« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/05/20

بسم الله الرحمن الرحيم

تأييد الشهيد الصدر لكلام المحقق النائيني خلافاً للسيد الخوئي

الموضوع: تأييد الشهيد الصدر لكلام المحقق النائيني خلافاً للسيد الخوئي

من الواضح أن الأصول المؤمِّنة لا تجري في أطراف العلم الإجمالي إذ أنها تؤدي إلى المخالفة القطعية والترخيص في المخالفة القطعية قبيح عند العقلاء، لكن ذكر الميرزا النائيني رحمه الله شرطاً لذلك وهو أنه إذا لم يمكن عقلاً للمكلف الاستناد إليها في عرض واحد.

بيان ذلك:

توجد حالتان:

[الحالة الأولى: إمكان الاستناد إلى جميع الأصول]

الحالة الأولى: إذا يمكن للمكلف أن يستند إلى الأصول العملية وينجر إلى المخالفة القطعية، مثال ذلك: لو علم إجمالاً بوجوب إما صلاة الجمعة وإما صلاة الظهر وأجرى أصالة البراءة الشرعية عن وجوب صلاة الجمعة ووجوب صلاة الظهر وتركهما معاً، فحينئذ قد استند كلا التركين إلى الأصالتين أي أن المكلف يمكن أن يستند في جميع تروكاته إلى الأصول العملية. فحينئذ في هذه الحالة الأولى يحكم العقل بعدم جريان الأصول الترخيصية في جميع أطراف العلم الإجمالي، إذ يمكن عقلاً أن يستند المكلف في جميع تروكاته إلى الأصول المؤمِّنة الترخيصية التي تجره إلى المخالفة القطعية. واضحة الحالة الأولى؟.

[الحالة الثانية: عدم إمكان الاستناد في عرض واحد]

الحالة الثانية: إن المكلف لو أجرى جميع الأصول المؤمِّنة الترخيصية فإنه لا يمكن عقلاً أن يستند في جميع تروكاته إليها في عرض واحد، مثال ذلك: الشبهة غير المحصورة، فلو علم إجمالاً بوجود جبن نجس في العالم أو علم إجمالاً بنجاسة آنية من الأواني في العالم وأجرى أصالة الطهارة في جميع أجبان وأواني العالم، فهل يمكنه أن يأكل جميع أجبان العالم؟ وهل يمكنه أن يستعمل جميع أواني العالم؟ ففي صورة الشبهة غير المحصورة فإن المكلف وإن أجرى الأصول المؤمِّنة الترخيصية في جميع أطراف العلم الإجمالي لكنه لا يمكن أن يستند إليها جميعاً في مقام العمل.

في مثل هذه الحالة الثانية يقول الميرزا النائيني: لا مانع من إجراء جميع الأصول الترخيصية في جميع الأطراف وإن لزمت المخالفة القطعية فهذا ليس بقبيح.

النتيجة النهائية: جريان جميع الأصول المؤمِّنة والترخيصية في جميع أطراف العلم الإجمالي قبيح لأنه يؤدي إلى المخالفة القطعية، لكن على مبنى الميرزا النائيني يوجد شرط وهو أن يستند ترك المكلف إلى جميع هذه الأصول، أما إذا لم يمكن أن تستند تروكات المكلف إلى جميع هذه الأصول فحينئذ لا مانع من جريانها. واضحة الضابطة؟.

[تطبيق الضابطة على الصورة الرابعة (الوضوء النفسي والغيري)]

إذا تمت هذه المقدمة واتضح أنه في الشبهة المحصورة التي لا يمكن للمكلف ارتكاب جميع أطرافها إذاً لا بأس بجريان البراءة في تمام أطرافها، وما نحن فيه في الصورة الرابعة. نحن كلامنا في أين؟ في الصورة الرابعة: أن يعلم إما بوجوب الوضوء النفسي أو بوجوب الوضوء الغيري إذا وجبت الصلاة.

هنا قال الميرزا النائيني رحمه الله: أصل الصلاة معلوم أصل وجوب الصلاة معلوم وأصل وجوب الوضوء معلوم ويوجد شك في تقيد الصلاة بالوضوء، فتجري البراءة عن تقيد الصلاة بالوضوء فيثبت أن الوضوء واجب نفسي وليس بواجب غيري. هكذا أفاد الميرزا النائيني.

[خلاف السيد الخوئي]

وخالفه تلميذه الوفي السيد الخوئي رحمه الله فقال: إن المكلف عنده علم إجمالي بالوجوب النفسي للوضوء أو الوجوب الضمني لتقيد الصلاة بالوضوء، وإجراء البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء يعارض إجراء البراءة عن الوجوب الضمني للوضوء، فيجب عليه أن يتوضأ قبل الصلاة.

