« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/05/28

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس (مائتان وثمانية وستون): الوجه الرابع لعدم صحة التقرب بالأمر الغيري بمعزلٍ عن الأمر النفسي

الموضوع: الدرس (مائتان وثمانية وستون): الوجه الرابع لعدم صحة التقرب بالأمر الغيري بمعزلٍ عن الأمر النفسي

 

[الوجه الرابع: انعدام الأثر (الثواب والعقاب) للأمر الغيري منفرداً]

الوجه الرابع: لعدم صحة التقرب بالأمر الغيري بمعزل عن الأمر النفسي، ما تقدم سابقاً من أن الأمر الغيري لا يترتب على موافقته ثواب ولا على مخالفته عقاب، إذاً فلا أثر ولا تقرب يترتب على الفعل الذي يكون بتحريك الأمر الغيري فقط، فكيف يعقل تحريك الأمر الغيري وحده، وكيف يعقل التقرب إلى الله بالإتيان بالفعل بداعوية الأمر الغيري وحده بمعزل عن الأمر النفسي؟

[الاعتراض المطروح: إمكان زيادة الثواب بتحريك الأمر الغيري وحده]

فإن قلت: إن امتثال الأمر الغيري وإن لم يكن مقرباً وموجباً للثواب بلحاظ الأمر الغيري، ولكن قد مضى وتقدم أن الإتيان بالمقدمة يزيد في حجم ثواب العمل على وفق الأمر النفسي، فيقع الكلام في أن الذي يزيد في حجم ثواب العمل بالأمر النفسي: هل هو خصوص الإتيان بالمقدمة بداعي الأمر النفسي لذي المقدمة، أو يكفي في زيادة حجم الثواب في العمل بالأمر النفسي الإتيان بالمقدمة بداعي الأمر الغيري؟

وهذا الوجه الرابع لا يبرهن على الأمر الأول وهو أن الذي يزيد في حجم ثواب العمل خصوص الإتيان بالمقدمة بداعي الأمر النفسي لذي المقدمة.

[الجواب: تحليل الاحتمالين المنطقيين لتحريك المكلف نحو المقدمة]

قلت: إن هذا الذي يأتي بالمقدمة كالوضوء لا يخلو الأمر من أنه إما كان متحركاً بالأمر النفسي إلى الإتيان بذي المقدمة أو لا لم يكن متحركاً بالأمر النفسي إلى الإتيان بذي المقدمة؟

[الاحتمال الأول: تحريك المقدمة بواسطة الأمر النفسي (لا الغيري)]

فعلى الأول: وهو أنه لو أتى بالمقدمة وكان متحركاً بالأمر النفسي، أي أتى بالوضوء لكن الذي حركه نحو الوضوء هو الأمر بالصلاة، فلا محالة حينئذ يكون هذا الأمر النفسي بالصلاة هو المحرك له نحو المقدمة، فيكون الأمر بذي المقدمة كالصلاة يحرك نحو المقدمة كالوضوء، إذاً لم يكن الإتيان بالمقدمة بتحريك الأمر الغيري وحده، بل كان الإتيان بالمقدمة كالوضوء إنما هو بداعي تحريك الأمر بذي المقدمة كالصلاة، هذا على الاحتمال الأول.

[الاحتمال الثاني: تحريك المقدمة بمعزل عن الأمر النفسي (وعدم تحقق الثواب)]

وعلى الاحتمال الثاني: وهو أن من أتى بالمقدمة كالوضوء لم يكن متحركاً بداعي الأمر النفسي ولم يحركه الأمر بالصلاة، فحينئذ لا ثواب على العمل وفق الأمر النفسي، لأنه لم يصلِّ عن وضوءٍ مقدِّمي، حتى يتكلم في أن الإتيان بالمقدمة بداعي الأمر الغيري هل يزيد في حجم الثواب أو لا؟

[النتيجة: استحالة قصد التقرب بالأمر الغيري منفرداً]

إذاً، يتبرهن بذلك أنه لا يمكن التقرب بقصد الأمر الغيري وحده، ولا يكون الأمر الغيري كافياً للتحريك.

خلاصة الوجه الرابع: إن الأمر الغيري كالأمر بالوضوء ليس كافياً للتحريك لوحده، وبالتالي لا يمكن التقرب إلى الله بقصد الأمر الغيري وحده دون قصد امتثال الأمر النفسي.

[مناقشة محتملة للوجه الرابع والرد عليها]

ولكن قد يناقش في هذا الوجه الرابع بافتراض فرضية وهو أنه إذا فُرض أن شخصاً أتى بالمقدمة بتحريك أمر الغيري فقط دون الأمر النفسي، كأن توضأ بالأمر الذي أمر بالوضوء وليس امتثالاً للأمر بالصلاة، لكنه يعلم بأنه سوف يحدث له بعد الإتيان بالمقدمة والوضوء داعٍ إلى امتثال الأمر النفسي، كما لو أراد أن يذهب إلى رحلة ويعرف سيصلون جماعة، وإذا وقفوا سيصلي معهم، هو الآن حينما توضأ لم يقصد أن يتوضأ لكي يصلي معهم جماعة، بل قصد الوضوء فقط من دون قصد امتثال أمر الصلاة، ولكنه يعلم أنه سيحصل داعي لامتثال الأمر النفسي والأمر بالصلاة، فيأتي بذي المقدمة وهي الصلاة بتحريك الأمر النفسي، ففي مثل هذا المورد يمكن البحث أنه: هل هذه المقدمة التي جاء بها كالصلاة [كالوضوء] تؤثر في حجم ثواب امتثال أمر ذي المقدمة أول؟ قد يناقش بهذا.

