« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/06/15

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس (مائتان وسبعة وسبعون): اختصاص وجوب المقدّمة بخصوص المقدّمة الموصلة إلى ذي المقدّمة

الموضوع: الدرس (مائتان وسبعة وسبعون): اختصاص وجوب المقدّمة بخصوص المقدّمة الموصلة إلى ذي المقدّمة

 

الاحتمال الرابع: ما ذهب إليه صاحب الفصول[1] .

فقد اختار اختصاص الوجوب الغيري بخصوص المقدّمة الموصلة إلى ذي المقدّمة، فليس الواجب هو مطلق المقدّمة، بل الواجب هو خصوص المقدّمة الموصلة إلى ذيها، فهي المصداق الوحيد للواجب الغيري دون ما سواها.

[تقسيم البحث إلى مقامين]

والبحث في الاحتمال الرابع يقع في مقامين:

المقام الأوّل: البحث عن الإشكالات والبراهين التي أُقيمت على إبطال ما ذهب إليه صاحب الفصول من اشتراط الإيصال.

المقام الثاني: البحث عن براهين ملاكات هذا التقييد الذي ذهب إليه صاحب الفصول بتقييد المقدّمة بخصوص المقدّمة الموصلة دون ما سواها.

ومن خلال البحث في هذين المقامين سيتّضح الصحيح في المسألة.

[المقام الأوّل: البراهين والإشكالات على مبنى صاحب الفصول]

المقام الأوّل: البراهين والإشكالات التي أُقيمت لإبطال مبنى صاحب الفصول، وهي على نحوين:

النحو الأوّل: بيان عدم وجود مقتضي لتقييد المقدّمة بالموصلة.

النحو الثاني: بيان المانع، وذلك عبر إثبات استحالة تقييد المقدّمة بخصوص الموصلة ثبوتًا.

ومن هنا نتطرّق إلى أهمّ الإشكالات على مبنى صاحب الفصول في المقدمة الموصلة:

الإيراد الأوّل: دعوى لزوم التسلسل.

فيُقال: إنّه يستحيل تقييد المقدّمة بخصوص المقدّمة الموصلة، لأنّ هذا التقييد يستلزم التسلسل في الواجبات الغيرية.

كما ذهب إلى هذا الإشكال المحقّق النائيني في دفع الاحتمال الرابع وهو مبنى صاحب الفصول[2] [3] .

[محذور التسلسل – التقريب الأوّل]

محذور وإيراد التسلسل يمكن بيانه بأحد تقريبين، وكلاهما مدفوع فينتفي هذا الإشكال من أساسه.

التقريب الأوّل للتسلسل:

وهذا يُفهم من كلمات الميرزا النائيني، وهو: أنّ الواجب الغيري لو كان هو خصوص المقدّمة الموصلة، إذًا المقدّمة الموصلة بما هي موصلة تكون متقوّمة بذات الموصلة، تقوّم المقيَّد بذات المقيّد وتقييده بالقيد. إذًا عندنا مقيَّد وهو المقدّمة، وعندنا قيد وهو الإيصال، فالمقدّمة متقوّمة بجزأين وهما: المقيَّد وهو المقدّمة، والمقيّد وهو الموصلة، فتكون ذات المقدّمة مقدّمة للمقدّمة.

فلاحظ معي: الصلاة واجبٌ نفسي وله مقدّمة وهي الوضوء الموصل، والوضوء الموصل له مقدّمة وهو ذات الوضوء، وحينئذ لا بدّ أن تكون المقدّمة كالوضوء من الواجبات الغيرية، فإذا كان هذا الوجوب الغيري ثابتًا للمقدّمة بما هي موصلة إلى المقدّمة الموصلة. إذًا واجهنا أيضًا مقيَّدًا مركّبًا من ذاتٍ وتقييد: ذات الوضوء وتقييد الوضوء بالإيصال، فلا بدّ إذًا من وجوبٍ غيري آخر لتلك الذات المتقوّمة بالذات الموصلة، وهكذا يلزم التسلسل.

