47/06/30
الدرس (مائتان وخمسة وثمانون): جواب الإشكال الثاني على التصوّر الرابع
الموضوع: الدرس (مائتان وخمسة وثمانون): جواب الإشكال الثاني على التصوّر الرابع
[مقدّمة في بيان محلّ البحث]
كان مفاد التصوّر الرابع لوجوب خصوص المقدّمة الموصِلة أنّ الأمر الغيريّ يتعلّق بواقع أجزاء المقدّمة لا بالعناوين الانتزاعيّة كعنوان الإيصال أو عنوان الترتّب أو عنوان العِلّيّة؛ هذه إنّما هي مفاهيم ينتزعها الذهن من واقع الأشياء، والأمر الغيريّ يتعلّق بمجموع المقدّمات الواقعيّة.
[بيان أصل الإشكالات الواردة على التصوّر الرابع]
فلو كانت الصلاة تتوقّف على الوضوء واقعًا أو على أجزاء ومجموع أجزاء واقعاً، فإنّ الأمر الغيريّ يتعلّق بمجموع هذه الأجزاء الواقعيّة ومجموع المقدّمات في الواقع.
وأُشكِل على التصوّر الرابع بعدّة إشكالات:
[الإشكال الأوّل: اختصاص التصوّر الرابع بالمقدّمات السببيّة]
الإشكال الأوّل: أنّ هذا ينسجم مع المقدّمات السببيّة والتوليديّة ولا يشمل غيرها من المقدّمات. وأُجيب عنه بأنّنا نُضيف إلى مجموع المقدّمات الإرادةَ فيتحقّق المطلوب.
[تمهيد الإشكال الثاني بعد الجواب الأوّل]
ومن هنا يأتي الإشكال الثاني: وهو أنّه إذا أُدخِلت الإرادة في مجموع المقدّمات لَزِم التكليف بأمر غير اختياريّ؛ لأنّ الإرادة ليست إراديّة وليست اختياريّة، إذ أنّ الإرادة بمعنى الشوق المؤكَّد، والشوق المؤكَّد يحصل قهرًا وتلقائيًّا من مقدّمات الشوق، فإذا تحقّقت مقدّمات الشوق تحقّق الشوقُ والإرادةُ قهرًا.
[بيان استحالة كون الإرادة اختياريّة]
إذًا الإرادة ليست قهرية وليست إراديّة؛ ولو التزمنا أنّها إراديّة يلزم التسلسل؛ لأنّ هذه الإرادة نشأت من إرادة اختياريّة، وهذه الإرادة الاختياريّة الأولى نشأت من إرادة اختياريّة ثانية، والثانية نشأت من ثالثة، وهكذا يلزم التسلسل.
[تمييز المبنيين: مبنى النائيني ومبنى الكفاية]
وقلنا: إنّ هذا الإشكال لا يَرِد بناءً على مبنى الميرزا النائينيّ الذي يُفسِّر الإرادة بأنّها هجمة النفس؛ فهجمة النفس وإعمال القدرة في النفس أمر اختياريّ وليس غير اختياريّ، فينحلّ الإشكال بناءً على مبنى الميرزا النائينيّ. لكنّه الإشكال يستقر بناءً على مبنى صاحب الكفاية الذي يرى أنّ الإرادة هي عبارة عن الشوق، والشوق مقهور لمبادئ الشوق، فيستحكم الإشكال. فإذا أُدخِلت الإرادة في المقدّمات لَزِم التكليف بأمر غير اختياريّ؛ لأنّ الإرادة ليست إراديّة وليست اختياريّة وإلّا لَزِم التسلسل. هذا هو مفاد الإشكال الثاني على التصوّر الرابع.
[جواب المحقّق الأصفهانيّ على الإشكال الثاني]
وقد أجاب المحقّق الأصفهانيّ رحمه الله على هذا الإشكال الثاني الوارد على مبنى أستاذه المحقّق الخراسانيّ فقال: إنّ الإرادة يمكن نشوؤها من الإرادة بالتفكير في فوائد الشيء ونحو ذلك. فإذا فكّر الإنسان في فوائد الشيء ومضارّ الشيء تولّدت منه إرادةٌ نحو النافع ودفع الضارّ، وهذه إرادة اختياريّة. نعم، لا بدّ من الانتهاء إلى إرادة غير اختياريّة، لكن تكفي اختياريّة الإرادة الأولى الناشئة من التفكير.