[تحليل الشهيد الصدر ودفاعه عن مبنى النائيني]

هنا الشهيد الصدر رضوان الله عليه يقول: كلام الميرزا النائيني منسجم مع مبناه في منجزية العلم الإجمالي، والسر في ذلك: أن الواقعة هنا واحدة وليست متعددة.

فلننتبه جيداً للمطلب، إذ أن المكلف إما يصلي أو لا يصلي، فالمكلف إذا ترك الوضوء إما أن يصلي وإما لا يصلي ولا ثالث في البين. إذاً يوجد عندنا مكلفان وحالتان: حالة ترك الصلاة وحالة الإتيان بالصلاة، وجريان الأصول مختلف في كلتا الحالتين.

[تفصيل الحالتين على مبنى النائيني]

الحالة الأولى لو صلى، والحالة الثانية لو ترك الصلاة.

أما الحالة الأولى: كما لو ترك الوضوء وصلى ثم توضأ بعد الصلاة وشك: هل الوضوء معتبر قبل الصلاة أو لا؟ وهنا عنده علم إجمالي بوجوب إما الوضوء النفسي وإما الوضوء الغيري. لاحظ جيداً النتيجة هنا:

تجري أصالة البراءة عن تقيد الصلاة بالوضوء، ولا تجري أصالة البراءة في وجوب الوضوء. والسر في ذلك: أن أصل العقاب على ترك الوضوء معلوم، لأن الوضوء إما واجب بالوجوب النفسي فيعاقب عليه، وإما واجب بالوجوب الغيري لكونه مقدمة لوجوب الصلاة وقد وجبت الصلاة فيعاقب أيضاً على ترك الوضوء. إذاً البراءة لا تجري في وجوب الوضوء.

لكن البراءة تجري في تقيد الصلاة بالوضوء لأن وجوب الصلاة معلوم وقد صلى، غاية ما في الأمر أنه لم يتوضأ قبل الصلاة لكنه توضأ بعد الصلاة وشك في صحة صلاته لأنه يشك في تقيد صلاته بوضوء قبلها، هنا تجري أصالة البراءة عن تقيد الصلاة بالوضوء، ولا تجري أصالة البراءة عن ماذا؟ عن الوضوء، إذ أن الوضوء معلوم الوجوب إما نفساً أو غيراً، والترخيص في تركه ترخيص في المخالفة القطعية.

إذاً لاحظ معي الآن، لاحظ معي: عندنا واجبان الوضوء والصلاة، ترك أحدهما يستلزم ترك الآخر: ترك الوضوء يستلزم ترك الصلاة، وترك الآخر لا يستلزم منه ترك الثاني، ترك الصلاة لا يستلزم منه ترك الوضوء. إذا جاءنا هذا المورد هنا البراءة لا تجري في الوضوء الذي تركه يستلزم ترك الصلاة، لكنها تجري في تقيد الصلاة بالوضوء الذي تركه لا يستلزم ترك الوضوء، ترك الصلاة لا يستلزم ترك الوضوء. هذا تمام الكلام في الحالة الأولى.

ما هي الحالة الأولى؟ إذا صلى وترك الوضوء.

الحالة الثانية: (ترك الصلاة والوضوء معاً)

الحالة الثانية: إذا ترك الصلاة يعني ترك الوضوء وترك الصلاة، هنا لا معنى لجريان أصالة البراءة في تقيد الصلاة بالوضوء إذ أنه لم يصلي فعقابه معلوم، فأصالة البراءة لا تجري في تقيد الصلاة بالوضوء إذ أنه معلوم العقاب لأنه لم يصلي.

لكن أصالة البراءة تجري بالنسبة إلى ترك الوضوء، والسر في ذلك: أن أصالة البراءة لا تجري لنفي أصل العقاب إذ أصل العقاب معلوم لأن الوضوء واجب على كل حال إما واجب بالوجوب النفسي أو واجب بالوجوب الغيري، فهنا لا تجري أصالة البراءة عن وجوب الوضوء بلحاظ الترخيص في المخالفة القطعية وبلحاظ أصل العقاب، لكن تجري أصالة البراءة في وجوب الوضوء بلحاظ نفي العقاب الثاني.

لأن المكلف إذا ترك الوضوء وترك الصلاة واحتمل إن الوضوء واجب بالوجوب النفسي فيعاقب عليه والصلاة واجبة بالوجوب النفسي فيعاقب عليها أيضاً، فيثبت عليه عقابان: عقاب على ترك الوضوء وعقاب على ترك الصلاة. هنا تفيد أصالة البراءة إذ أن أصالة البراءة تنفي العقاب الثاني.

