47/05/25
(265) الجهة الثالثة استحقاق العقاب والثواب على الأوامر الغيرية
الموضوع: (265) الجهة الثالثة استحقاق العقاب والثواب على الأوامر الغيرية
[مقدمة: تقسيم البحث إلى مقامين رئيسيين]
وسيتضح إن شاء الله تعالى أنه لا يوجد إلا عقاب واحد أو ثواب واحد على خصوص الأوامر النفسية، وأما الأوامر الغيرية فهي لا توجب استحقاق الثواب وتركها لا يوجب العقاب. ومن هنا يقع الكلام في مقامين:
المقام الأول: استحقاق العقاب
المقام الثاني: استحقاق الثواب
[المقام الأول: استحقاق العقاب على مخالفة الأمر]
أما المقام الأول وهو استحقاق العقاب فلا إشكال في أن مخالفة الأوامر النفسية توجب استحقاق العقاب لأنها تضییع حق الطاعة للمولى وتضییع حق المولى ويصحح العقاب من قبل من له الحق على من عليه الحق. هذا بالنسبة إلى مخالفة الأوامر النفسية بأنها توجب استحقاق العقاب.
[التمهيد: أقسام العقاب (انفعالي / مولوي)]
وأما مخالفة الأمر الغيري فتحقيق الحال فيها يستدعي هذا البيان:
إن العقاب على نحوين:
1. الأول: العقاب بالملاك الانفعالي
2. الثاني: العقاب بالملاك المولوي
وكلامنا هنا عن المولى العرفي لا خصوص المولى الحقيقي إذ أن المولى الحقيقي وهو الله تبارك وتعالى لا مكان للانفعال في ساحته، لكن بالنسبة إلى المولى العرفي قد ينفعل على عبده فيعاقبه، فمقصودنا بالعقاب بملاك الانفعال بالنسبة إلى المولى العرفي هو العقاب الناشئ من غضب المولى وتحسره وتألمه، فالمولى لو كان عطشاناً وأمر العبد بجلب الماء البارد له، ولم يحضر الماء، فإنه يحمل العصا ويقول العصا لمن عصى، فالمولى يضرب العبد عقاباً له على ما سببه له من انفعال.
كما أن هذا العقاب قد يصدر من غير المولى كصديق المولى أو ابن المولى فإنه يأخذ العصا ويلشط ذلك العبد تلشيطاً هذا بالبحراني تلشيط، فالعقاب والانفعال قد يتحقق أيضاً من غير المولى على من خالف أوامر المولى، ولا إشكال في أن هذا العقاب إنما يكون بسبب فوات الغرض النفسي لا الغرض الغيري.
[أولاً: العقاب بالملاك الانفعالي (وتطبيقه على الأمر الغيري)]
بداهة أن المولى لو طلب مثلاً ماءً بارداً من العبد فلم يأتِ به لم يحصل عند المولى إلا انفعال واحد ولو فرض للفعل ألف مقدمة: أن يذهب إلى البئر وينزح من ماء البئر ويسكب الماء في كأس ثم يضعه في آنية من ذهب كما لو كان ملكاً مثلاً، فالمولى لا يعاقبه على ترك جميع هذه المقدمات بل يعاقبه على شيء واحد وهو عدم الإتيان بالماء.
نعم، العقاب الواحد قد يشتد وقد يضعف بسبب كثرة المقدمات فلو ترك مقدمات كثيرة فإنه يعاقبه بعقاب شديد حتى يعوّده أن يرتكب جميع هذه المقدمات بخلاف ما إذا ترك مقدمة واحدة وهي سكب الماء من القنينة إلى الكأس وإعطائه للمولى.
وبعبارة أخرى: إن ضم ترك المقدمة إلى ترك ذي المقدمة كضم الحجر إلى الإنسان، فالمولى لا يهمه أن يأتي العبد بالمقدمة أو لا؟ بعد فرضنا أنه قد ترك الفعل وإنما يعاقبه على خصوص ترك الفعل.
هذا تمام الكلام بالنسبة إلى العقاب بالملاك الانفعالي.
[ثانياً: العقاب بالملاك المولوي (وتطبيقه على الأمر الغيري)]
وأما العقاب بالملاك المولوي فالمقصود به العقاب الناشئ من حكم العقل بالمولوية ولزوم الطاعة، ولا بد في تشخيص موضوعه من الرجوع إلى العقل الذي أدرك حق الطاعة، والذي تدركه عقولنا أن موضوعه هو ذلك الانفعال.