[تفصيل جواب الأصفهانيّ]
إذًا، عندنا إرادتان:
إرادة عبارة عن الشوق القهريّ المتولِّد من مبادئ الشوق، هذه الإرادة غير اختياريّة؛
وإرادة ناتجة من التفكير في الشيء أي التفكير في منافع ومضارّ الشيء، وهذه الإرادة الأولى اختياريّة.
وبالتالي يمكن جعل هذه الإرادة الأولى الاختياريّة ضمن مقدّمات الواجب، فيرتفع الإشكال ولا يلزم التكليف بأمر غير اختياريّ؛ إذ أنّ الإرادة التي تنشأ من الإرادة بالتفكير في فوائد الشيء أو مضارّه إرادةٌ اختياريّة[1] .
[نقد جواب المحقّق الأصفهانيّ]
لكنّ جواب المحقّق الأصفهانيّ ليس بتامّ، إذ يَرِد عليه أنّه في الحالات الاعتياديّة لا يُعقَل تعلُّق الإرادة بأن يريد، يعني تعلُّق الإرادة بالإرادة. والسرّ في ذلك: أنّ تعلُّق الإرادة بشيء لا تكون جُزافًا واعتباطًا؛ بل تعلُّق الإرادة بالشيء بلحاظ وجود مصلحة في متعلَّق الشيء.
[تحليل فرضيّة "إرادة الإرادة"]
فلو فُرِض أنّ شخصًا – ولاحِظ معي، نحن بحثنا الآن تعلُّق الإرادة بالإرادة – فلو فُرِض أنّ شخصًا يريد أن يريد الصلاة، يريد أن يريد الحجّ، يريد أن يريد الصوم من دون أن يكون بالفعل مريدًا للصوم أو الصلاة أو الحجّ، فهذه الإرادة الفعليّة المتعلّقة بالإرادة لا بدّ أن تكون ناشئة من مصلحة في المتعلَّق وهي إرادة الصلاة. وفي الحالات الاعتياديّة لا توجد مصلحة في إرادة الصلاة أو إرادة الحجّ أو إرادة الخمس أو إرادة الصوم إلّا المصلحة الطريقيّة، يعني تكون الإرادة الأولى طريق إلى الإرادة الثانية، يعني الإرادة الأولى كاشفة عن وجود مصلحة في متعلَّق الإرادة الثانية.
[تحليل المصلحة في تعلّق الإرادة]
إرادة الصلاة يعني تكشف عن وجود مصلحة في متعلَّق الأمر وهو الصلاة. الأمر بالصلاة والصوم والحجّ والخمس، هذا الأمر يكشف عن وجود مصلحة في متعلَّق الأمر وهو الصلاة، الصوم، الحجّ، الخمس. إذًا إرادة هذه الأشياء، هذه الإرادة تكشف عن وجود مصلحة في المتعلَّق. إرادة الإرادة، إرادة الإرادة المصلحة تكون في ماذا؟ في الكاشفيّة والطريقيّة، أي أنّ الإرادة طريق يرجع إلى كشف مصلحة نفسيّة قائمة بذات المراد، فالإرادة بما هي إرادة لا مصلحة فيها، إذا توجد ثمرة من الإرادة كونها طريق، كونها كاشف عن وجود مصلحة.
[خلاصة المناقشة العقليّة في إرادة الإرادة]
إذا اتّضح هذا نقول: توجد مصلحة نفسيّة قائمة بذات الفعل، يعني توجد مصلحة نفسيّة قائمة بالصلاة والصوم والحجّ والخمس والزكاة. هذه المصلحة الواقعيّة إمّا أن تكون كافية في محرِّكيّة المكلَّف نحو الفعل وقدح شوق المكلَّف نحو العمل، إذا هذه المصلحة كافية في المحرِّكيّة إذاً توجد المصلحة في نفس إرادة الصلاة لا إرادة إرادة الصلاة؛ فإذا نفس المصلحة الموجودة في الخمس والزكاة والحجّ والصوم والصلاة كافية في محرِّكيّة المكلَّف، إذاً تكفي نفس إرادة الحجّ والخمس والزكاة ولا حاجة لإرادة الإرادة. وإن لم تكن الإرادة الأولى كافية، يعني نفس إرادة الصوم والحجّ والخمس ليست كافية، فكيف يُعقَل أن تكون الإرادة الثانية وهي إرادة الإرادة طريقًا وكاشفًا لوجود مصلحة في المتعلَّق؟
[النتيجة: بطلان فرضيّة إرادة الإرادة]
إذًا الخلاصة: المحرِّك هو وجود مصلحة في متعلَّق الأمر النفسيّ، هنا إرادة متعلَّق الأمر النفسيّ إذا يكفي تحقّقت المصلحة النفسيّة؛ إذا هذه الإرادة لا تكفي قطعًا إرادة الإرادة لن تكفي. إذًا لا معنى لإرادة الإرادة.