[توضيح كلام السيد الخوئي والفرق بين الصورتين الثانية والرابعة]

هذا ما أفاده السيد الخوئي رحمه الله أو يمكن أن يفاد على لسانه في مقام التفرقة بين الصورة الثانية والصورة الرابعة.

الصورة الثانية: إذا علم إجمالاً إما بوجوب الوضوء وإما بوجوب الزيارة، فهل تجري البراءة الشرعية عن وجوب الوضوء ووجوب الزيارة أو لا؟ كان هذا الكلام.

وأما الصورة الرابعة: أن يعلم إجمالاً بوجوب إما الوضوء النفسي وإما تقيد الصلاة بالوضوء. واضح أو لا؟

في الصورة الثانية ماذا قلنا في الصورة الثانية؟ الصورة الثانية كل منهما وجوب مستقل، واضح أو لا؟ يعني الوجوب النفسي للوضوء مستقل والوجوب النفسي للزيارة مستقل.

في الصورة الرابعة السيد الخوئي يقول: يوجد عقاب واحد بالنسبة إلى الوضوء، إذا تركه استحق العقاب، فهنا يوجد تيقن من أصل العقاب على ترك الوضوء، ففائدة جريان أصالة البراءة في وجوب الوضوء هو نفي أصل العقاب ولا تنفي عقاب آخر.

بخلاف الصورة الرابعة: الصورة الرابعة إذا دار الأمر بين وجوب الوضوء نفساً وبين تقيد الصلاة بالوضوء وهذا المكلف ترك الصلاة وترك الوضوء فهو شقي، هنا جريان أصالة البراءة عن الوضوء إما بلحاظ نفي أصل العقاب وهذا لا يتم لأن أصل العقاب محرز ترخيص في المخالفة القطعية، لكن بلحاظ عقاب آخر هذا ممكن ومفيد.

لأن المكلف إذا ترك الوضوء والصلاة معاً يشك أن عليه عقاب أو عقابين: عقاب على ترك الصلاة فقط، عقابين، إذا كان الوضوء واجب نفسي والصلاة واجبة نفساً فيكون إجراء أصالة البراءة عن وجوب الوضوء تفيد في نفي العقاب الثاني لا نفي عقاب الأول. واضح إن شاء الله؟

هكذا أفيد على مبنى السيد الخوئي رحمه الله.

[نقد الشهيد الصدر لوجه التفرقة عند السيد الخوئي]

الشهيد الصدر يقول: سيدنا الخوئي ما أفدته من الفرق بين الصورة الرابعة إن جريان البراءة له ثمرة وهو نفي العقاب الثاني، وبين الصورة الثانية التي لا تجري فيها البراءة لأن هنا عقاب واحد والعقاب الواحد أصل العقاب محرز بترك الوضوء، هذا الفارق ليس بفارق على مبنى الميرزا النائيني.

لماذا ليس بفارق على مبنى الميرزا النائيني؟ لأن الميرزا النائيني يرى جواز المخالفة القطعية إذا لم يمكن للمكلف أن يقتحم جميع الأطراف، حتى لو أجرى البراءة لكن ما يمكن أن يقتحم جميع الأطراف.

[إعادة تأكيد المبنى النائيني في الصورة الرابعة (وحدة الواقعة)]

وهنا تارة تكون عندنا واقعة واحدة أو عدة وقائع، وفي صورة الواقعة الواحدة المكلف إما يصلي أو ما يصلي.

إذا صلى هنا لا تجري البراءة عن وجوب الوضوء، لكن تجري البراءة عن تقيد الصلاة بالوضوء بلا معارضٍ.

وإذا لم يصلي: هنا لا تجري أصالة البراءة عن تقيد الصلاة بالوضوء لأنه لم يصلي، لكن تجري أصالة البراءة عن وجوب الوضوء لنفي العقاب الثاني بلا معارضٍ.

ولا يمكن للمكلف في آن واحد أن يصلي ولا يصلي، إذاً في الواقعة الواحدة ما تجري، لا يجري الأصلان.

أعيد وأكرر حتى المطلب يرسخ: متى يتنجز العلم الإجمالي؟ إذا يتعارض الأصلان في الطرفين، يعني أصالة البراءة عن الوضوء تتعارض مع أصالة البراءة عن تقيد الصلاة بالوضوء. يقول المكلف إما يصلي أو ما يصلي، وعلى كلا الفرضين أصل واحد يجري لا أصلين.

