« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/06/24

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس (284): التصور الرابع: أنّ الأمر الغيريّ يتعلّق بمجموع المقدّمات التي لا تنفكّ عن ذي المقدّمة

الموضوع: الدرس (284): التصور الرابع: أنّ الأمر الغيريّ يتعلّق بمجموع المقدّمات التي لا تنفكّ عن ذي المقدّمة

 

[تمهيد التصوّر الرابع وبيان محلّ البحث]

التصوُّر الرابع: أنَّ الأمر الغيريَّ يتعلَّق بمجموع المقدِّمات التي لا تنفكُّ عن ذي المقدِّمة، لا بمعنى أنَّ عنوان "لا ينفكُّ عن ذي المقدِّمة" مأخوذٌ في متعلَّق الأمر، بل الأمر تعلَّق بواقع ما لا ينفكُّ عن ذلك.

[شرح الفرضيّة: مجموع المقدّمات الواقعيّة]

فلنفرض أنَّ مجموع المقدِّمات التي لو وُجدت لوُجد ذو المقدِّمة هي أمورٌ عشرة، فالأمر متعلِّقٌ بمجموع تلك الأمور، وعنوان "ما لا ينفكُّ" عنوانٌ مُشيرٌ لا أكثر، والأمر بكل واحدٍ من تلك الأمور العشرة أمرٌ ضمنيٌّ. وهذا التصوير الرابع هو التصوير الصحيح للقول بالمقدِّمة الموصلة.

[تمييز التصوير الرابع عن التصويرات السابقة]

والفارق بين التصوير الرابع وما سبقه من التصويرات: أنَّ التصويرات السابقة ذكرت بعض العناوين الانتزاعيَّة، كعنوان الترتُّب، وعنوان التوصُّل، وعنوان إرادة التوصُّل. هذه العناوين ليست واقعيَّةً، وإنَّما ينتزعها الذهن عندما يقارن بين المقدِّمة وذي المقدِّمة، وليس من الصحيح أخْذُ عناوينَ انتزاعيَّةٍ في متعلَّق الأمر الغيريِّ.

[الطابع الواقعيّ للتصوير الرابع]

فهذا التصوير الرابع تصويرٌ واقعيٌّ، يرى أنَّ ذا المقدِّمة - وهو الواجب النفسيُّ - يتوقَّف على المقدِّمة واقعًا، أي المقدِّمة التي تُوصِل في الواقع إلى ذي المقدِّمة، فلو كان الموصِل واقعًا إلى ذي المقدِّمة مجموعَ أمورٍ خمسة أو عشرة، فنريد بالمقدِّمة الموصلة ليس المقدِّمة المقيَّدة بعنوان الإيصال الذي هو عنوانٌ انتزاعيٌّ ومفهومٌ ينتزعه الذهن، بل المراد الأجزاء العشرة التي تُوصِل في الواقع، لا الأجزاء العشرة المقيدة بقيدٍ ذهنيٍّ وهو قيد الترتُّب أو التوصُّل الذي هو مفهومٌ انتزاعيٌّ.

[مثال تطبيقيّ لتوضيح المقصود]

إنصافًا، هذا التصوير تصويرٌ دقيقٌ وعرفيٌّ. فنقول: ما أراده صاحب الفصول من أنَّ الواجب النفسيَّ كالصلاة أو الحجِّ إنَّما يتوقَّف على خصوص المقدِّمة الموصلة لا مطلق المقدِّمة، فيُراد به السفرُ الذي في الواقع يؤدِّي إلى الحجِّ، والوضوءُ الذي في الواقع يؤدِّي إلى الإتيان بالصلاة. وليس المراد بالمقدِّمة الموصلة تقييد الوضوء بقيد الموصِل الذي هو مفهومٌ انتزاعيٌّ، وليس المراد تقييد السفر بقيد الموصِل إلى الحجِّ الذي هو قيدٌ ذهنيٌّ ومفهومٌ انتزاعيٌّ.

