القاعدة العمليَّة العقليَّة الأوَّليَّة؟ ذهب المشهور إلى قُبح العقاب بلا بيان، أي ما لم يصل التكليف إلى درجة العلم والقطع فإنَّه يقبح أن يعاقب المكلَّف على عدم عمله بظنِّه أو شكِّه أو احتماله، هذا هو رأي المشهور. وخالفهم الشهيد الصدر رضوان الله عليه فقال بمنجِّزيَّة مطلق الاحتمال، وأنَّ العقل يحكم بمنجِّزيَّة مطلق الاحتمال.
[تعارض الوجدانين في المسألة]
ولو سألنا الشهيد الصدر، ولو سألنا المشهور عن دليلهما، لقالوا: إنَّه الوجدان، والوجدان لا يحتاج إلى بيان. إذاً في المسائل التي تتعارض فيها دعوى الوجدان لا بدَّ من تحصيل المُنبِّهات أو إقامة البرهان.
[الوجه الثاني: وجدان قبول تصريح المولى]
الوجه الثاني: دعوى الوجدان على أنَّ المولى لو صرَّح بأنِّي لا أريد المقدِّمة التي لا توصل إلى مقصودي وإنَّما أريد خصوص الحصَّة التي يترتَّب عليها مقصودي، كان هذا الكلام مسموعاً من المولى ومقبولاً عند العقلاء وصحيحاً، ولا يُعَدّ كلامه مُجازفًا ولا مجازفة[2] .
[بيان رجوع الوجه الثاني إلى الأول]
وفيه: إنَّ الوجه الثاني في الحقيقة يرجع في روحه إلى الوجه الأوَّل، ولا فرق بينهما، فكلٌّ منهما قد تمسَّك بالوجدان. غاية ما في الأمر أنَّ الوجه الأوَّل لوحظ في دعوى الوجدان مقام الثبوت، والوجه الثاني لوحظ في دعوى الوجدان في مقام الإثبات والإخبار، أي أنَّ الوجه الأوَّل ناظرٌ إلى عالم الثبوت والإمكان، والوجه الثاني ناظرٌ إلى عالم الإثبات والخطاب والدلالة.
فهذان الوجهان لا يؤكِّد أحدهما الآخر، بل قد يكون أحدهما مُنبِّهًا على الآخر، فالوجه الثاني الناظر إلى عالم الإثبات والذي يتمسَّك بخطاب المولى يكون مُنبِّهًا على عالم الثبوت والإمكان.
[نتيجة الوجهين الأوّل والثاني]
إذاً الوجه الأوَّل والوجه الثاني يرجعان إلى الوجدان، ومَن لا يرى وجوب خصوص المقدِّمة الموصلة بل يرى وجوب مطلق المقدِّمة أيضًا يمكن أن يدَّعي الوجدان، فلا يمكن التمسُّك بالوجه الأوَّل والوجه الثاني.
الوجه الثالث: شهادة الوجدان بإمكان تحريم غير الموصل من المقدِّمة، كما لو قال صاحب الأرض الواقعة على ساحل البحر الذي غرق فيه مؤمن: «أنقذوا الغريق، ولا تمرُّوا على أرضي مرورًا غير موصل إلى الإنقاذ، فأنا لا أسمح لكم أن تعبروا أرضي عبورًا عبثيًّا للعب والمرح، أو عبور للإنقاذ، لكن من دون إنقاذٍ. بل أشترط في تجويزي لعبوركم في أرضي أن يكون هذا العبور موصلًا إلى الإنقاذ».
[نسبة هذا الوجه إلى الأعلام]
وهذا الوجه نسبه المحقِّق النائيني على ما في تقرير بحثه إلى صاحب الفصول[3] [4] .
لكن حُكيَ أنّ هذا الوجه غير موجودٍ في كلام صاحب الفصول. وقد نسب هذا الوجه السيّد الخوئي رحمه الله إلى صاحب العروة الوثقى السيّد محمَّد كاظم الطباطبائي اليزدي رحمه الله، إذ قال السيّد الخوئي رحمه الله في تقرير بحثه[5] ما نصُّه: «وهذا الاستدلال منسوبٌ إلى السيِّد الطباطبائي صاحب العروة قدِّس سرُّه».