فإن العقل يرى أن العبد يجب أن يكون بوجوده وعضلاته امتداداً لعضلات المولى ويهتم بعدم انفعاله كما هو يهتم به، أو ما يقوم مقام الانفعال في المولى الحقيقي، فإننا إنما نعبر بالانفعال ونحوه في باب المولوية والعبودية بلغة البشر أي المولوية العرفية وإن كان لا ينطبق على المولى الحقيقي وهو الله تبارك وتعالى، وإنما نمثل من باب ضيق العبارة ومن باب التقريب إلى الأذهان ليس إلا.
فالقصور في العبارة، والعقل يقول إن موضوع العقاب المولوي هو موضوع العقاب الانفعالي، فالعقاب الانفعالي حينما يصدر من المولى يكون قد صدر من أهله ووقع في محله، وحينما يصدر هذا العقاب من غير المولى كصديقه أو ابنه فإنه يكون ظلماً وقد صدر من غير أهله ولم يقع في محله فيكون ظلماً وعدواناً.
[نتيجة المقام الأول: استحقاق العقاب خاص بالأمر النفسي]
إذاً العقاب سواء كان انفعالياً أو مولوياً إنما يكون على خصوص مخالفة الأمر النفسي لا على مخالفة الأمر الغيري.
الخلاصة: العقاب سواء كان انفعالياً أو مولوياً إنما يكون على خصوص الغرض النفسي لا على المقدمة والواجب الغيري.
نعم الغرض النفسي للمولى بما هو مولى؟ قد يختلف من الغرض النفسي له لا بما هو مولى، مثال ذلك: إن غرض الإنسان بما هو هو عبارة عن الملاك الذي هو محبوب ذاتي له وقد يعاقب شخصاً ولو عدواناً على أنه لم يحصّل له ذلك الملاك ولو لم يكن مولى وسيداً على ذاك الشخص الآخر وفوّته عليه.
مثال ذلك في الأسرة: الأب قد يعاقب الولد فيقوم الأخ بمعاقبة أخيه على أنه لم يلبِّ طلبه، فيقول الأخ: أنت لست أبي. هنا ما هو ملاك العقاب؟ تفويت الغرض الشخصي، فيقيس الأخ تفويت غرضه الشخصي على تفويت الغرض الشخصي للأب، وهذا موجود في كثير من الأسر فيأتي الأخ ويشكي أخاه عند أبيه.
بالتالي قد يعاقب الإنسان شخصاً آخر على أنه فوّت عليه الملاك وفوّت الغرض الشخصي وذلك حينما يأمر إنساناً بشيء لا باعتباره مولى ولا يحقق غرضه فيعاقبه عليه، وقد يعاقبه بملاك المولوية كما لو كان مولى له وكلّفه بعمل من الأعمال ولم يؤدّه.
وقد يكون الغرض عند المولى شيئاً لكنه يأمر بشيء آخر كما لو كان الغرض عند المولى الانتهاء عن الفحشاء والمنكر لكنه لا يأمره بذلك وإنما يأمره بالصلاة، فهنا بملاك العقاب المولوي إن العقاب إنما يترتب على خصوص ترك الصلاة إذ أن متعلق الأمر هو الصلاة وليس الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، بناءً على هذا المثال.
النتيجة النهائية: استحقاق العقاب إنما يترتب على خصوص مخالفة الأمر النفسي دون مخالفة الأمر الغيري، نعم مخالفة الأمر الغيري وكثرة المقدمات المتروكة قد يكون لها دور في غلظة وشدة العقاب أو ضعفه.
هذا تمام الكلام في المقام الأول: «استحقاق العقاب على مخالفة الأمر الغيري والنفسي».
[المقام الثاني: استحقاق الثواب على امتثال الأمر]
المقام الثاني: استحقاق الثواب على امتثال الأمر النفسي أو الغيري.
وهنا أيضاً يوجد عندنا ثواب انفعالي وثواب مولوي.
