47/06/17
الدرس (مائتان وتسعة وسبعون): الإيراد الرابع على صاحب الفصول ما ذكره المحقّق العراقيّ (ره)
الموضوع: الدرس (مائتان وتسعة وسبعون): الإيراد الرابع على صاحب الفصول ما ذكره المحقّق العراقيّ (ره)
[مضمون إيراد المحقّق العراقيّ: استحالة تقييد الشيء بما هو أخصّ منه مطلقًا]
ما ذكره المحقّق العراقيّ رحمه الله من أنّ تقييد شيءٍ بما هو أخصّ مطلقًا منه مساوقٌ لتقييده بوجود نفسه، لأنّ وجود الأخصّ المطلق مساوقٌ لوجود الأعمّ، فكما يستحيل تقييد الشيء بنفسه كذلك يستحيل تقييده بما هو أخصّ مطلقًا منه، والحصّةُ الموصلة أخصّ مطلقًا من ذات المقدّمة.
[مصدر الإيراد وتوضيح منشئه]
هذا البيان وقع في تقرير بحث المحقّق العراقيّ[1] للميرزا هاشم الآمليّ رحمه الله، والد الدكتور عليّ لاريجاني وآية الله الشيخ صادق لاريجاني والدكتور محمّد حسن لاريجاني.
ولعلّ فيه التباسًا وقع من المقرّر أو غيره، إذ من الواضح أنّ الميزان في صحّة التقييد كون المقيَّد أعمّ والقيد أخصّ، فلكي يصحّ التقييد لا بدّ أن يكون القيد أخصّ ولو من وجه، وأن يكون المقيَّد أعمّ، لا كون القيد أعمّ ولو من وجه من المقيَّد.
[القاعدة المنطقية في التقييد بين الأعمّ والأخصّ]
فإكرام الفقيه لا يُعقل تقيّده بكونه إنسانًا، فتقول: «أكرم الفقيه الإنسان»، لأنّ الإنسان أعمّ من الفقيه، بل يصحّ أن تقول: «أكرم الإنسان الفقيه»، فالمقيَّد هو الأعمّ وهو الإنسان، والقيد هو الأخصّ وهو الفقيه.
ومن هنا يتّضح أنّ القيد لا يصحّ أن يكون مساوٍ للمقيَّد أو أعمّ من المقيَّد. تقول: «أكرم الإنسان البشر»، هذا قيد مساوي. «أكرم الإنسان الحيوان»، هذا قيد أعمّ، بل لا بدّ أن يكون المقيَّد أعمّ والقيد أخصّ، إمّا مطلقًا وإمّا من وجه.
[بيان قاعدة التحصيص بالتقييد]
إذًا، التقييد يجعل المقيَّد ويحصّص المقيَّد إلى حصّتين: حصّة واجدة للقيد وحصّة غير واجدة للقيد. فالتقييد يتوقّف على أن لا يكون القيد أعمّ مطلقًا من المقيَّد أو مساويًا للمقيَّد. أمّا لو كان القيد أخصّ من المقيَّد مطلقًا أو من وجه فلا بأس بالتقييد.
تقول: «أكرم الإنسان العالم»، «أكرم الإنسان الفقيه»، لا مانع من ذلك. أمّا تعكس تقول: «أكرم الفقيه الإنسان»، هذا لا يصحّ.
[نتيجة الإيراد الرابع]
إذًا الإيراد الرابع ليس بتامّ، ويُستبعد في حقّ المحقّق العراقي رحمه الله، لعلّ له مرادًا آخر غير ما يظهر من تقريره.
الإيراد الخامس: ما ذكره صاحب الكفاية رحمه الله[2] .
ومفاد الإيراد: إنّ المكلّف لو أتى بالمقدّمة كما لو توضّأ، لكنّه لم يصلّ، فهل يسقط الأمر الغيريّ بالمقدّمة والوضوء قبل إتيانه بذي المقدّمة والصلاة أو لا يسقط؟
احتمالان لا ثالث لهما:
[الاحتمال الأوّل: عدم السقوط]
الاحتمال الأوّل: أن نفترض عدم السقوط، أي أنّه لو توضّأ ولم يصلّ لم يسقط الأمر بالوضوء الموصل إلى الصلاة، لأنّ الوضوء الذي جاء به لم يوصله إلى الصلاة، فلم يسقط الأمر بالواجب الغيريّ.
