« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/05/27

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس (مائتان وسبعة وستون): عدم صحة التقرب بالأمر الغيري بمعزل عن الأمر النفسي

الموضوع: الدرس (مائتان وسبعة وستون): عدم صحة التقرب بالأمر الغيري بمعزل عن الأمر النفسي

 

[المقدمة: طرح الإشكال ومناقشة المشهور]

هل يمكن التقرب إلى الله بالأمر الغيري المتعلق بالمقدمة كالوضوء فيقصد امتثال الوضوء فقط ولا يقصد امتثال الأمر النفسي المتعلق بذي المقدمة كالصلاة؟ فهل يصح التقرب بالوضوء الذي هو واجب غيري من دون قصد امتثال الواجب النفسي كالصلاة؟ المشهور أن هكذا تقرب غير معقول في ذاته، ويمكن تقريب عدم المعقولية بعدة وجوه:

[الوجه الأول: مبني على وجوب المقدمة الموصلة]

الوجه الأول: وهو مبني على المقدمة الموصلة، فلا يجب مطلق المقدمة سواء أوصلت أو لم توصل، وإنما الواجب الغيري يتعين في خصوص المقدمة الموصلة إلى الواجب النفسي، فلا يجب الوضوء مطلقاً بل يجب خصوص الوضوء الذي تقع بعده الصلاة، فالوضوء الموصل إلى الصلاة بالخصوص هو الواجب، فيقال حينئذ إن الأمر الغيري متعلق بخصوص المقدمة الموصلة، فقصد امتثال الأمر الغيري معناه قصد الإتيان بالمقدمة مع الإيصال إلى ذي المقدمة، وذلك بالإتيان بذي المقدمة.

وبعبارة أخرى: عندنا أمر وعندنا متعلق للأمر، ومتعلق الأمر ليس ذات المقدمة فقط بل المقدمة مع إضافة قيد التوصل إلى ذي المقدمة، إذاً متعلق الأمر الغيري مكون من جزأين: الجزء الأول ذات المقدمة، والجزء الثاني إيصال المقدمة إلى ذي المقدمة، إذاً قصد امتثال الأمر الغيري ملازم دائماً لقصد التوصل لأن التوصيل قيد أو جزء في متعلق الأمر الغيري.

الخلاصة: الأمر الغيري له متعلق مكون من جزأين: الأول قصد المقدمة، الثاني قصد التوصل بالمقدمة إلى ذي المقدمة، إذاً لا يُعقل قصد الأمر الغيري من دون قصد التوصل إلى الأمر النفسي.

[مناقشة الوجه الأول وبيان قصوره]

لكن هذا الوجه فيه مغالطة، فإن قصد الإتيان بمتعلق الأمر الغيري وإن فرضنا استبطانه لقصد التوصل إلى ذي المقدمة، لكن الكلام في أن قصد التوصل هذا هل كان بمحركية الأمر الغيري من باب أن هذا التوصل قيد أو جزء في متعلق الأمر الغيري أو كان بمحركية الأمر النفسي؟

فلو سلمنا بهذا الكلام وقلنا إن من يمتثل الأمر الغيري لا بد أن يقصد أمرين: الأول قصد الإتيان بالمقدمة، الثاني قصد إيصال المقدمة إلى ذي المقدمة، ونحن نسأل: إن قصد الإيصال إلى ذي المقدمة ما هو منشأه؟ وما هو محركه؟ هل محركه نفس الأمر الغيري؟ أو محركه نفس الأمر النفسي؟

الجواب: في مفترض الدعوى لا بد أن يكون المحرك هو نفس الأمر الغيري لا الأمر النفسي، لأن الدعوى تقول: يصح التقرب إلى الله بامتثال قصد الأمر الغيري دون امتثال الأمر النفسي، إذاً بناء على هذه الدعوى، يكون المحرك للإيصال والمنشئ للإيصال هو نفس الأمر الغيري وهذا لا يفيدنا في المقام إذ أن الثواب والعقاب كما تقدم إنما يترتب على خصوص الأمر النفسي لا الأمر الغيري.

إن قلت: توجد ملازمة بين محركية الأمر الغيري ومحركية الأمر النفسي.

قلنا: هذا البرهان وهذا الوجه الأول لا يثبت الملازمة، الوجه الأول يثبت أن متعلق الأمر الغيري مؤلف من جزأين: الجزء الأول قصد المقدمة، الجزء الثاني قصد إيصال المقدمة إلى ذي المقدمة، لكن المحرك لقصد الإيصال هل هو الأمر الغيري أو الأمر النفسي؟ فهذا الدليل ساكت عنه ولا يثبت وجود ملازمة بين محركية الأمر الغيري ومحركية الأمر النفسي، إذاً لا بد من إقامة الدليل على وجود تلازم بين المحركيتين، والوجه الأول لا يثبت ذلك، إذاً الوجه الأول ليس بتامّ.