ولنُمثّل باختصار: الصلاة واجب نفسي ولها مقدّمة واجب غيري وهي خصوص الوضوء الموصل إلى الصلاة، والوضوء الموصل إلى الصلاة له مقدّمة وهو الوضوء، إذ بدون الوضوء لا يتحقّق الوضوء الموصل. إذًا هذا الوضوء واجب بالوجوب الغيري، إذا واجب بالوجوب الغيري على مبنى صاحب الفصول ليس مطلق الوضوء بل خصوص الوضوء الموصل، هذا الوضوء الموصل الثاني بعد يتألّف من وضوء مقدّمة للوضوء الموصل الثاني، فيصبح هذا الوضوء مقدّمةً للوضوء الموصل الثاني. إذًا هذا الوضوء مقدّمة المقدّمة يجب بالغير، إذا هو واجب غيري. إذًا ليس مطلق الوضوء هو الواجب الغيري بل خصوص الوضوء الموصل، فصار مقدّمةَ المقدّمة الثالثة، وهكذا. واضح التسلسل؟

إذًا هذه المقدّمة الموصلة مؤلَّفة من قيدين: القيد الأوّل المقدّمة، القيد الثاني الإيصال. إذًا هذه المقدّمة الوضوء تتّسم بالوجوب الغيري. إذا اتّسمت بالوجوب الغيري فلا يُراد بها مطلق الوضوء على مبنى صاحب الفصول، بل يُراد بها خصوص الوضوء الموصل، إذًا يلزم التسلسل إلى ما لا نهاية.

إذًا هذا الوجوب الغيري إمّا ينطبق على الذات فقط أو ينطبق على الذات المقيَّدة بالإيصال. إذا الوجوب الغيري ينطبق على الذات فقط، على ذات المقدّمة، لا داعي لكلّ هذا التسلسل في المقدّمة الأولى والثانية والثالثة إلى ما لا نهاية، نلتزم بأنّ المقدّمة من أوّل الأمر هو ذات الوضوء فقط من دون أخذ قيد الإيصال معها، فلتكن مقدّمة الواجب الأولى من أوّل الأمر هي ذات الوضوء وذات المقدّمة، إذ لا فرق في هذا الملاك بين مقدّمة ومقدّمة. واضح التقريب الأول؟ إشكال الدور واضح؟

الجواب على التقريب الأوّل:

هذا الإشكال ليس بتامّ، إذ إنّ الواجب الغيري له ملاكٌ، وملاكه وضابطه توقّف الغير عليه. فحينما نقول: إنّ الوضوء واجبٌ غيري للصلاة، أي أنّ الصلاة يتوقّف وجودها على وجود الوضوء. فملاك الوجوب الغيري: توقّف وجود الغير عليه. وهذا الملاك إنّما يتمّ وإنّما ينطبق في خصوص الأجزاء الخارجية لا الأجزاء الداخلية والتحليلية.

[تطبيق الجواب على المثال التطبيقي (توضيح عملي لرفع التسلسل)]

الصلاة واجب نفسي تتوقّف على جزء خارجي وهو الوضوء، فالوضوء يجب بالوجوب الغيري، سواء قلنا مطلق الوضوء أو خصوص الوضوء الموصل. لكن الكلام الثاني ليس بتام، وهو أنّ هذه المقدّمة الوضوء الموصل يتوقّف على الوضوء.

الجواب: هذا الوضوء جزءٌ داخلي من الوضوء الموصل وليس جزءًا خارجيًا، فلا ينطبق على هذا الوضوء الذي هو جزء من الوضوء الموصل أنّه واجب بالوجوب الغيري، لأنّ ملاك الوجوب الغيري هو التوقّف في الوجود، والتوقّف في الوجود مخصوص بخصوص المقدّمة الخارجية، وأمّا الأجزاء الداخلية أو التحليلية - نحن نحلّل أنّ المقدّمة الموصلة، نحلّلها إلى جزأين: مقيَّد وهو الوضوء، وقيد وهو الموصلة - إذًا ملاك الواجب الغيري لا يصدق على الجزء الداخلي، فلا يحصل تسلسل.

التقريب الثاني للتسلسل:

إنّ الواجب الغيري لو كان هو المقدّمة الموصلة بما هي موصلة، إذًا فسوف تكون متقوّمةً بذي المقدّمة، إذ من دون ذلك لا يتحقّق الموصل بما هو موصل، وهذا معناه أخذ ذا المقدّمة قيدًا في الواجب الغيري، فيصير ذو المقدّمة مقدّمة المقدّمة، وبالتالي يجب بالوجوب الغيري. وباعتباره ذا المقدّمة الموقوف تحقّقه على تحقّق المقدّمة، فسوف يترشّح بسببه وجوب غيري آخر على مقدّمته، وباعتبار اختصاص الوجوب بالموصلة المتقوّمة بالموصل له - أي بذي المقدّمة - أيضًا تتسلسل الوجوبات الغيرية.