إن قلنا بالاحتمال الأوّل وهو عدم السقوط، إذًا يلزم تحصيل الحاصل، إذ أنّه قد توضّأ فعلًا. وهكذا لو سافر إلى مكّة لكن لم يحجّ، فهل يسقط الوجوب الغيريّ المتعلّق بالسفر الموصل إلى الحجّ أو لا؟
إن قلنا بالاحتمال الأوّل وهو عدم السقوط لأنّه سافر لكنّ هذا السفر لم يوصله إلى الحجّ، فنلتزم بعدم السقوط، وحينئذٍ يلزم محذور تحصيل الحاصل. كيف يُقال له: «سافر» وقد سافر؟ وكيف يُقال له: «توضّأ» وقد توضّأ؟
إذًا الاحتمال الأوّل لا يمكن المساعدة عليه للزوم محذور تحصيل الحاصل.
[الاحتمال الثاني: سقوط الأمر الغيريّ وأسبابه الأربعة]
الاحتمال الثاني: أن نفترض سقوط الأمر الغيريّ. وهنا نقول: إنّ سقوط الأمر يتمّ بأحد أمور أربعة توجب سقوط الأمر:
الأوّل: الامتثال، كما لو توضّأ.
الثاني: العصيان، كما لو لم يتوضّأ.
الثالث: ارتفاع الموضوع، كما لو أفاق الميّت، فحينئذٍ تسقط الواجبات تجاه هذا الميّت من تغسيل وتكفين وصلاة عليه.
الرابع: حصول الغرض بفردٍ لا يُعقل انبساط الأمر عليه، لخروج هذا الفرد عن القدرة أو كون هذا الفرد محرّمًا، يعني انحصر الكلّيّ في فرد وهذا الفرد إمّا محرّم لا يجوز اقتحامه، وإمّا غير مقدور ويستحيل التكليف بغير المقدور فيسقط التكليف.
إذًا، موجبات السقوط أربعة، وهي: الامتثال أو العصيان أو تغيّر الموضوع أو حصول الغرض من الحكم بفرد، وهذا الفرد إمّا غير مقدور أو محرّم، أربعةٌ لا خامس لها توجب سقوط التكليف.
[تحليل الاحتمالات ونتيجة الإيراد الخامس]
في الإيراد الخامس لصاحب الكفاية، قلنا: يوجد احتمالان وفرضان، السقوط وعدم السقوط. الاحتمال الأوّل عدم السقوط، يلزم منه تحصيل الحاصل.
الاحتمال الثاني: سقوط الأمر الغيريّ، فلننظر إلى الأسباب التي أوجبت سقوط الأمر الغيريّ، هل هو الأمر الثاني وهو فرض العصيان؟
الجواب: كلّا وألف كلّا، لأنّ المكلّف في طريق الامتثال لا العصيان، ولو مات بعد سفره أو وضوئه لم يصدق عليه أنّه عاصٍ، إذًا افتراض سقوط الواجب الغيريّ بالعصيان واضح البطلان.
وأمّا الاحتمال الثالث وهو سقوط الوجوب الغيريّ بارتفاع الموضوع، فهذا أيضًا باطلٌ، إذ لا يزال المكلّف لم يأتِ بذي المقدّمة وهو في طريقه إلى الإتيان بذي المقدّمة، لكنّه لم يأتِ بها فعلًا، فالموضوع لم يتغيّر.
وأمّا الاحتمال الرابع والأخير وهو عدم انبساط الأمر عليه فأيضًا غير صحيح، إذ أنّ الوضوء الموصل ليس بأمرٍ غير مقدور وليس بأمرٍ محرّم.
فإذا انتفت الأسباب الثلاثة الأخيرة - العصيان وتغيّر الموضوع وانحصار الغرض في فرد إمّا محرّم أو غير مقدور - إذا انتفت الأسباب الثلاثة الموجبة لسقوط التكليف، يتعيّن أن يكون الذي أوجب سقوط التكليف هو الأمر الأوّل وهو الامتثال، وهو المطلوب إثباته.
كما يقول أستاذنا الإيروانيّ: «أكرّره إلك دوره لخ» يعني مرة أخرى:
الخلاصة: المكلّف الذي أتى بالمقدّمة كمن توضّأ ولم يأتِ بذي المقدّمة كالصلاة، فهل يسقط الوجوب الغيريّ المتعلّق بالمقدّمة أو لا؟
إن قلنا بعدم سقوطه فهذا تحصيل للحاصل، إذ أنّه قد جاء بالمقدّمة وقد توضّأ.
وإن قلنا بسقوطه فنسأل: ما هو السبب الذي أوجب سقوط الأمر الغيريّ؟ فليس هو العصيان، وليس هو تغيّر الموضوع، وليس هو انحصار الغرض من الحكم في فرد غير مقدور أو محرّم.
