47/06/11
الدرس (مائتان وخمسة وسبعون): توجيه المحقق الأصفهاني لما نسب إلى الشيخ الأنصاري من اشتراط قصد التوصل بالمقدمة إلى ذي المقدمة
الموضوع: الدرس (مائتان وخمسة وسبعون): توجيه المحقق الأصفهاني لما نسب إلى الشيخ الأنصاري من اشتراط قصد التوصل بالمقدمة إلى ذي المقدمة
وقد حاول الشيخ محمد حسين الأصفهاني[1] توجيه ما نسب إلى الشيخ الأعظم الأنصاري في تقريرات بحثه[2] من أنّ الواجب الغيري هو المقدمة مع قصد التوصل بالمقدمة إلى ذي المقدمة على نحو يكون قصد التوصل من قيود الواجب لا الوجوب.
[تقديم الموضوع والإشكال]
وقد قرّب المحقق الأصفهاني ووجّه هذا الكلام بتقريب مؤلَّف من مقدمتين:
[المقدمة الأولى في تقريب الأصفهاني]
المقدمة الأولى: إنّ الحيثيات التعليلية في الأحكام العقلية العملية والنظرية كلها تقييدية، بحيث تكون هي موضوع ذلك الحكم العقلي، إذاً الحيثية التقييدية موجودةٌ في أحكام العقل النظري وفي أحكام العقل العملي أيضًا.
[شرح وتمثيل للمقدمة الأولى]
مثال ذلك: الحكم بجواز ضرب اليتيم للتأديب، وهذه مقولةٌ من مقولات العقل العملي، أي ما ينبغي أن يعمل وأن يفعل، وموضوعه الضرب التأديبي، إذاً الحيثية التعليلية المأخوذة في الضرب هي تأديب الطفل. ومثال الحكم العقل النظري: الحكم باستحالة الدور للتناقض مثلًا، فالموضوع هو استحالة التناقض لا الدور بما هو دور، إذاً أُخذت حيثية تعليلية في الحكم باستحالة الدور وهي لزوم التناقض.
[تطبيق المقدمة الأولى على محل البحث]
وفي محل بحثنا، وهو وجوب المقدمة كالوضوء للإتيان بذي المقدمة كالصلاة، هنا وجوب المقدمة الثابت بحكم العقل بالملازمة موضوعها التوصل، أي المقدمة الموصلة، لأنّ الموصلية هي الحيثية التعليلية للحكم المذكور.
[خلاصة المقدمة الأولى]
خلاصة المقدمة الأولى: الأحكام العقلية سواء كانت نظرية أو عملية أُخذ فيها حيثية تعليلية، فالمدار كل المدار على العلة، فالحكم يدور مدار العلة وجودًا وعدمًا. وفي محل بحثنا، وهو وجوب المقدمة كالوضوء للصلاة، ما الذي أوجب هذه المقدمة؟ هو حيثية التوصل إلى الصلاة، إذًا هذا القيد يؤخذ في المقدمة الواجبة، أي المقدمة التي توصل إلى ذي المقدمة.
[المقدمة الثانية في تقريب الأصفهاني]
المقدمة الثانية: إنّ التكليف لا يتعلق إلا بالحصة الاختيارية من المتعلَّق، إذ يستحيل البعث والتحريك نحو الحصة غير الاختيارية، فالحصة غير الاختيارية لا تقع مصداقًا للواجب إذ يستحيل التكليف بغير المقدور، فالحصة غير الاختيارية وإن كانت محصِّلة للغرض إلا أنها لا تقع متعلّقًا للأمر والواجب، والعنوان الواجب لا يقع اختياريًا إلا إذا صدر عن قصد وإرادة واختيار له، فإذا كان التوصل بعنوانه هو الواجب الغيري فلا يقع مصداقًا للواجب ما لم يصدر هذا العنوان عن قصد، يُراجع[3] .
خلاصة المقدمة الثانية: الأمر يُراد منه البعث والتحريك، فلا يُعقل البعث والتحريك نحو حصة غير مقدورة وغير اختيارية، وإنما يُعقل البعث والتحريك نحو الحصة الاختيارية، وبحثنا عن المقدمة ووجوب المقدمة التي يُراد منها التوصل إلى ذي المقدمة، وبالتالي الواجب الاختياري هنا هو الذي يصدر عن قصد التوصل إلى ذي المقدمة.
[موقف السيد الخوئي من تقريب الأصفهاني]
وقد اعترف السيد الخوئي رحمه الله بما ذكره أستاذه المحقق الأصفهاني في هذا التقريب لتوجيه كلام الشيخ الأنصاري المنسوب إليه في تقريرات بحثه مطارح الأنظار، فقد سلّم السيد الخوئي رحمه الله بأنّ الحيثيات التقييدية قد أُخذت في الأحكام العقلية دائمًا، سواء كانت من أحكام العقل العملي أو من أحكام العقل النظري.
