« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/06/01

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس (مائتان وتسعة وستون): إشكال الطهارات الثلاث

الموضوع: الدرس (مائتان وتسعة وستون): إشكال الطهارات الثلاث

 

[مقدمة: إشكال مناقضة الطهارات لخصائص الواجب الغيري]

الجهة الرابعة: وهي في الكلام عن خصوصية أخرى للأمر الغيري، وهي كونه توصلياً بمعنى عدم توقف الأمر الغيري على أكثر من الإتيان بمتعلقه من دون أن يحتاج إلى أزيد من ذلك كقصد نية القربى، لأن الأمر الغيري لا يمكن تعلقه إلا بواقع ما هو مقدمة، والفرض من الواجب الغيري لا يُعقل إلا أن يكون إلا التمكين من ذي المقدمة، إذاً وظيفة الأمر الغيري هو التمكين من ذي المقدمة، والتمكين من ذي المقدمة ليس فيه نية القربة.

ومن الواضح أن التمكين من ذي المقدمة يحصل بمجرد الإتيان بالمقدمة، وهذا هو معنى الأمر التوصلي عند مشهور الأصوليين، فإنهم يرون أن الأمر التوصلي هو ما لا يحتاج للخروج عن عهدته إلى أكثر من الإتيان بمتعلقه، ويعرِّفون الأمر التعبدي بأنه ما يحتاج للخروج عن عهدته إلى الإتيان بأكثر من متعلقه وهو قصد نية التقرب إلى الله، وقصد الأمر عندهم لا يُعقل أخذه في متعلق الأمر، إذ فيحتاج إلى أكثر من الإتيان بمتعلقه.

إذاً، بناءً على هذا التعريف للأمر التوصلي والأمر التعبدي يُقال إن الأمر الغيري أمر توصلي لأنه لا يحتاج في مقام الخروج عن عهدته إلى أكثر من الإتيان بالمقدمة وبمتعلق الأمر، فالغرض من المقدمة هو التمكين من ذي المقدمة، والتمكين من ذي المقدمة يحصل بالإتيان بالمقدمة التي هي متعلق الأمر الغيري، إذاً الأمر الغيري لا يتوقف على شيء آخر فيكون توصلياً.

مثال ذلك: لو وجب الكون على السطح وصعود السلم مقدمة للصعود على السطح، فالواجب النفسي هنا هو الكون على السطح ومقدمته هي صعود السلم أو صعود المصعد الكهربائي، فهنا لا يُشترط في صعود السلم أو المصعد أمر آخر غير التوصل إلى صعود السطح.

[طرح الإشكال: كيف تشترط النية في الطهارات مع أنها أوامر غيرية توصليه؟]

ومن هنا يأتي إشكال الطهارات الثلاث: الوضوء والغسل والتيمم. فالواجب النفسي هنا هو وجوب الصلاة، والوضوء مقدمة للصلاة، فالوضوء واجب غيري، وهذا الواجب الغيري توصلي غير مشروط بقصد القربة، فيُراد بالوضوء ليس إلا التوصل إلى الصلاة. فكيف يُشترط نية القربة في الوضوء والغسل والتيمم؟ فهذه الطهارات الثلاث إنما وجبت بالوجوب الغيري، والواجب الغيري لم يُؤخذ فيه إلا التوصل إلى ذي المقدمة والواجب النفسي، فالطهارات الثلاث لا إشكال في مقدميتها وكونها واجبات غيرية، إلا أنها لا تنطبق عليها خصائص الواجب الغيري، إذ أُخذ في الطهارات الثلاث قصد القربة، وترتب الثواب عليها مع أن الواجب الغيري لا يترتب عليه لا ثواب ولا عقاب، والواجب الغيري لا يُشترط فيه قصد القربة وغير ذلك، نعم يُشترط فيه فقط التوصل إلى ذي المقدمة.

[التقريب الأول للإشكال وبيان الجواب عنه]

ومن هنا قُرِّب إشكال الطهارات الثلاث بعدة تقريبات، نذكر منها ثلاثة:

التقريب الأول: لا إشكال بأن الخروج عن عهدة الأمر الغيري المتعلق بالطهارات الثلاث لا يكون إلا بالإتيان بالطهارات الثلاث على وجه التقرب إلى الله والتعبد بما أمر به، فلو لم يأتِ المكلف بالطهارات الثلاث على وجه قربي لم يأتِ بما هو المطلوب ولم يخرج عن عهدة المقدمية.