[بيان حقيقة الانفكاك وعدم الانفكاك]

إذًا التصوُّر الرابع يرى أنَّ الواجب الغيريَّ يتعلَّق بمجموع المقدِّمات الواقعيَّة التي لا ينفكُّ عنها الواجب النفسيُّ، وليس المراد بأنَّها لا تنفكُّ عن ذي المقدِّمة أنَّها مقيَّدةٌ بمفهومٍ ذهنيٍّ انتزاعيٍّ وهو مفهوم عدم الانفكاك، بل المراد أنَّه في الواقع حينما توضَّأ صلَّى، وحينما سافر حجَّ، فهذا السفر لا ينفكُّ عن الحجِّ، وهذا الوضوء لا ينفكُّ عن الصلاة واقعًا. واضحٌ إن شاء الله هذا التصوير؟

[تأكيد النتيجة: التصوير الرابع هو الصحيح]

هذا التصوير الرابع هو التصوُّر الصحيح للقول بالمقدِّمة الموصلة، لكن قد اعتُرض عليه، ويمكن الاعتراض عليه بعدَّة اعتراضاتٍ وإشكالاتٍ كلُّها مدفوعة.

[الإشكال الأوّل: اختصاص المجموع بالمقدّمات السببيّة]

الإشكال الأوَّل على التصوُّر الرابع: أن يُقال: إنَّ هذه المجموعة من المقدِّمات الواقعيَّة لا تُتصوَّر إلَّا في المقدِّمات السببيَّة والأمور التوليديَّة، كما في الإحراق الذي مقدِّمته الإلقاء في النار، وهو لا ينفكُّ عن الإحراق، فمتى ما أُلقي في النار تحقَّق الإحراق، إذ أنَّ الإلقاء مسبِّبٌ ومُولِّدٌ للاحتراق.

[تطبيق الإشكال الأوّل على غير التوليديّات]

ولكن في الواجبات التي ليست مقدِّماتها تسبيبيَّةً وتوليديَّةً من قبيل الصلاة التي يُمكن تركها بعد الإتيان بالوضوء - فيمكن الإتيان بالوضوء وكلِّ المقدِّمات وترك الصلاة - فهذا التصوير الرابع إنَّما ينسجم مع خصوص المقدّمات السببيَّة والتوليديَّة، ولا يشمل المقدِّمات غير التوليديَّة والتسبيبيَّة، فهذه الدعوى أعمُّ من الدليل المُدَّعى.

[الجواب عن الإشكال الأوّل: إدخال الإرادة ضمن المجموع]

والجواب: يمكن أن ندَّعي العموم ونقول: هذا التصوُّر الرابع يشمل مطلق المقدِّمات الواقعيَّة، سواءٌ كانت تسبيبيَّةً وتوليديَّةً أو لم تكن. فإن كانت سببيَّةً فواضحٌ، وإن لم تكن سببيَّةً كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، فإنَّنا يمكن أن نُدخل ضمن مجموع المقدِّمات الإرادةَ والجزمَ والعزمَ، فإذا دخلت الإرادة لم ينفكَّ عن ذي المقدِّمة، يعني توضَّأ يريد الصلاة، سافر يريد الحجَّ، فهنا لا يحصل انفكاكٌ.

[تمهيد الإشكال الثاني نتيجةً للجواب الأوّل]

ومن جواب الإشكال قد يتصاعد الإشكال إلى الإشكال الثاني.

[الإشكال الثاني: لزوم التكليف بغير المقدور]

الإشكال الثاني: إذا أُدخلت الإرادة في المقدِّمات، لزم التكليف بأمرٍ غير اختياريٍّ؛ لأنَّ الإرادة ليست إراديَّةً، وإلا لو كانت الإرادة إراديَّةً للزم التسلسل، إذ تقول: هذه الإرادة اختياريَّةٌ، ومن أين حصل لها الاختيار؟ من الإرادة الثانية. وهذه الإرادة الثانية اختياريَّةٌ، ومن أين حصل لها الاختيار؟ من الإرادة الثالثة. والإرادة الثالثة اختياريَّةٌ، ومن أين حصل لها الاختيار؟ من الإرادة الرابعة، وهكذا فيلزم التسلسل.