النتيجة: فرضيّة أن يريد أن يريد الصلاة أو فرضيّة إرادة إرادة الصلاة من دون أن يريد الصلاة بالفعل فرضيّة غير معقولة عادةً، فهذا الجواب غير صحيح، أصلاً غير عرفيّ شخص يريد أن يريد الحجّ ولا يريد الحجّ فعلًا! ـ يعني شنو لعبه هي ـ هذا تلاعب بالألفاظ.
[مناقشة عرفيّة وخاتمة نقد الأصفهانيّ]
الإرادة إنّما تكون لوجود غرض في متعلَّق الأمر، فإن كانت الإرادة الأولى – إرادة الصلاة – كاشفة عن هذه المصلحة هذا يكفي، إن لم تكن كاشفة لو خليت مليون إرادة – يريد أن يريد أن يريد أن يريد أن يريد إرادة الصلاة – لكن لا يريد الصلاة فعلًا، هذا الكلام لا معنى له. إذًا جواب المحقّق الأصفهانيّ رحمه الله لا يمكن المساعدة عليه.
[الجواب الصحيح: ما ذكره الشهيد الصدر]
والصحيح في مناقشة ودفع وردّ الإشكال الثاني ما أجاب به الشهيد الصدر[2] رحمه الله ومفاد الجواب أنّ الوجوب الغيريّ للوضوء وغيره لا محذور في تعلُّقه بالإرادة حتّى لو فرضنا أنّ هذه الإرادة غير اختياريّة.
[تفصيل الجواب الصدريّ]
فلو سلّمنا بمبنى الميرزا النائينيّ كانت الإرادة اختياريّة؛ إذ أنّها هجمة النفس. ولو سلّمنا بمبنى صاحب الكفاية من أنّ الإرادة هي عبارة عن شوق النفس وهذا حاصل قهرًا من مقدّمات الشوق والتزمنا بأنّ الإرادة غير إراديّة وغير اختياريّة، وعلى الرغم من ذلك نقول: لا إشكال في تعلُّق الوجوب الغيريّ بالمقدّمات التي من أجزائها الإرادة التي هي أمر غير اختياريّ، لا يوجد محذور.
[السرّ في عدم استحالة التكليف بغير الاختياريّ]
والسرّ في ذلك: أنّ التكليف بغير الاختياريّ إنّما يستحيل لمحذورَين، وكلاهما مدفوعٌ في المقام:
[المحذور الأوّل: استحالة البعث والتحريك]
المحذور الأوّل: إنّ التكليف إنّما يكون بداعي الباعثيّة والمحرِّكيّة والإرسال، ولا يُعقَل البعث والتحريك في أمر غير اختياريّ.
وفيه: إنّ مورد بحثنا هو الوجوب الغيريّ للمقدّمات لا الوجوب النفسيّ، والوجوب الغيريّ تبعيّ وقهريّ وليس وجوبًا مجعولًا من قِبَل المولى بداعي البعث والتحريك. إذًا الوجوب الغيريّ للمقدّمات ليست له محرِّكيّة مستقلّة، ليست له باعثيّة مستقلّة، فلا يَرِد المحذور الأوّل.
[المحذور الثاني: لزوم الإحراج والإلجاء]
المحذور الثاني: إنّ التكليف بغير المقدور إحراج للمكلَّف وإلجاءٌ له إلى الوقوع في المعصية والعقاب، وهذا قبيح من المولى.
وفيه: لا يلزم في المقام أيّ إحراج؛ إمّا لأنّ الوجوب الغيريّ لا ثواب ولا عقاب عليه بما هو هو – وقد تقدّم ذلك –، وإمّا لأنّ الوجدان يقضي بأنّ التكليف بإرادة الصلاة ليس فيه أيّ مشقّة وأيّ إحراج للمكلَّف زائد على التكليف بالصلاة. فلو كلّفه المولى بالصلاة وإرادة الصلاة، هذا التكليف ليس فيه إحراج وليس فيه مشقّة.