ولكن الصحيح أن الوجه الرابع تام، إذ أن الأمر الغيري ليست له محركية مستقلة ولا يكفي للتحريك لوحده، ولا يمكن التقرب بقصد الأمر الغيري وحده.

[الوجه الخامس (الأقوى): مبنى التطابق في الإرادة والانفعال (ويشمل المقدمة الموصلة وغير الموصلة)]

الوجه الخامس والأخير: وهو أقواها وهو أسدها، وهو ليس مبني على خصوص وجوب المقدمة الموصلة، بل يتم حتى على مبنى وجوب مطلق المقدمة، سواء كانت موصلة أو لم تكن موصلة.

بيان ذلك: إن العبد إنما يكون مورداً للمجازاة والثواب بحكم العقل إذا جعل نفسه كأنه هو المولى امتداداً وتنزيلاً، أي أن العبد امتداد للمولى وينزل نفسه منزلة المولى، هذا الامتداد وهذا التنزيل يستدعي التطابق بين إرادة العبد وإرادة المولى، فلو كان المولى هو المباشر لكانت إرادة المولى للوضوء غيرية لا نفسية، فالمولى الذي - طبعاً المولى العرفي كلامنا - الذي أمر بالصلاة أو أمر بالصعود إلى السطح وكان صعود السلم مقدمة للصعود إلى السطح، فإن المولى لو باشر الصعود بسلّم أو اصانصير، فإن المولى يرى أن الفرح والانفعال إنما هو بالصعود إلى السطح لا بدخول الاصانصير أو صعود السلم، فإذا أراد العبد أن يطابق عضلاته وسكناته وسلوكياته وفقاً لحركات وسكنات المولى، فالعبد إنما يستحق الجزاء والثواب لو تعلقت إرادته بعين ما تعلقت به إرادة المولى، والمولى إرادته للصلاة نفسية وإرادته للوضوء غيرية، وإرادته لصعود السطح نفسية ولدخول الاصانصير أو صعود السلم غيرية، إذاً العبد يستحق الجزاء لو طابق عمله وتحركه وإرادته إرادة المولى.

ولبيان الضابطة نقول: إن موضوع الثواب المولوي هو العمل بداعي تحقيق ما هو الثواب الانفعالي، وموضوع الثواب الانفعالي إنما هو تحقيق الفائدة للشخص وتحصيل غرضه وتفريحه، ومن الواضح أن المولى يفرح بالنتيجة وهي الصلاة أو الصعود إلى السطح، ولا يفرح بمقدمة النتيجة كالوضوء أو صعود السلم، فمن الواضح أن الإتيان بالمقدمة كصعود السلم والوضوء بداعي الأمر المقدمي فقط دون امتثال الأمر النفسي ليس إتياناً بالمقدمة بداعي تحقيق الفائدة للمولى وتفريحه، بخلاف الإتيان بالمقدمة بداعي امتثال ذي المقدمة وهو الأمر النفسي المتعلق بذي المقدمة، فإنه يفرح المولى.

الخلاصة: موضوع الثواب هو الإتيان بالعمل بداعي تحقيق موضوع الثواب الانفعالي، والانفعال يتحقق بالإتيان بالمقدمة للوصول إلى ذي المقدمة، هنا يفرح المولى، وأما الإتيان بالمقدمة بداعي نفس المقدمة من دون نظر إلى ذي المقدمة فهنا المولى لا يفرح، فلو صعد في الاصانصير وانقطعت الكهرباء وبقي ساعة بل ساعات ولم يصعد إلى السطح، فإن المولى لا يفرح بل يحزن، فالإتيان بالأمر المقدمي لوحده لا يوجب انفعال المولى ولا يوجب فرح المولى، وإنما الذي يفرحه هو الإتيان بالأمر النفسي.

وهذا التقريب كما يتم في المقدمة الموصلة يتم أيضاً في المقدمة غير الموصلة، فهذا التقريب الخامس والأخير هو أحسن الوجوه وألطفها في مقام بيان هذا التلازم بين امتثال الأمر الغيري وامتثال الأمر النفسي، ولا يختص بفرض القول بخصوص المقدمة الموصلة، بخلاف الوجوه السابقة فإنها مبنية على وجوب خصوص المقدمة الموصلة.