وحينئذ يأتي هذا الإشكال وهو أن التعبد والتقرب غير مقدور للمكلف، لأن المكلف لا يمكن أن يتقرب بالمقدمة والأمر الغيري، كيف يتقرب بالمقدمة قاصداً الأمر الغيري المتعلق بالمقدمة مع أن الأمر الغيري ووجوب المقدمة لم يُؤخذ فيه إلا التوصل إلى ذي المقدمة ولم يُؤخذ في الواجب الغيري والأمر الغيري ما هو أزيد من التوصل إلى الواجب النفسي وذي المقدمة؟

إذاً، نفس الأمر الغيري غير مقرِّب ولم يُؤخذ فيه قصد التقرب إلى الله، فالأمر الغيري غير مقرِّب وغير مُبعِد، الأمر الغيري وظيفته التوصل إلى ذي المقدمة، فالأمر الغيري غير موجب لاستحقاق الثواب وغير موجب لاستحقاق العقاب على تركه.

إذاً، ما هو منشأ أن يأتي المكلف بالواجب الغيري بنحو قربي في الطهارات الثلاث: الوضوء والغسل والتيمم مع أن التعبد والتقرب يتوقفان على أمر بالفعل صالح للمقربية نحو المولى، ونفس الأمر الغيري غير صالح للمقربية، إذاً كيف تكون الطهارات الثلاث قربية؟

ألخص التقريب الأول بإيجاز: الواجب الغيري أُخذ فيه التوصل إلى الواجب النفسي فقط، ولم يُؤخذ فيه أزيد من ذلك كقصد القربة، فكيف يُدَّعى أن الطهارات الثلاث هي واجب غيري ويُشترط فيها قصد القربة والحال أنه لا يمكن التقرب بنفس الواجب الغيري، لأن الواجب الغيري لم يُؤخذ فيه قصد القربة؟

[الجواب عن التقريب الأول: التحريك يأتي من الأمر النفسي (الصلاة)]

الجواب: سهل، لا نلتزم أن التقرب في الطهارات الثلاث يحصل بامتثال الواجب الغيري، بل يحصل بامتثال الواجب النفسي الذي هو الصلاة، لأن الواجب النفسي وهو الصلاة يقتضي سد جميع أبواب العدم، لا بد من ترك جميع الأشياء التي توجب عدم الصلاة، ومنها عدم التقرب إلى الله عند التوضأ أو الاغتسال أو التيمم.

إذاً الجواب: إن التقرب بالطهارات الثلاث من ناحية الأمر الغيري المتعلق بها وإن كان غير ممكن، لكن التقرب بالطهارات الثلاث من ناحية نفس الأمر النفسي المتعلق بذي المقدمة ممكن، وهو المسمى بقصد التوصل، باعتبار أن الأمر المتعلق بذي المقدمة كالأمر بالصلاة يحرِّك نحو سد تمام أبواب العدم لذي المقدمة، ومن جملة أبواب العدم عدم الصلاة بسبب عدم الطهارات.

إذاً الأمر بذي المقدمة كالصلاة له محركية نحو الطهارات، وهنا يمكن للمكلف أن يأتي بإحدى الطهارات الثلاث بلحاظ محركية الأمر النفسي المتعلق بذي المقدمة، وبذلك يكون العمل قربياً، لما تقدم من أن المقدمة المأتي بها بقصد التوصل إلى ذيها محسوبة على المولى فتدخل في تحديد العوض. واضح إن شاء الله التقريب الأول وجوابه.

[التقريب الثاني للإشكال: سقوط الواجب الغيري لا يتوقف على النية]

التقريب الثاني وهو تعميق للتقريب الأول، والتقريب الثالث تعميق للتقريب الثاني.

مفاد التقريب الثاني: إننا نسلم بأن الإتيان بالطهارات الثلاث على وجه قربي وعبادي أمر ممكن للمكلف، يعني سلمنا بجواب التقريب الأول. كيف يكون ممكن؟ إذا قصد امتثال الأمر النفسي، قصد امتثال الأمر بذي المقدمة.

ولكن يُشكل بأن الأمر الغيري لا يمكن أن يكون سقوطه متوقفاً على قصد القربة، لأن الأمر الغيري أمر توصلي، والمقصود منه التوصل إلى ذي المقدمة، وهذا أمر يتحقق بمجرد الإتيان بالمقدمة بأي وجه اتفق، قصد القربة أو لم يقصد.