[مناقشة تماميّة الوجه الثالث]
وكيف كان، هذا الوجه الثالث منسوبٌ إلى صاحب الفصول أو صاحب العروة، فإنَّ الوجه الثالث ليس بتامٍّ؛ لأنَّه إن أُريد به البرهنة على اختصاص الوجوب بخصوص الحصَّة الموصلة، فلا يكون الوجه الثالث برهانًا على وجوب المقدِّمة الموصلة، إذ لعلَّ صحَّة تحريم الحصَّة غير الموصلة واختصاص الوجوب بالموصلة عندئذٍ يكون لأجل أنَّ الوجوب المقدّمي لا يشمل الحصَّة المحرَّمة.
[بيان الملاك بعدم شمول الوجوب للفرد المحرَّم]
ولذا ترى أنَّ الوجوب المقدّمي لا يشمل الفرد الحرام من المقدِّمة الموصلة أيضًا. مثال ذلك: لو وجب الحجّ وجبت مقدِّمة الحجّ الموصلة، فلو كانت الدابَّة مغصوبة وهي موصلةٌ إلى الحجّ، فإنَّ هذه الدابَّة الموصلة المغصوبة لا يشملها الوجوب الغيري والوجوب المقدِّمي حتَّى لو كانت موصلة. والسرّ في ذلك: أنَّ وجوب خصوص المقدِّمة الموصلة لا يشمل الفرد المحرَّم.
[التمييز بين سبب التحريم وسبب عدم الشمول]
إذاً لو وجب الحجّ فإنَّه لن يشمل وجوب ركوب الدابَّة المغصوبة حتَّى لو كانت هذه المقدِّمة موصلةً إلى الحجّ، والمدَّعى في المقام هو اختصاص الوجوب بالموصل وعدم شموله لغير الموصل؛ لأنَّه غير موصلٍ لا لأنَّه حرام. وهذا لا يتبرهن بشهادة الوجدان بإمكان تحريم غير الموصل.
[نتيجة مناقشة الوجه الثالث]
إذاً هذا البرهان وهذا الوجه الثالث لا يصلح لإثبات وجوب خصوص المقدِّمة الموصلة. نعم، يصلح للنقض على الذين قالوا بأنَّ اختصاص الوجوب المقدِّمي بخصوص الموصل يلزم منه الدور أو التسلسل، فهذا الوجه الثالث يصلح للردّ عليهم وللنقض عليهم.
[الوجه الثالث كوجهٍ للنقض على إشكال الدور أو التسلسل]
بيان ذلك: نقول لهم ماذا تصنعون؟ هؤلاء الذين يقولون إنَّ تخصيص وجوب المقدِّمة بخصوص الموصلة يلزم منه التسلسل أو الدور، ننقض عليهم ونقول: ماذا تصنعون في مورد تحريم الحصَّة غير الموصلة مع شهادة الوجدان بصحَّة ذلك؟
فإن قلتم: إنَّ الوجوب شاملٌ لها، فهو غير معقولٍ؛ لأنَّ المفروض أنَّها محرَّمة، وأنَّ هذا الفرد محرَّمٌ فلا يشمله الوجوب. وإن قلتم: إنَّ الوجوب غير شاملٍ لها وأنَّه مختصٌّ بخصوص الموصل من المقدِّمة، تكونوا قد وقعتم فيما زعمتم من لزوم الدور أو التسلسل.
إذاً هذا الوجه الثالث، وهو شهادة الوجدان بإمكان تحريم غير الموصل من المقدِّمة، يصلح للنقض على مَن ادَّعى أنَّ وجوب المقدِّمة إذا اختصَّ بالموصل منها لزم منه الدور أو التسلسل، لأنَّنا نقول في خصوص هذا المورد: تحريم الحصَّة غير الموصلة والوجدان شاهدٌ بإمكان تحريم الحصَّة غير الموصلة، فهذه الحصَّة غير الموصلة إن شمِلها الوجوب، هذا كان خلاف الفرض؛ لأنَّها حرام، كيف يشملها الوجوب؟ وإن قلتم: إنَّ الوجوب لا يشمل الحصَّة غير الموصلة، إذاً الوجوب يختصّ بخصوص الحصَّة الموصلة، وهذا نفس المبنى الذي أشكلتم عليه بلزوم الدور أو التسلسل.
[خاتمة الدرس وتمهيد للوجه الرابع]
هذا تمام الكلام في مناقشة الوجه الثالث، وتبقى مناقشة صاحب الكفاية للوجه الثالث وردّ الميرزا النائيني عليه، فتكون النتيجة النهائيَّة عدم صحَّة الوجه الثالث، ويكون التام في نظرنا هو خصوص الوجه الرابع، وسيأتي التطرُّق لتتمَّة الوجه الثالث وبيان الوجه الرابع إن شاء الله تعالى.