[مناقشة إشكال المحقق العراقي على الوجه الخامس والرد عليه]

ولا يعترض على هذا الوجه بما اعترض به المحقق العراقي رحمه الله، يُراجع[1] ، وأيضاً نتائج الأفكار تقرير المحقق العراقي رحمه الله من قبل الميرزا هاشم العاملي رحمه الله، طُبع هذا التقرير في النجف.

وحاصل إشكال المحقق العراقي هو: النقض بأن إرادة المولى للصلاة غيرية، لأن المولى إنما يريد الصلاة باعتبار ما فيها من مصالح وفوائد.

فلاحظ معي: فالمطلوب النفسي عند الله من الصلاة هي أنها قربان كل تقي، هي أنها معراج المؤمن، وأما نفس الصلاة فهي واجبة لغيرها.

إذاً، الواجب بالوجوب النفسي عند الله هو العروج والانتهاء عن الفحشاء والمنكر، ومقدمته الصلاة التي هي الواجب الغيري، بينما العبد يرى أن الصلاة واجبة بالوجوب النفسي لا المقدمي، فلو التزمنا بهذه الكبرى وهي أن العبد لا بد أن يطابق إرادته على وفق إرادة المولى، لَلزم النقض بالصلاة، فإن العبد يرى أن الصلاة واجبة بالوجوب النفسي ويجب لها الوضوء غيراً، بينما المولى يرى أن الصلاة واجبة بالوجوب الغيري والواجب النفسي هو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر.

فلو اشترطنا تطابق الإرادتين في استحقاق الثواب لَزم عدم استحقاق الثواب على الصلاة هنا، لأن إرادة العبد غايرت إرادة المولى، ومع عدم تطابق الإرادتين لا يستحق العبد الثواب، هذا مشكل بعد الناس تصلي وما تحصل ثواب!

[حل الإشكال: التفريق بين إرادة المولى (بما هو عاقل) وإرادته (بما هو مولى)]

لكن هذا النقض ليس بوارد، لأن المدعى في هذا التقرير يمكن أن يُبين ببيان لا يرد عليه هذا النقض، بأن نقول: إن اللازم هو التطابق بين الإرادتين بعد إعمال المولى لمولويته وولايته.

يلا لاحظ معي: المولى يريد الانتهاء عن الفحشاء والمنكر ويريد أن يعرج المؤمن إليه، هذا قبل أن يعمل ولايته، قبل أن يعمل مولويته، لكن حينما أعمل مولويته أوجب خصوص الصلاة ولم يوجب كل عروج، لأنه ليس كل الناس تقدر على العروج، إذاً من لحظة إعمال المولوية يكون الواجب النفسي هو الصلاة وليس عروج المؤمن.

ولتوضيح ذلك نقول: عندنا ثلاث نقاط: الوضوء، والصلاة، وفائدة الصلاة التي هي الانتهاء عن الفحشاء والمنكر والعروج إلى الله، والمولى له حيثيتان: كالمولى العرفي له إرادة بما هو كائن عاقل، وله إرادة بما هو مولى، فهذا المولى العرفي له إرادة بما هو كائن عاقل وهو فائدة الصلاة: الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، أنها معراج كل تقي، ولكن أول إرادة له بعد إعمال مولويته إنما هي إرادة الصلاة، فليس المقصود مطلق إرادة المولى، ليس المقصود من تطابق إرادتين: إرادة العبد وإرادة مطلق إرادات المولى، بل المراد المطابقة مع خصوص إرادة المولى المولوية، وليست إرادة المولى بما هو كائن عاقل ويريد فائدة، واضح إن شاء الله؟

إذاً أول إرادة تثبت للمولى بما هو مولى إنما هي الصلاة، فإن المولى سجّل على العبد الصلاة ولم يسجل على العبد تلك الفائدة، إذ أن المولى أراد تلك الفائدة بما هو كائن عاقل ولم يُرِدها بما هو مولى، إذ لم يسجلها في عهدة العبد، فبدأ المولى مولويته من النقطة الثانية وهي الصلاة، ولم يبدأ من النقطة الأولى وهي العروج، إذاً إرادة المولى بما هو كائن عاقل تبدأ من الفائدة، وإرادة المولى بما هو مولى تبدأ من الصلاة، واللازم تطابق كيفية الإرادتين: إرادة العبد وإرادة المولى من حين تبدأ الإرادة المولوية ويبدأ المولى إعمال ولايته كمولى، فهذه الدعوى صحيحة ومقبولة وجداناً ولا نقض عليها، وتفسر لنا كيف لا يعقل قصد الأمر الغيري من دون قصد الأمر النفسي، لأن الذي يوجب انفعال المولى إنما هو خصوص الأمر النفسي لا الأمر الغيري.

[الخاتمة: ترجيح الوجوه وتحديد الأسد منها]

هذا تمام الكلام في الجهة الثالثة، واتضح أن أسد هذه الوجوه هو الوجه الخامس، وأيضاً الوجه الثاني والوجه الرابع أيضاً تامين، وبالتالي لا يصح التقرب بالأمر الغيري فقط دون قصد امتثال الأمر النفسي.

الجهة الرابعة: إشكال الطهارات الثلاث، يأتي عليها الكلام.


logo