[أولاً: الثواب بالملاك الانفعالي (وتطبيقه على الأمر الغيري)]
أما الثواب الانفعالي فهو الثواب الثابت على الحافز الانفعالي للتعويض إلا أن الانفعال هنا انفعال موافق والانفعال في طرف العذاب كان انفعالاً معاكساً، انفعالاً للمخالفة، وهذا الحافز الانفعالي يحصل للشخص مقابل قضاء حاجته ومهما كانت لقضاء حاجته مقدمات فسوف لن يكون له إلا انفعال واحد وفرح واحد باعتبار أنه استوفى له غرض واحد، وحيث إن الانفعال هو الحافز للمثوبة فلا يثيبه بهذا الملاك إلا بثواب واحد فلا ثواب على المقدمات.
مثال ذلك: لو كان المولى عطشان وقال احضر الماء وجاء له بالماء قال أحسنت أعطوه جائزة. يقول له سيدي ومولاي أنا لإحضار الماء اضطررت أن أستقل سيارة وأذهب إلى السوبر ماركت و... وذكر مقدمات. فإنه يقول له أنا أعطيك على شرب الماء. نعم قد تتغير الجائزة يقول هذه الجائزة احذفوها أعطوه جائزة أقوى.
إذاً الثواب إنما هو على خصوص الأمر النفسي وهو السبب الوحيد للحافز على الثواب، وهذا الثواب يتناسب مع حجمه من حيث الصغر والكبر مع ما بذله الفاعل من الجهد في سبيل تحصيل غرض المولى فبكثرة المقدمات يكبر حجم الثواب، لا بمعنى زيادة في السبب وأنه يتعدد الثواب بتعدد أسبابه بل بمعنى زيادة في المسبب من قبيل الثواب على واجب ارتباطي مركب من أجزاء، فإن الواجب الارتباطي كلما كثر أجزاؤه زاد ثوابه مع وضوح أنه ليس كل جزء من أجزائه سبباً مستقلاً لثواب مستقل. مثال ذلك: وجوب الحج فإن فيه أجزاء مستقلة كوجوب الطواف ووجوب السعي ووجوب الوقوف بعرفة والوقوف بمزدلفة ورمي الجمرات، هذا لا يعني أن الحاج يُعطى عدة ثوابات مستقلة بل يُثاب بثواب واحد على الإتيان بفريضة الحج، لكن هذا الثواب الواحد يعظم بعظم هذه الأجزاء المختلفة، هذا بالنسبة إلى الثواب الانفعالي.
[ثانياً: الثواب بالملاك المولوي (وتطبيقه على الأمر الغيري)]
وأما الثواب المولوي فهو تعويض بحكم العقل في حين أن الثواب الانفعالي كان تعويضاً بمقتضى الطبع، إذاً الانفعال عقاب أو ثواب بمقتضى الطبع الإنساني والانفعال الإنساني والثواب والعقاب المولوي بمقتضى حكم العقل.
إذاً الثواب المولوي ثواب بلحاظ استحقاق الفاعل الثواب على فعل من أفعاله، فإذا قام المأمور بمرتبة من مراتب الاستحقاق هذه المرتبة قد تكون استحبابية وقد تكون وجوبية، فإثابة المولى الحقيقي لعبده عند إطاعة أوامره الاستحبابية أو الوجوبية تكون ماذا؟ مصداق للثواب المولوي.
هنا أيضاً نقول يتقدر الثواب المولوي بقدر الثواب الانفعالي فموضوع الثواب المولوي أُخذ فيه موضوع الثواب الانفعالي، فالعقل ينظر إلى الإثابات الطبيعية، ويقول في باب المولوية: إنها صدرت من أهلها ووقعت في محلها من دون أن يضع العقل ثواباً جديداً.
فهنا أيضاً لا يوجد إلا سبب واحد ولا يوجد إلا ثواب واحد على خصوص امتثال الأمر النفسي دون الأمر الغيري. نعم، هذا الثواب المترتب على امتثال الأمر النفسي يتناسب طردياً في حجمه مع مقدار التعب وبذل الجهد ودرجة الصعوبة في فعل العبد، فكثرة المقدمات توجب ازدياد الثواب ولا توجب تعدد الثواب من قبيل أن كثرة أجزاء الواجب الارتباطي كالحج وأجزائه الارتباطية: وجوب الطواف والحج والسعي والنحر والوقوف بعرفة ومزدلفة هذه توجب ازدياد ثواب الحج لا أنها توجب تعدّد ثواب الحج، ونلتزم أن كل جزء من أجزاء الحج سبب مستقل للثواب.