أعيد وأكرر التقريب الثاني: يقول التقريب الثاني تجاوزنا مشكلة التقريب الأول، وقلنا يمكن الإتيان بالطهارات الثلاث بوجه قربي إذا قصدنا امتثال الأمر النفسي ولم نقصد امتثال الأمر الغيري، لكن التقريب الثاني يستشكل بأن الأمر الغيري لا يسقط... الأمر الغيري يكفي في سقوطه الإتيان بالمقدمة المجردة عن أي شرط آخر، المهم أن المقدمة توصل إلى ذي المقدمة، هذا يكفي في سقوط الأمر الغيري، إذاً سقوط الأمر الغيري لا يتوقف على قصد القربة، سقوط الأمر الغيري يكفي فيه الإتيان بالمقدمة.

أكرر ثالثاً إشكال التقريب الثاني: الأمر الغيري سقوطه يتوقف على الإتيان بالمقدمة، ولا يتوقف سقوطه على أكثر من ذلك وهو نية القربة.

ويُجاب على هذا الإشكال ببيانين:

البيان الأول سلس عرفي، والبيان الثاني فيه التواءات ومعقد وقابل للنقاش.

[البيان الأول (العرفي): العبادية شرط في صدق "المقدمة" في الطهارات]

البيان الأول: أن نلتزم أن نفس المقدمة، نفس ذات المقدمة أُخذ فيها القربية والعبادية. وبعبارة أخرى: عندنا كبرى وعندنا صغرى.

ما هي الكبرى؟ إن الأمر الغيري يسقط بالإتيان بالمقدمة من دون شرط قصد القربة، هذا نسلم به.

يقع الكلام في الصغرى: ما هي هذه المقدمة في الطهارات الثلاث؟ نفس المقدمة التي هي هذه الصغريات الثلاث، الطهارات الثلاث، نفس المقدمة أُخذ فيها قصد القربة، فقصد القربة لم يُؤخذ في أصل الأمر الغيري بل في مصداق الأمر الغيري. اتفركش الإشكال.

إذاً مفاد البيان الأول: إن الفرض من الأمر الغيري هو التوصل إلى الواجب النفسي، والتوصل إلى الواجب النفسي يتحقق بمجرد الإتيان بالمقدمة، هذا نسلم به، هذه الكبرى نسلم بها. لكننا ندعي أن صغرى المقدمة عبادية، أي مصداق المقدمة أُخذ فيه قصد القربة.

إذاً، عبادية الطهارات دخيلة في وقوعها مقدمة، أي لكي يصدق عليها أنها مقدمة للصلاة لا بد أن يُؤتى بها على وجه قربي.

بتفصيل آخر: الوضوء على نحوين: وضوء بدون قصد قربة، ووضوء مع قصد القربة.

سؤال: أيهما يشكل مقدمة للصلاة؟

الجواب: الوضوء مع قصد القربة هو المقدمة للصلاة، والوضوء بدون قصد القربة ليس مقدمة للصلاة.

لاحظ البيان الأول: البيان الأول عرفي، يعني أصل كبرى أن الأمر الغيري لا يتوقف على قصد القربة، هذا مسلَّم. ولكن في خصوص الطهارات الثلاث، نفس المقدمة لا يصدق عليها أنها مقدمة إلا إذا تضمنت قصد القربة.

فهذا لا تنافي بين أن الأمر الغيري يُراد منه مجرد التوصل إلى الأمر النفسي، إن الأمر بالمقدمة يُراد به مجرد التوصل إلى ذي المقدمة، لكن يقع الكلام في ذات المقدمة وكيف تتحقق المقدمية لها ومتى يصدق عليها أنها مقدمة؟

الجواب: إذا كانت عبادية، إذا جيء بها بنية قصد القربة.

هذا البيان الأول وهو تام.

[البيان الثاني (المعقد): المقدمة عنوان قصدي (تعظيم) لا نفس الغسل والمسح]

البيان الثاني: للمحقق الخراساني صاحب الكفاية، وقد نقله عن تقريرات الشيخ الأعظم الأنصاري وناقشه أيضاً ولم يقبله.

مفاد البيان الثاني: لاحظ البيان الأول ماذا مفاده؟ إن المقدمة نفس الغسلات والمسحات. نحن الوضوء غسلتان عندنا ومسحتان والكتاب معنا، فالغسلتان الوجه واليدين، والمسحتان الرأس والرجلين، كما في أرجوزة السيد مهدي بحر العلوم رحمه الله، فالوضوء نفس الغسلات والمسحات مع قصد القربة.