إذًا يتعيّن أن يكون السبب الموجب للسقوط هو الامتثال، يعني الوضوء الذي جاء به ولم يوصله إلى الصلاة أوجب سقوط الأمر الغيريّ. إذًا الواجب الغيريّ هو خصوص المقدّمة من دون قيد إيصالها إلى ذي المقدّمة. صار واضح إيراد صاحب الكفاية؟
[جواب السيد كاظم الحائري (دام ظلّه) على الإيراد الخامس]
ويمكن أن يُجاب عليه بمباني الشهيد الصدر، وقد أجاب سيّدنا الأستاذ السيّد كاظم الحائريّ بجواب بسيط على هذا الإشكال وفقًا لمباني الشهيد الصدر، وهو أنّنا نسأل: ما هو المقصود من سقوط الأمر بالمقدّمة بعد الإتيان بها وقبل الإتيان بذي المقدّمة؟
إن كان المقصود سقوط فعليّة الأمر، فهذا ما لا نقول به حتّى بعد امتثال ذي المقدّمة، لأنّنا نرى أنّ الامتثال يسقط فاعليّة الأمر لا فعليّته.
وإن كان المقصود سقوط فاعليّة الأمر ومحرّكيّته، فقد مضى أنّ الأمر الغيريّ لا محرّكيّة ولا فاعليّة له منذ البدء[3] .
طبعًا هذا الجواب مبنائيّ، هذا بناءً على مبنى الشهيد الصدر والسيّد كاظم الحائريّ. وعلى مبنانا يتم هذا الجواب السهل والسليم.
لكن أجاب الشهيد الصدر رضوان الله عليه على إيراد صاحب الكفاية بجوابٍ مفصّل، جواب نقضيّ وجواب حلّيّ.
وقد اختار الشهيد الصدر رحمه الله عدم سقوط الأمر الغيريّ بالإتيان بالمقدّمة. إذًا نختار الاحتمال الأوّل، أنّه إذا توضّأ ولم يصلّ لم يسقط الأمر بالوجوب الغيريّ بالوضوء، ولا يرد عليه محذور تحصيل الحاصل. إذًا لابدّ أن نجيب على محذور تحصيل الحاصل، والجواب عليه بالنقضي تارة وبالحليّ تارة أخرى.
الجواب النقضيّ: يمكن أن يُنقض على صاحب الكفاية بجوابين:
جواب نقضيّ خاصّ بخصوص مباني صاحب الكفاية.
جواب نقضيّ عامّ بلحاظ المباني المشتركة بين صاحب الكفاية وغيره.
النقض الأوّل الخاصّ: وهو أن يُنقض على صاحب الكفاية بلزوم تحصيل الحاصل في موارد خاصّة بمبانيه الخاصّة، فيمكن إيراد محذور تحصيل الحاصل بلحاظ ما أفاده صاحب الكفاية في عدّة موارد:
المورد الأوّل: بحث الإجزاء[4] .
المورد الثاني: بحث التعبّديّ والتوصّليّ[5] .
أمّا المورد الأوّل: فقد ذكر صاحب الكفاية في بحث تبديل الامتثال بالامتثال أنّه يمكن بقاء الأمر حتّى بعد الامتثال، إذا كان الواجب مقدّمة إعداديّة لغرض أقصى لم يتمّ استيفاؤه، فيبقى الأمر ببقاء الغرض الأقصى، ومن هنا يجوز تبديل الامتثال بالامتثال.
مثال ذلك: لو أمر المولى عبده بالإتيان بالماء فأتى له بماء، جاز للمولى قبل أن يشرب الماء ويرفع عطشه أن يبدّل هذا الماء بماء آخر، يقول له: «لا تجلب لي الماء في هذا الكأس، أنا مَلِك، اجلب لي ماءً آخر بكأس مزخرف مزيّن يليق بالملوك والعظماء».
هنا يحصل تحصيل الحاصل، هو أراد الماء، جاءه بالماء. فكان هذا تبديلًا في الامتثال، ويرد عليه نفس الإشكال الذي ذكره وهو لزوم تحصيل الحاصل. فكيف يأمر بإتيان الماء وهو تحصيل للحاصل؟ هذا النقض الخاصّ الأوّل.