ولنضرب مثالاً للتوضيح: الصلاة واجبٌ نفسي وله مقدّمة واجبة بالوجوب الغيري، وهي خصوص المقدّمة الموصلة إلى ذي المقدّمة لا مطلق المقدّمة، أي أنّ الواجب الغيري هو خصوص الوضوء الموصل إلى الصلاة. فلاحظ النتيجة: إذًا هذا الوضوء يتوقّف على الصلاة، لأنّ الوضوء لا يكون واجبًا غيريًا إلاّ إذا أوصل إلى الصلاة.

الصلاة تتوقّف على الوضوء الموصل إلى الصلاة، والوضوء الموصل إلى الصلاة يتوقّف على الصلاة، والصلاة تتوقّف على الوضوء الموصل إلى الصلاة، فانطبق عنوان الواجب الغيري على الواجب الغيري والواجب النفسي معًا.

الصلاة واجب نفسي ولها واجب غيري وهو الوضوء الموصل للصلاة، والوضوء الموصل للصلاة له أيضًا مقدّمة وواجب غيري وهو الصلاة، فيلزم التسلسل إلى ما لا نهاية. واضح إشكال التسلسل؟

[الجواب على التقريب الثاني للتسلسل]

ويمكن أن يجاب على التقريب الثاني لبيان التسلسل بوجوه، أهمّها ثلاثة:

الوجه الأوّل: من قال بأنّ الواجب هو خصوص المقدّمة الموصلة لا ينحصر كلامه في تقييد المقدّمة بخصوص الموصل منها، بل يمكن أن يقصد معنًى آخر من دون أخذ قيد التوصّل في المقدّمة، بأنّ يريد أنّ الواجب الغيري هو العلّة التامّة للواجب النفسي. فإذا أُريد بالمقدّمة الموصلة أي العلّة التامّة لتحقّق الواجب النفسي، فهذا لا يعني أخذ قيد الإيصال في المقدّمة.

وهذا الجواب الأول كما يصلح لدفع التقريب الثاني للتسلسل يصلح أيضًا لدفع التقريب الأوّل للتسلسل للميرزا النائيني، إذ كلا التقريبين قائمان على تقييد المقدّمة بالإيصال، وهذا الجواب ينفي وجود قيد الإيصال. وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لمعنى أنّ الواجب الغيري علّة تامّة للواجب.

الوجه الثاني: إنّ مقدّمة المقدّمة إنّما تكون واجبةً بالوجوب الغيري بملاك توقّف ذي المقدّمة عليها، لا بملاك توقّف المقدّمة عليها. إذًا الملاك في الوجوب الغيري ليس توقّف الشيء على مقدّمة، بل توقّف الواجب النفسي على المقدّمة.

يلا تعال معنا إلى الإشكال والمثال: الصلاة واجب نفسي يتوقّف على الوضوء الموصل للصلاة، هذا صحيح، ملاك الوجوب الغيري ينطبق على الوضوء الموصل للصلاة نظرًا لتوقّف الواجب النفسي وهو الصلاة على هذه المقدّمة. لاحظ الآن المقدّمة الثانية الباطلة العاطلة: ثمّ قيل هكذا: وهذا الواجب الغيري - وهو ماذا؟ - الوضوء الموصل يتوقّف على مقدّمة وهي الصلاة، واضح أو لا؟

الكلام هنا: الضابطة انخرمت في الوجوب الغيري، لأنّ ضابط الوجوب الغيري هو أن يكون الواجب النفسي كالصلاة يتوقّف على مقدّمة، وليس ضابط الوجوب الغيري إنّ نفس هذا الوجوب الغيري ـ الوضوء المقيَّد بالصلاة ـ يتوقّف على مقدّمة كالصلاة التي هي واجب نفسي. واضح الإشكال؟ والجواب أو لا؟

إذًا، ملاك الوجوب الغيري هو أنّ الواجب النفسي يتوقّف على مقدّمة، لا أنّ الواجب الغيري يتوقّف على مقدّمة، هذا ليس ملاكًا للوجوب الغيري.