[سؤال تفسيريّ: لماذا الإرادة ليست إراديّة؟]

سؤال: لم يُقال "إنَّ الإرادة ليست إراديَّةً"؟

[الجواب: الإرادة قهريّة وليست اختياريّة]

الجواب: الإرادة بمعنى الشوق المؤكَّد إنَّما هي مقهورةٌ لمقدِّمات الشوق، فالإرادة ليست إراديَّةً، وإنَّما هي قهريَّةٌ، أي أنَّ الإنسان إذا اشتاق وتحقَّقت مقدِّمات الشوق والحبِّ فإنَّ الإرادة حاصلةٌ قهرًا. إذًا الإرادة ليست إراديَّةً.

خلاصة الإشكال الثاني: إذا أُدخلت الإرادة في المقدِّمات، لزم التكليف بأمرٍ غير اختياريٍّ؛ لأنَّ الإرادةَ ليست إراديَّةً، ولو التزمنا بأنَّ الإرادة إراديَّةٌ واختياريَّةٌ لزم التسلسل إلى ما لا نهاية[1] .

[تمييز مبنى الكفاية عن مبنى النائيني]

وهذا الإشكال ينسجم مع مبنى المحقِّق الخراسانيِّ صاحب الكفاية، ولا يَرِدُ على مسلك المحقِّق النائينيِّ رحمه الله القائل بأنَّ الاختيار عبارةٌ عن هجمة النفس وإعمال القدرة، وهذا عملٌ نفسانيٌّ، فإنَّه يُقال: إنَّ نفس هجمة النفس وإعمال القدرة عملٌ اختياريٌّ بذاته، واختياريَّة باقي الأعمال بسببه، أي بسبب هجمة النفس.

[موقف مسلك صاحب الكفاية]

نعم، هذا الإشكال الثاني يَرِدُ على مسلك صاحب الكفاية القائل بأنَّ الاختيار عبارةٌ عن الإرادة والشوق، فيُقال: إنَّ الإرادة ليست إراديَّةً، وإلَّا لزم التسلسل.

[الفرق الجوهري بين المسلكين]

والفرق بين المسلكين - مسلك صاحب الكفاية ومسلك الميرزا النائينيِّ - أنَّ مسلك الميرزا النائينيِّ يُفسِّر الإرادة بهجمة النفس، وهجمة النفس لم تُفترض مقهورةً لشيءٍ سابقٍ. فعلى مبنى الميرزا النائينيِّ، الإرادة هي هجمة النفس، ولم تُفترض في هذا المسلك أنَّ هجمة النفس مقهورةٌ لشيءٍ آخر، بل هي فعل النفس، بخلاف الإرادة على مبنى صاحب الكفاية، فيُراد بها الشوق المؤكَّد، والشوق المؤكَّد - بناءً على مبنى صاحب الكفاية - مقهورٌ لمقدِّمات الشوق.

[توضيح عرفيّ لمفهوم الإرادة والشوق]

إذًا، الإشكال الثاني - وهو لزوم التكليف بأمرٍ غير اختياريٍّ - لا يَرِدُ على مبنى الميرزا النائينيِّ؛ لأنَّ الإرادة هجمةُ النفس، وهجمة النفس باختيار النفس، وهجمة النفس ليست أمرًا قهريًّا لشيءٍ آخر، فلا يقع التسلسل، بخلاف الإرادة على مبنى صاحب الكفاية؛ إذ أنَّ الإرادة هي الشوق المؤكَّد، والشوق المؤكَّد أمرٌ قهريٌّ لمقدِّمات الشوق. كما قيل له: لِمَ أحببتَ فلانة؟ فقال: «الحبُّ أعمى، ماذا أفعل؟ أنا مجبورٌ، عواطفي وكلُّ أحشائي انساقت إليها قهرًا فتحقَّقت الإرادة والحبُّ».

[إشارة لغويّة بين العربيّة والفارسيّة]

طبعًا، بالفارسيَّة، تفرِّقون بين "إرادة" و"إرادت": إرادت يعني حُبّ، تقول: «من به شما إراداتِ دارَم» يعني: أنا أحبُّك، أنا من محبِّيك، من مريديك، غير إرادة... إرادة بمعنى الإرادة العربيَّة. إرادت يعني محبت.

[خاتمة الدرس وإشارة إلى الجواب القادم]

هذا تمام الكلام في تقرير الإشكال الثاني على التصوُّر الرابع، وأمَّا جواب الإشكال الثاني والإيراد عليه ثمَّ بيان الجواب الصحيح، يأتي الكلام عليه.

 


logo