البيان الثاني: الطهارات الثلاث والوضوء ليس نفس المسحات والغسلات، بل الوضوء أمر ملكوتي قد يخفى علينا، فالمقدمة هي الوضوء المعنون بعنوان لاهوتي لا نعرفه، وهذا العنوان عنوان قصدي بمعنى أن العنوان لا ينطبق على مصداقه إلا إذا قُصد.

بيان ذلك: إن العناوين على قسمين: عناوين قصدية، وعناوين غير قصدية.

القسم الأول: العنوان غير القصدي كالضرب والقتل والخدش، فالمهم أن ينطبق على مصداقه خارجاً، قصد القتل والضرب والخدش أو لم يقصد، يكفي تحريك اليد للضرب أو القتل أو الخدش، قصد عنوان القتل والضرب والقتل أو لم يقصد. إذاً الضرب هذا ليس من العناوين القصدية.

القسم الثاني: العناوين القصدية. والعنوان القصدي لا ينطبق على مصداقه خارجاً إلا إذا قصد ذلك العنوان وأشار إليه في عالم النفس، كعنوان التعظيم. فلا يصدق على القيام أنه تعظيم إلا إذا قصد التعظيم داخل نفسه، يمكن يقوم يريد يحرك عضلاته، ما يصدق على القيام أنه تعظيم، متى يصدق عليه أنه تعظيم؟ إذا قصد التعظيم، فيُقال التعظيم من العناوين القصدية.

فهنا يُقال: إن المقدمة الواجبة ليست هي ذات الوضوء المؤلف من مسحتين وغسلتين، بل الواجب في الوضوء هو عنوان التعظيم الذي هو أمر قصدي، فالمقدمة هي الوضوء بعنوان قصدي من قبيل عنوان التعظيم، بحيث لا يُعقل تحقق ذلك العنوان خارجاً إلا إذا قُصد.

من أين نعرف أن هذا يعظم أم لا يعظم؟ هو الآن يتوضأ، ما ندري يتوضأ استهزاءً أو يتوضأ تعظيماً؟

الجواب: هناك عنوان مُشير إلى التعظيم وهو الأمر، فالوضوء بقصد امتثال الأمر هذا تعظيم، والوضوء لا بقصد امتثال الأمر هذا ليس بتعظيم.

ليس لازم تقصد الشيء تفصيلاً، يكفي القصد الإجمالي.

إذاً، الواجب هو الوضوء بعنوان قصدي، الأعم من القصد التفصيلي أو القصد الإجمالي، فتكون النتيجة المهم في الوضوء أن يكون تعظيماً بامتثال الأمر، يعني قصد القربة، قصد التقرب إلى الله بامتثال هذا الأمر، بالتالي لا ينافي ذلك يمكن أنه تأتي بالطهارات الثلاث مع قصد امتثال الأمر.

[مناقشة البيان الثاني وبيان إشكاله]

أطوّل المسافة بعيدة، والحال أنه الجواب الأول عرفي، أنه ذات المقدمة أُخذ فيها العبادية.

هذا البيان الملتوي والطويل والمعقد، بعد فيه إشكال، يلزم منه كفاية أخذ التعظيم كصفة وإن لم يؤخذ كغاية؟ كما لو قال المكلف: «أتوضأ قربة إلى الله وتعظيماً له»، هنا وصف الوضوء بأنه تعظيم، وصف الوضوء بأنه قربة.

لما يسألونه: أنت لماذا توضأت؟ يقول: ما أدري. أو: أنت لماذا توضأت؟ قال: تبركاً أنا أتوضأ تبركاً، فهنا القربة ما صارت غاية، القربة صارت صفة، ويلزم من هذا الكلام الاكتفاء بوجود القربة مطلقاً، سواء كانت صفة أو كانت غاية.

أعيد وأكرر الإشكال: البيان الثاني ماذا يقول؟ يقول المقدمة أُخذ فيها التعظيم.

سؤال: أُخذ فيها التعظيم كصفة أو كغاية؟ ما يُفهم من هذا البيان أُخذ فيها التعظيم كصفة، يلا خلنا نصف الوضوء بأنه تعظيم، هذا المكلف توضأ بوضوء صفته أنه تعظيم، لكن لما تسأله: ما هي غايتك من هذا الوضوء؟ قال: التبرك.

بناءً على البيان الثاني يكفي التعظيم كصفة، ويكفي التقرب كصفة، وإن لم يكن غاية، إذاً البيان الثاني ليس بتام، البيان الأول تام، فيرتفع إشكال التقريب الثاني.

التقريب الثالث يأتي عليه الكلام.

logo