النقض الخاصّ الثاني: ما ذكره صاحب الكفاية رحمه الله في بحث التعبُّديّ والتوصُّليّ، فقد ذكر: أن الأمر تعلَّق في التعبُّديّ بذات الفعل، ومع ذلك لو أتى بذات الفعل بلا قصد قربةٍ لم يسقطِ الأمر، مع أنّه يرد أيضًا نفس محذور تحصيلِ الحاصل. يعني: لو سجد من دون نيّة القربة إلى الله، لو صلَّى من دون نيّة القربة إلى الله، لو صام قاصدًا الرجيم ولم يقصد نيّة القربة إلى الله، هنا التزم صاحب الكفاية بأنّ الصوم لا يسقط، وهذا تحصيلٌ للحاصل؛ لأنّ الصوم وقع منه إذا امتنع عن المفطرات. والتزم هنا بأنّ الأمر يبقى ولا يسقط، فقد يقال له: يا صاحب الكفاية، هذا تحصيلٌ للحاصل! بل في هذين الموردين لصاحب الكفاية - في التعبُّديّ والتوصُّليّ وفي بحث الإجزاء - لا نملك جوابًا ولا نملك تخريجًا، بخلاف ما نحن فيه ففيه جوابٌ سيتّضح في الجواب الحلّيّ.
هذا تمام الكلام في الجواب النقضيّ الخاصّ.
الجواب النقضيّ العامّ: وهو النقض بالأمر الضمنيّ. عندنا صار أمر استقلاليّ وهو وجوب الصلاة، ووجوب الصلاة ينحلُّ إلى أوامر ضمنيّةٍ: أمر ضمنيّ بتكبيرة الإحرام، وبالركوع، والسجود، والقيام. فالأمر الضمنيُّ بتكبيرة الإحرام: إنْ فُرِض عدم سقوطه بعد التكبير فهو تحصيلٌ للحاصل، وإنْ فُرِض السقوط فله أحد مناشئ أربعة، لا سبيل إلى الثلاثة الأخيرة منها وهي: العصيان، وتبدُّل الموضوع، وتعيُّن الغرض في فرد - هذا الفرد محرَّم أو غير مقدورٍ - فيتعيَّن الفرض الأوّل وهو الامتثال، مع أنّه لا إشكال في أنّ الواجب الضمنيَّ لا يُمتَثَلُ إلّا في ضمن امتثال الواجب النفسيّ وبالإتيان بالواجب النفسيّ.
إذًا، هذا نقضٌ عامٌّ، يعني: مبنى يلتزم به صاحبُ الكفاية رحمه الله ويلتزم به الأصوليّون، أيْ أنّه مَن صلَّى وكبَّر تكبيرة الإحرام لكن لم يأتِ بالبقيّة - ما ركع ولا سجد - هنا يجب عليه أن يعيد الصلاة وأن يعيد تكبيرة الإحرام، مع أنّه قد امتثَل الأمرَ الضمنيَّ بتكبيرة الإحرام حينما صلَّى الصلاةَ التي هدَمها ولم يُكمِلْها. هنا قد يُقال: أنّه يُنقض على صاحب الكفاية بلزوم تحصيل الحاصل، يعني: إذا تأمره أنّ مرّة ثانية يأتي بتكبيرة الإحرام، هذا تحصيلٌ للحاصل، تطبّق نفس إشكاله عليه.
هو الآن كبَّر تكبيرة الإحرام، أراد يركع، جاءه ولده، ترك الصلاة، هدم الصلاة. هنا الأمر الضمنيُّ بتكبيرة الإحرام يبقى أو لا يبقى؟ إنْ قلتَ: يبقى، هذا تحصيلٌ للحاصل. إن قلت: لا يبقى، لماذا لا يبقى؟ لأنّه عصى؟ هو لم يَعصِ. لأنّه تبدَّل الموضوع؟ لم يتبدَّل الموضوع. لأنّ الغرض تحقَّق وانحصر بفردٍ محرَّمٍ أو فردٍ غير مقدور؟ كلّا، هو بمقدوره أن يواصل الصلاة، والصلاة ليست محرَّمةً. إذًا، ما الذي أوجب سقوط تكبيرة الإحرام؟ امتثاله! فنطبِّق إشكال صاحب الكفاية على الواجبات الضمنيّة.
هذا تمامُ الكلام في الجواب النقضيّ.
وأمّا الجواب الحلّيّ: إذا اتّضح الجواب الحلّيُّ سنفهم جيّدًا هذا الجواب النقضيَّ؛ لأنّ الجوابَ الحلّيَّ يُركِّز على أنّ الأمر الاستقلاليّ ينحلُّ إلى أوامر ضمنيّة، وأنّ ما ذكره صاحب الكفاية من لزوم تحصيل الحاصل إنّما يتمُّ في الأوامر الاستقلاليّة والواجبات الاستقلاليّة، ولا يتمُّ في الواجبات الضمنيّة ولا يتمُّ في الأجزاء الضمنيّة الموجودة ضمن الواجبات الاستقلاليّة.
الجواب الحلّيُّ يأتي عليها الكلام.