[الوجه الثاني: تحليل المؤونة والتحريك (على احتمالين)]

الوجه الثاني: مبني أيضاً على وجوب خصوص المقدمة الموصلة لا مطلق المقدمة، وحاصله يوجد احتمالان:

الاحتمال الأول: لو كان الوجوب لمطلق المقدمة سواء كانت موصلة أو غير موصلة، فحينئذ يمكن فرض تحريك الأمر الغيري دون الأمر النفسي، فيفرض أن الأمر بالصلاة لا يحركه نحو الصلاة المقيدة بالوضوء، وبالتالي الأمر بالصلاة لا يحركه نحو الوضوء، لكن الأمر الغيري بالوضوء يحركه نحو الوضوء، وذلك لأن الصلاة أشد مؤونة عليه من الوضوء، نظراً لتوقف الصلاة على الوضوء، فالصلاة فيها مؤونة الصلاة ومؤونة الوضوء، بخلاف الأمر بالوضوء ليس فيه إلا مؤونة واحدة وهي مؤونة الإتيان بالوضوء، إذاً، الأمر بالصلاة يستبطن مؤونة الوضوء وزيادة وهي الصلاة، بخلاف الأمر بالوضوء ففيه مؤونة واحدة وهي مؤونة الوضوء فقط.

هذا بناء على الاحتمال الأول أن الواجب مطلق المقدمة لا خصوص المقدمة الموصلة، فكانت النتيجة: الأمر بالوضوء فيه مؤونة، والأمر بالصلاة فيه مؤونتان: مؤونة الإتيان بالوضوء وزيادة وهي الصلاة.

الاحتمال الثاني: افتراض وجوب خصوص المقدمة الموصلة، وحينئذ ندعي أن مؤونة الأمر بالوضوء ومؤونة الأمر بالصلاة متحدتان دائماً، فالمؤونتان للوضوء والصلاة متساويتان ولا يوجد في أحدهما زيادة.

بيان ذلك: لا يحصل امتثال الأمر الغيري بالوضوء إلا بأن يتوضأ ويصلي، لأنه لو توضأ ولم يصلِّ فإنه لم يأتِ بالحصة الموصلة، فلكي يأتي بالحصة الموصلة لا بد أن يتوضأ أولاً ويصلي ثانياً، فإذاً مؤونة الأمر بالوضوء فيه مؤونتان: الوضوء ثم الصلاة، فلا يتحقق امتثال الوضوء بمجرد الإتيان بالوضوء، لأن المفروض أن الواجب هو ماذا؟ الوضوء الذي يوصل إلى الصلاة، إذاً الأمر بالوضوء فيه مؤونتان، وكذلك الأمر بالصلاة فيه مؤونتان: مؤونة الإتيان بالأمر النفسي وهو الصلاة، ومؤونة الإتيان بمقدمتها وهو الوضوء، إذاً لا يحصل امتثال الأمر النفسي إلا بأن يأتي بالصلاة المقيدة بالوضوء.

ومحركية الأمر إنما هي بلحاظ ما يترتب على الأمر من آثار من الثواب وتجنب العقاب، ولا توجد مزية في الآثار بلحاظ الأمر الغيري مرغبة عن العدول عن الآثار الموجودة في الأمر النفسي، فالآثار واحدة، آثار الأمر الغيري والنفسي واحدة، ولا توجد مؤونة زائدة، إذ قد اتحد الأمر النفسي والأمر الغيري في المؤونة، إذاً كلا الأمرين يحرك نحو الوضوء ويحرك نحو الصلاة.

أما الأمر الغيري فيحرك نحو الوضوء فلأنه متعلق بالوضوء، الوضوء هو متعلق الأمر الغيري، ويحرك نحو الصلاة لأن الوضوء لا يكون واجباً إلا إذا كان موصلاً إلى الصلاة.

وأما الأمر النفسي بالصلاة فإنه يقتضي سد جميع أبواب عدم الصلاة، ومن أبواب عدم الصلاة عدم الإتيان بالوضوء، فالأمر النفسي يقتضي سد جميع أبواب عدم المتعلق، فالأمر النفسي بالصلاة يقتضي سد أبواب عدم تحقق الصلاة التي هي ذو المقدمة، ومن أبواب العدم عدم الإتيان بالمقدمة وعدم الإتيان بالوضوء.

فلا يُعقل إذاً اختصاص التحريك بالغيري لأن الأمر الغيري ليس فيه خصوصية ومزية على الأمر النفسي.

الخلاصة: المؤونة الموجودة في الأمر الغيري موجودة أيضاً في الأمر النفسي، ومنشأ المحركية هو الأمر النفسي لا الأمر الغيري، وهذا تقريب صحيح لعدم الاكتفاء بامتثال الأمر الغيري بمعزل عن الأمر النفسي، لكن هذا تام بناء على خصوص وجوب المقدمة الموصلة لا على مبنى وجوب مطلق المقدمة.

[الوجه الثالث: الاستدلال بقاعدة الفلسفة (تبعية الممكن للواجب)]

الوجه الثالث: ما ذكره جملة من المحققين كالمحقق الأصفهاني[1] .