الآن نبحث في المقام: المقدّمة الموصلة بما هي موصلة متوقّفةٌ على ذي المقدّمة، فيكون ذو المقدّمة مقدّمةً للمقدّمة، إلاّ أنّ هذه المقدّمة لا تكتسب الوجوب الغيري لعدم كونها ممّا يتوقّف عليها ذو المقدّمة والواجب النفسي، لأنّها نفسه هذه المقدّمة صارت نفس الواجب النفسي، والشيء لا يتوقّف على نفسه، وإنّما يتوقّف عليه حيثية الإيصال من المقدّمة. إذًا ملاك الوجوب الغيري لا ينطبق على الصلاة؛ الصلاة هي نفس الواجب النفسي ولا يتوقّف الشيء على نفسه، فلا يحصل تسلسل. جواب واضح أو لا؟

أُعيد وأُكرّر: هو ماذا قال في الإشكال؟ قال: الصلاة تتوقّف على الوضوء الموصل، والوضوء الموصل يتوقّف على الصلاة. دَعْنَا نناقش هاتين الجزئيتين، وبعدين ثمّ: والصلاة تتوقّف على الوضوء الموصل، والوضوء الموصل يتوقّف على الصلاة. نحن نريد نمنع التسلسل.

نقول: المقدّمة الأولى صحيحة، الصلاة تتوقّف على الوضوء الموصل، لأنّ مرادنا من الوجوب الغيري ليس مطلق المقدّمة، مرادنا المقدّمة الموصلة والتي يتوقّف عليها الواجب النفسي. هنا الصلاة واجب نفسي وتوقّف على مقدّمة وهي الوضوء الموصل.

ثمّ قال المستشكل: والوضوء الموصل يوصل إلى الصلاة، يعني يتوقّف على الصلاة، فهو مقدّمة إلى الصلاة.

نقول: نحن نسلّم أنّه مقدّمة، الوضوء الموصل له مقدّمة وهي الصلاة، لكن لا نسلّم أنّ الصلاة هي واجب غيري، هذا ما نسلّم به. لماذا لا نسلّم بذلك؟ لأنّ الصلاة هي نفس الواجب النفسي، والشيء لا يتوقّف على نفسه، ومرادنا من الوجوب الغيري هو المقدّمة التي يتوقّف عليها الواجب النفسي ليس مطلق المقدّمة، إذًا تسلسل ما يحصل.

يعني: نحن نسلّم أنّ الوضوء الموصل يعتبر لها مقدّمة وهي الصلاة، لكن لا نسلّم أنّ الصلاة واجب غيري، لأنّ الصلاة هي نفس الواجب النفسي، ما تتوقّف الصلاة على الصلاة.

الوجه الثالث: وهو أنّ هذا التسلسل المذكور ليس بمستحيل، إذ أنّ التسلسل المستحيل هو التسلسل في الوجود. فعندنا نوعان من التسلسل: تسلسل لحاظي وتسلسل وجودي، والمحال هو التسلسل الوجودي، يعني: وجود الأوّل يتوقّف على وجود الثاني، ووجود الثاني يتوقّف على وجود الثالث، ووجود الثالث يتوقّف على ما لا نهاية، هذا هو المحال.

وأمّا التسلسل في اللحاظ، يعني في الالتفات، في الملاحظة، يعني الذي يصلّي إذا التفت يقول: أنا لازم أتوضّأ، وإذا توضّأ والتفت إلى حيثية الإيصال يقول: لا بدّ أن توصلني إلى الصلاة، وإذا التفت إلى الصلاة لا بدّ أن يلتفت إلى الوضوء. أمّا إذا ما التفت ما يحصل تسلسل. إذًا هذا تسلسل في اللحاظ، يعني تسلسل في الاعتبار، تسلسل في الملاحظة.

وهذا الجواب الثالث يصلح لجواب التقريب الثاني والتقريب الأوّل، لأنّ هذا التسلسل ليس من التسلسل المحال وهو التسلسل في الوجود، بل هو من التسلسل الممكن. التسلسل في الوجود يعني في عالم التكوين والموجودات، وأمّا التسلسل في اللحاظ فهو في عالم اللحاظ والاعتبار، والاعتبار سهل المؤونة. إذًا هذا الإشكال ليس بتامّ.

إذًا الإيراد الأوّل وهو لزوم التسلسل ليس بتامّ.

الإيراد الثاني: لزوم المثلين.

يأتي عليه الكلام.


[1] . الفصول في الأصول، الشيخ محمّد حسين بن محمّد رحيم الأصفهاني، ص87.
logo