[بيان الفروق بين الثواب الانفعالي والثواب المولوي]
نعم هناك فارقان بين الثواب الانفعالي والثواب المولوي:
الفارق الأول: أن موضوع الثواب الانفعالي هو واقع خدمة الشخص وإيصال الفائدة إليه وتحصيل غرضه، في حين أن موضوع الثواب المولوي هو أن يفعل العبد شيئاً بداعي خدمة المولى وإيصاله إلى غرضه ولو لم يكن واقعاً خدمة للمولى وموصلاً للعبد إلى غرض المولى.
وكذلك أي مخدوم آخر حتى غير المولى، يكفي في استحقاق الثواب المولوي على الفعل أن يكون هذا الفعل خدمة في وجوده الذي يُراد به أن يصل إلى خدمة ذلك الطرف على اختلاف درجات الوصول من قطع أو ظن أو احتمال، بل حتى لو كان مخطئاً حتى لو عرف العبد أن هذا الفعل لم يؤدِّ إلى غرض المولى كان مثاباً ما دام أن داعيه كان هو خدمة المولى.
مثلاً: هو أراد أن يُكرم المولى عمل له طبخة للإكرام بحسب عرف بلده، فقال له أحدهم: قف لا تتحرك هذه الطبخة توجب توهين المولى وفقاً لبلد المولى، فإنه يستحق الثواب على سعيه وحركته لإيصال الطبخة الراقية بنظره لكي يفرح المولى وإن لم تصل إلى المولى.
إذاً، ما دام أن داعيه هو خدمة المولى فإنه يستحق الثواب إلا إذا كان عدم أدائه إلى غرض المولى من باب تعمده لقطع الفعل يعني تعمّد أن يأتي ببعض المقدمات ثم بدا له البداء من خدمة المولى وهو يركض بالطبخة قال في نفسه: هذا المولى ما يستاهل دعني أرجع، هنا لا يستحق الثواب إذ قطع الخدمة قبل الوصول إلى النتيجة من دون عذر له.
لكن لو قطع الخدمة لعذر كما لو وجد نفسه قد ارتفع ضغطه وأحس بدوار فقال أتوقف أنا أحب أن أوصل الطبخ إلى المولى ولكني سأنطبخ إن أوصلت الطبخة ويرتفع الضغط ويغمى عليه وأصاب بالدوار فذهب ونام. هنا أيضاً يستحق الثواب لا على نومه ولا على إغمائه أو ارتفاع ضغطه بل على نيته وسعيه للخدمة إلا أن المشقة والحرج منعاه من المواصلة. هذا الفارق الأول.
الفارق الثاني: الثواب الانفعالي لا يترتب الثواب عليه بمجرد الشروع في المقدمة بل يكون الثواب عند الوصول إلى الغرض، إذا ما وصل إليه الماء خلاص ما يستحق، أما في الثواب المولوي فبقدر ما يأتي بالمقدمة بقدر التوصل فإنه يستحق الثواب مشروطا بشرط متأخر وهو أن يأتي أخيراً بالنتيجة، أو يكون تركه لها عن عجز أو عن صعوبة أكثر مما كان يتوقع.
فبحسب الثواب الانفعالي لا يستحق من جاء بالطبخة الثواب لأنه لم يوصل الطبخ إلى المولى فلم ينفعل ولم يفرح المولى بل ربما ينفعل بالعكس المولى يعتبرها إهانة، لكنه يستحق الثواب المولوي لأنه قصد التوصل إلى الغرض لكن منعه عذر من الأعذار.
إذاً، موضوع الثواب المولوي هو خدمة المولى بتحصيل غرضه بينما موضوع الثواب الانفعالي هو الإيصال إلى المولى وتحقق انفعاله بالفعل.
[النتيجة الختامية للمقام الثاني وللبحث بأكمله]
إلى هنا اتضح أن الثواب إنما هو على خصوص الأوامر النفسية لا الأوامر الغيرية.
النتيجة النهائية: صح كلام المشهور القائل بأنه لا عقاب ولا ثواب على الأمر المقدمي وإنما الثواب والعقاب على خصوص الأمر النفسي دون الأمر المقدمي.
هذا تمام الكلام في بيان أصل هذه الجهة واتضح أن استحقاق الثواب واستحقاق العقاب إنما هو على خصوص الأوامر النفسية دون الأوامر الغيرية، والله العالم.