بيان ذلك: إن الأمر الغيري غير مستقل في الوجود بل الأمر الغيري تابع في وجوده للأمر النفسي، فكذلك يتبعه في التحريك، ولا يمكن أن يكون للأمر الغيري تحريك مستقل عن الأمر النفسي، فالمحرك حقيقة إنما هو خصوص الأمر النفسي دون الأمر الغيري، وكأن هذه الاصطلاحات من أصل الوجود والتفرع على الغير والمحركية والفاعلية قد أُخذت هذه الاصطلاحات من الحكماء والفلاسفة، حيث قالوا: إن كل ممكن غير مستقل في الوجود بل يتبع في وجوده واجب الوجود، إذ أن الممكنات هي عين الفقر وعين التعلق بالواجب، ولو انقطع فيض الواجب لحظة زالت الممكنات، فالواجب ذاته عين الغنى، والممكن ذاته عين الفقر.

لبيك ذا المعارج لبيك لبيك ... تستغني ويُفتقر إليك لبيك

كما في تلبيات الحاج، وكما في دعاء الحسين يوم عرفة: "إلهي أنا الفقير في غنائي فكيف لا أكون فقيراً في فقري؟ إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي؟ إلهي مني ما يليق بلؤمي ومنك ما يليق بكرمك".

خرجنا إلى الدعاء والحج، رزقنا الله وإياكم الوصول.

إذاً الممكن يتبع في وجوده الواجب ولا يستقل عنه، فإذا كان الممكن تابعاً للواجب في أصل وجوده فكيف يستقل عنه في الإيجاد والمحركية؟ فاقد الشيء لا يعطي.

من هنا صح القول: لا فاعل حقيقة إلا الله، ومن هنا قال العرفاء وقال الإمام الخميني رضوان الله عليه: "لا يؤثر في الوجود إلا الله"، لأن الله هو العلة الحقيقية والواقعية للأشياء دون سائر الممكنات.

فكأن هذا المطلب وهو أن الممكن محتاج إلى الواجب في أصل وجوده فيحتاج إليه في تحريكه وفعاليته، أريد تطبيقه هنا في الأصول، فالأمر الغيري ـ يلا طبق معي ـ كما أن الممكن مفتقر في وجوده إلى الواجب فلا يستقل بالفاعلية والتحريك، فكذلك الأمر الغيري لا يستقل في وجوده عن الواجب النفسي فلا يستقل بالفاعلية والتحريك، من هنا لا معنى لقصد امتثال الأمر الغيري بمعزل عن الأمر النفسي.

إذاً، الأمر الغيري حيث إنه غير مستقل في الوجود عن الأمر النفسي فليس هو في مقابل الأمر النفسي ولا يكون مستقلاً في المحركية والفاعلية، بل فاعلية الأمر الغيري في طول وتبع وفرع الأمر النفسي.

لاحظ كيف تأثر الفلسفة في مطالب أخرى، إذاً فاعلية الأمر الغيري من شؤون فاعلية الأمر النفسي.

[مناقشة الوجه الثالث وبيان خلل تطبيقه]

وأصل هذا المطلب في الفلسفة صحيح: الممكن تابع في وجوده للواجب، فلا يستقل الممكن في فاعلية ومحركية عن الواجب، لكن تطبيقه على المقام ليس بصحيح، لأن العلة الفاعلية للوضوء هي المكلف والإنسان المتوضأ وليس الأمر بالوضوء، الأمر بالوضوء علة غائية، الغاية من الأمر بالوضوء هي الحصول على الثواب وتجنب العقاب، فهنا يوجد خلل في التطبيق.كيف طبقت العلة الفاعلية على الأمر بالوضوء؟ الأمر بالوضوء ليس علة فاعلية، العلة الفاعلية هي المتوضأ والمكلف، وأما الأمر بالوضوء فهو علة غائية.

إذاً إسراء هذا البيان من مورد كلام الحكماء إلى ما نحن فيه غير صحيح، لأن الفاعل والموجود للوضوء خارجاً إنما هو الإنسان والمتوضأ لا الأمر الغيري، وتعبيرنا بفاعلية الأمر الغيري مسامحة وفيها تجوز وتساهل، وإنما الأمر بالوضوء يوجب فوائد مترتبة على الوضوء من استحقاق الثواب وتجنب العقاب، فيكون الأمر بالوضوء علة غائية للفعل.

فلا بد من النظر إلى أن تلك الفوائد من استحقاق الثواب وتجنب العقاب هل تترتب على قصد الأمر الغيري بشكل مستقل أو لا؟ الثواب والعقاب يترتب على قصد الأمر الغيري تبعاً لقصد الأمر النفسي، وهذا الوجه الثالث لا يثبت ذلك.

[النتيجة المؤقتة وتلخيص الوجوه]

إلى هنا اتضح أن الوجه الأول ليس بتام، والوجه الثالث ليس بتام، وأن الوجه الثاني تام لكن بناء على مبنى خصوص المقدمة الموصلة، سيأتي بقية الوجوه، التام منها والأقوى والأجدر منها هو الوجه الأخير وهو مبني على وجوب مطلق المقدمة.

الوجه الرابع، يأتي عليه الكلام.


logo