[بيان نقطة الخلاف الأساسية بين الصدر والخوئي والأصفهاني]
وهذه نقطة خلاف بين السيد الشهيد الصدر وبين السيد الخوئي وأستاذه المحقق الأصفهاني، إذ ذهب السيد الشهيد الصدر إلى أن الحيثيات التقييدية والتعليلية قد أُخذت في خصوص أحكام العقل العملي دون أحكام العقل النظري، بخلاف المحقق الأصفهاني والسيد الخوئي فقد ذهبا إلى أن الحيثيات التعليلية أُخذت في مطلق الأحكام العقلية عملية كانت أو نظرية.
[إشكال السيد الخوئي على أستاذه الأصفهاني]
من هنا أشكل السيد الخوئي بإشكال آخر على أستاذه المحقق الأصفهاني وقال: إنّ ما ذكره المحقق الأصفهاني خارج عن محل البحث وخارج عن المقام، إذ أننا في الواجب الغيري وفي بحث وجوب المقدمة إنما نبحث عن وجوب المقدمة شرعًا لا عن وجوب المقدمة عقلًا، وما ذكره المحقق الأصفهاني من وجود حيثيات تعليلية في أحكام العقل النظري والعملي معًا إنما يرجع إلى الوجوب العقلي لا الوجوب الشرعي، وهذا خارج عمّا نحن فيه، إذ أننا نبحث في وجوب المقدمة عن الوجوب الشرعي لا الوجوب العقلي، والعقل مجرد كاشف عن الوجوب، يُراجع[4] .
[مناقشة الشهيد الصدر لإشكال الخوئي وبيان إشكالية التهافت]
وناقشه الشهيد الصدر أعلى الله في الخلد مقامه[5] ، قائلًا: "مع أنّها ذات تهافت، إذ بعد تسليم رجوع الحيثيات إلى التقييدية في الأحكام العملية والنظرية معًا لا وجه لدعوى خروج محل الكلام عن تلك القاعدة، إذ ليس دور العقل في الأحكام العقلية سوى الكشف والإحراز، وهو واضح خصوصًا في أحكام العقل النظري، فالتسليم بتلك المقدمة مناقضٌ للاعتراض المذكور".
[توضيح مناقشة الصدر وتفصيلها]
وخلاصة مناقشة الشهيد الصدر لأستاذه المحقق السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله: هو أنك لو سلمت بهذه المقدمة، وهي أنّ الحيثيات التعليلية والتقييدية موجودةٌ في مطلق الأحكام العقلية، أي أحكام العقل العملي: (ما ينبغي أن يعمل، ما ينبغي أن يفعل)، وكذلك أحكام العقل النظري: (ما ينبغي أن يُنظر، ما ينبغي أن يُعلم)، فإذا سلمت بهذه المقدمة وقلت: إن هذه الحيثيات التقييدية والتعليلية سارية أيضًا في أحكام العقل النظري كما هي سارية في أحكام العقل العملي، نَسأل هنا: ما المراد بحكم العقل؟ خصوصًا في أحكام العقل النظري (النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان).
[تفريق الصدر بين أنواع الأحكام]
المراد بحكم العقل ليس هو الجعل، المراد بحكم العقل إدراك العقل. إذا قيل: حَكم العقل، يعني أدرك العقل، وبالتالي إذا سلمت بهذه المقدمة الأولى: إن الحيثيات التعليلية موجودة في أحكام العقل النظري والعملي معًا، فحينئذٍ لا داعي لهذا الاعتراض بأننا نبحث في المقدمة الشرعية لا المقدمة العقلية لما سيأتي من أنّ الأحكام الشرعية عبارة عن الجعل والملاك في الجعل الشرعي والحيثيات التي تؤخذ في الأمر الشرعي أيضًا قد تؤخذ في أحكام العقل النظري، سيأتي في المناقشة الأولى.
مثال ذلك: توضيحي، نذكر مثال لأحكام العقل العملي: حسن الأمانة وقبح الخيانة.
يَدٌ بِخَمْسِ مَئينٍ عَسْجُدٍ فُديتمَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِى رُبُعِ دِينَار
فأجاب:
عِزُّ الامَانَةِ أغْلَاهَا وَ أَرْخَصَهَا ذُلُّ الْخِيَانَةِ فَافَهْم حِكْمَةَ الْبَارِي
يقول: هذه اليد ديَتُها خمسمائة دينار عَسجَد (ذهب)، لكن إذا تسرق ربع دينار يقطعونها!