المكلف إذا ترك الصلاة هنا لا تجري أصالة البراءة عن تقيد الصلاة بالوضوء لأنه لم يصلي، لكن تجري أصالة البراءة عن وجوب الوضوء لنفي العقاب الثاني، لأنه إذا ترك الوضوء والصلاة معاً يشك عليه عقاب واحد على ترك الصلاة أو عليه عقابين على ترك الصلاة والوضوء، ففائدة إجراء أصالة البراءة عن الوضوء تكمن في نفي العقاب الثاني. واضح إن شاء الله؟ هذا إذا ترك الصلاة.

إذا صلى لكن قبل الصلاة ما توضأ توضأ بعد الصلاة، هنا لا تجري أصالة البراءة عن الوضوء لأن الوضوء واجب إما بالوجوب النفسي أو بالوجوب الغيري، فأصل العقاب على ترك الوضوء محرز لا تجري أصالة البراءة، ولا يوجد هنا عقابان لأنه صلى، هنا يوجد عقاب واحد على ترك الوضوء.

إذاً إذا ترك الوضوء وصلى ثم توضأ، هنا لا تجري أصالة البراءة عن وجوب الوضوء لأنه ترخيص في المخالفة القطعية، لكن تجري البراءة عن تقيد الصلاة بالوضوء بلا معارض.

إذاً لاحظ في كلتا الحالتين يجري أصل واحد، ما يجري كلا الأصلين حتى يتنجز العلم الإجمالي فيصير انحلال حكمي.

[النتيجة والضابطة الكلية المستنتجة]

المكلف إما يصلي أو لا يصلي. إذا صلى في هذه الحالة ماذا نقول؟ إما يصلي أو ما يصلي، يعني إما يترك الوضوء ويصلي أو يترك الوضوء والصلاة معاً ولا ثالث في البين، إما يصلي أو ما يصلي، جيد.

[سؤال:] هنا المكلف إذا صلى، هنا هل تجري أصالة البراءة عن تقيد الصلاة بالوضوء؟ وهل تجري البراءة عن وجوب الوضوء أو لا؟ وهكذا لو ترك الصلاة والوضوء معاً هل تجري أصالة البراءة في كلا الطرفين أو لا؟

الجواب: إذا ترك الصلاة والوضوء معاً، هنا لا تجري أصالة البراءة عن تقيد الصلاة بالوضوء لأنه لم يصلي، لكن تجري أصالة البراءة عن وجوب الوضوء لنفي العقاب الآخر، لأنه يشك عليه عقاب واحد على ترك الوضوء أو عقابين: عقاب على ترك الوضوء وعقاب على ترك الصلاة، فتجري أصالة البراءة لنفي العقاب الآخر.

هذه في أي مورد؟ في مورد التركين:
[المورد الأول:] ترك الوضوء وترك الصلاة الذي تجري أصالة البراءة عن الوضوء، وما تجري أصالة البراءة عن تقيد الصلاة بالوضوء لأنه لم يصلي.

المورد الثاني: إذا صلى وما توضأ، هنا لا تجري أصالة البراءة عن وجوب الوضوء لأن أصل العقاب معلوم، لكن تجري أصالة البراءة عن تقيد الصلاة بالوضوء بلا معارض.

النتيجة النهائية: ذكرنا أربع صور لمنجزية العلم الإجمالي، واتضح أن ملاك الانحلال الحكمي موجود في الصورة الثانية وفي الصورة الرابعة، في الصورة الرابعة في حالة خاصة وهي حالة وحدة الواقعة.

ويمكن أن نستنتج قانون كلي للانحلال يسري في مقامات عديدة، والضابط أنه كلما تشكل علم إجمالي بأحد تكليفين وكانت مخالفة أحدهما مستلزمة للآخر: مخالفة الوضوء مستلزمة لمخالفة الصلاة دون العكس، مخالفة الصلاة لا تستلزم مخالفة الوضوء، في هذه الحالة لا تجري البراءة عن هذا التكليف الذي هو الوضوء لأن مخالفته مساوقة للمخالفة القطعية، وتجري البراءة عن التكليف الآخر بلا معارض.

هذه الضابطة سوف نطبقها على أربع مقامات: يعني إذا جاءنا تكليفان ترك أحدهما يستلزم ترك الآخر، هذا لا تجري فيه البراءة، البراءة تجري في التكليف الآخر الذي تركه لا يستلزم ترك الآخر.

تتمة الكلام في بيان هذه الضابطة والمقامات المندرجة تحتها يأتي الكلام.

logo