[النتيجة النهائيّة في الإشكال الثاني]
النتيجة النهائيّة: الإشكال الثاني ليس بتامّ؛ يُعقَل أن تكون الإرادة من أجزاء مقدّمات الواجب الغيريّ، سواء قلنا أنّ الإرادة اختياريّة كما عليه الميرزا النائينيّ أو أنّ الإرادة غير اختياريّة، فيُعقَل التكليف بالإرادة غير الاختياريّة لأنّه لا محرِّكيّة فيها مستقلّة ولا يوجد إحراج في التكليف بها.
[الإشكال الثالث: مجموع المقدّمات لا يكون موصِلاً بالضرورة]
الإشكال الثالث على التصوّر الرابع: إنّ مجموع المقدّمات حتّى مع ضمّ الإرادة إلى أجزاء المقدّمات ليس مقدّمة موصِلة؛ بناءً على ما ذُكر في بحث الجبر والاختيار من أنّ الفعل الاختياريّ لا يخرج بالإرادة والشوق الأكيد من الإمكان إلى الوجوب، وهذا معلومٌ بالوجدان ولا يحتاج إلى برهان.
[توضيح الإشكال الثالث]
فيمكن أن يكون للإنسان شوق قويّ وأكيد لكن يمكن أن يُعاكِسه؛ لأنّه خلاف رغبة أبويه، وبالتالي لا يأتي بما اشتاق إليه، فيُعرِض عن محبوبته التي مال قلبه إليها خشية عصيان والدَيه. وقد قيل: إنّ قاعدة "أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد" لا تنطبق على الأفعال الاختياريّة للإنسان.
خلاصة الإشكال الثالث: مجرَّد الإرادة لا يُحقّق الشيء؛ مجرَّد الإرادة والشوق لا يُخرِج الفعل من حيّز الإمكان إلى عالَم الوجوب.
[الجواب عن الإشكال الثالث]
والجواب: هذا الإشكال يتمّ لو قصدنا بالمقدّمة الموصِلة ما يستحيل انفكاك ذي المقدّمة عنه، يعني يستحيل الانفكاك بين المقدّمة وذي المقدّمة، فيأتي هذا الإشكال. لكن ليس مرادنا من المقدّمة الموصِلة هي ما يستحيل انفكاك ذي المقدّمة عنه؛ فإنّ الاستحالة ليست دخيلة في برهان المقدّمة الموصِلة، وإنّما المقصود من وجوب المقدّمة الموصِلة: المقدّمة التي يُضمَن معها تحقُّق ذو المقدّمة.
[توضيح الفرق بين الاستحالة والضمان]
فالمقصود من المقدّمة الموصِلة أي المقدّمة التي إذا جئتَ بها قطعتَ وضمِنتَ أنّك حقّقتَ الغرضَ، والمراد بالغرض الواجب النفسيّ.
فلا يحتمل أحد من الموالي أنّ العبد إذا تمّت في حقّه جميع المقدّمات ومعها الإرادة والشوق الأكيد، وأراد الوضوء وعنده قدرة تامّة على الوضوء ولا يوجد مُزاحِم له في إعمال قدرته كالمرض وغير ذلك، ولا يوجد أيّ محذور في إقدامه على الوضوء، ومع ذلك لا يفعل ذلك الفعل، فهنا يكون قد أخلّ بالواجب ولم يأتِ به.
[النتيجة: تعريف المقدّمة الموصِلة تعريفًا دقيقًا]
إذًا المراد بوجوب خصوص المقدّمة الموصِلة ليست هي عبارة عن ما يستحيل انفكاك ذو المقدّمة عنها، بل المراد: المقدّمة التي إذا جئتَ بها تكون قد حقّقتَ الغرض.
وفرق بين التعبيرَين: أن تقول "يستحيل الانفكاك بين الوضوء والصلاة" وبين أن تقول "الوضوء الذي إذا جئتَ به حقّقتَ الصلاة، حقّقتَ الغرض".
[خاتمة الدرس]
هذا تمام الكلام في الإشكال الثالث، واتّضح أنّ الإشكالات الثلاثة ليست تامّة.
الإشكال الرابع: عليه الكلام.