حسن العدل وقبح الظلم، حسن الصدق وقبح الكذب، هذه أحكام العقل العملي، يعني ما ينبغي أن يُعمل، ما ينبغي أن يُفعل هو الصدق والأمانة، وما لا ينبغي أن يُفعل هو الظلم والكذب والخيانة، فدائمًا مصبّ الحكم في أحكام العقل العملي هو ماذا؟ حيثية التقييد، حيثية التعليل.
بخلاف الأحكام الشرعية وأحكام العقل النظري، مثلًا: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾[6] ، فالحيثية المأخوذة في وجوب الصلاة هي الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، لكن بما أنّ هذا الانتهاء غير عرفي أو العرف لا يستطيع أن يشخصه بشكل دقيق، الشارع المقدس أوجب عليه خصوص الصلاة التي هي مقدمة للانتهاء، ولم يوجب عليه نفس الانتهاء ونفس الحيثية.
وهكذا أيضًا بالنسبة إلى أحكام العقل النظري: النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، الدور باطل للتناقض. قد يكون العقل يحكم ببطلان الدور ولا يكون مصبّه على التناقض، مصبّه على نفس بطلان الدور والتسلسل.
فإذاً فرّقٌ بين أحكام العقل النظري وفرّقٌ بين أحكام العقل العملي، في أحكام العقل العملي دائمًا الحكم يدور مدار الحيثية التعليلية والتقييدة، لكن في أحكام العقل النظري وفي أحكام الشرع المقدس الحكم يدور مدار الحيثية التي يحددها الشارع أو الحيثية التي ينظر إليها العقل النظري، بالتالي أحكام الشريعة، وبحثنا هنا ماذا؟ وجوب المقدمة، إذا وجب شيء وجبت مقدمته، هذه من مقولة أحكام العقل النظري لا من مقولة أحكام العقل العملي.
[إعادة صياغة إشكال التهافت على الخوئي]
الآن لنلاحظ إشكال السيد الشهيد الصدر على أستاذه السيد الخوئي، يقول: يا سيدنا الخوئي، أنت سلمت بالمقدمة الأولى إن الحكم يدور مدار الحيثية التعليلية سواءً كان الحكم من أحكام العقل العملي أو من أحكام العقل النظري، إذا سلمت أنه في العقل النظري يدور مدار الحيثية التعليلية، لا بد أن تسلّم أيضًا في الأحكام الشرعية أنها تدور مدار الحيثية التعليلية، وذلك لأن الأحكام الشرعية، وموطن بحثنا الوجوب الغيري "إذا وجب شيء وجبت مقدمته"، هذا صحيح حكم شرعي، لكنه هو أيضًا من أحكام العقل النظري.
أعيد وأكرر الإشكال وأختم: لاحظ كيف يصير تهافت. سيدنا الخوئي تقول: ما ذكره المحقق الأصفهاني في أحكام العقل، وهذا خارج بحثنا إذ بحثنا في الوجوب الشرعي لا الوجوب العقلي.
[جواب الشهيد الصدر على الإشكال من خلال مبناه الخاص]
الجواب: هذا الوجوب الشرعي للمقدمة يرجع إلى أحكام العقل النظري، فإذا سلمت أنه في أحكام العقل النظري يدور الحكم مدار الحيثية التعليلية، لا بد أن تسلّم في الأحكام الشرعية أن الأمر والحكم يدور مدار الحيثيات التعليلية.
لكن إشكال التهافت لا يرد على مبنى الشهيد الصدر، إذ الشهيد الصدر يرى أنّ الحكم يدور مدار الحيثيات التعليلية في خصوص أحكام العقل العملي، ولا يشمل أحكام العقل النظري، والأحكام الشرعية ومنها بحثنا وهو بحث وجوب المقدمة مرجعه إلى أحكام العقل النظري.
وبالتالي يقول السيد الشهيد الصدر رحمه الله: في الأحكام الشرعية وفي أحكام العقل النظري لا يدور الأمر مدار الحيثيات التعليلية، بل يدور الأمر مدار نظر الجاعل في الأحكام الشرعية ومدار نظر العقل في أحكام العقل النظرية.
[خاتمة المقطع والإشارة إلى ما يأتي]
يعني يا سيدنا الخوئي، إذا سلمت بأن الحكم يدور مدار الحيثيات التعليلية مطلقًا، يعني في أحكام العقل العملي وأحكام العقل النظري، لا بد أن تسلّم أن الحكم يدور مدار الحيثيات التعليلية في مقدمة الواجب شرعًا، لأنّ مرجع مقدمة الواجب شرعًا إلى مقولة أحكام العقل النظري.
هذا تمام الكلام في مناقشة الشهيد الصدر لجواب السيد الخوئي رحمه الله على المحقق الأصفهاني، يبقى الكلام في خمس مناقشات للشهيد الصدر لكلام المحقق الأصفهاني.
يأتي عليها الكلام.