« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الحدیث

46/08/07

بسم الله الرحمن الرحيم

7 شعبان الأغر 1446
6 فبراير 2024

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحأفضا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (الثاني عشر): شرح التسليم الثالث من الزيارة

 

شرح التسليم الثالث من الزيارة الجامعة وهي قول الإمام الهادي عليه السلام: "السلام على محال معرفة الله ومساكن بركة الله ومعادن حكمة الله وحافظة سر الله" إلى آخر المقطع الثالث، حيث تبدأ الزيارة الجامعة بخمس تسليمات، شرحنا التسليمين الأولين، واليوم إن شاء الله، نشرع في شرح التسليم الثالث.

يبدأ التسليم الثالث بقوله عليه السلام: "السلام على محال لمعرفة الله"، "محال" جمع "محل"، وهو المكان والموضع، والمعرفة هي إدراك الشيء. ويفرق بين العلم والمعرفة بأن العلم إدراك الكليات والمعرفة إدراك الجزئيات، ومعرفة الله، على ما قيل، هي الإطلاع على صفاته الثبوتية والجلالية أي الصفات السلبية بقدر الطاقة البشرية، وأما إدراك كنه الله تبارك وتعالى فلا يتسنى لأي أحد، فالإطلاع على الذات المقدسة مما لا مطمع فيه لأحد، لأن الله غير محدود ولا متناهي، وبقية الكائنات بما فيها الإنسان محدودة ومتناهية. وأنى للمحدود أن يدرك كون غير المحدود، وأنى للمتناهي أن يدرك حقيقة غير المتناهي.

وأهل البيت عليهم السلام وصفوا في هذا التسليم الثالث من الزيارة الجامعة الكبيرة بأنهم محال ومواضع معرفة الله تبارك وتعالى.

ويمكن ذكر معنيين لكونهم محال معرفة الله:

المعنى الأول: أنه لا يعرف الله حق معرفته إلا هم سلام الله عليهم، فهم أعرف الناس بالله والتأمل في معرفته، والمراد أن معرفة الله التي يمكن أن تتسنى للبشر، فإن أقصاها وأكملها تكون في النبي محمد وآله عليه وسلم، أما معرفته كونه حقيقة الله حق معرفته فلا تتسنى لأي أحد، ولكن المعرفة الممكنة للبشر لها درجات ومراتب، وهذه المعرفة الممكنة وصلت إلى كمالها النبي وأهل بيته عليهم السلام.

ويشهد لهذا المعنى أنه لا يعرف الله حق معرفته إلا هم سلام الله عليهم، قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام: "يا علي، ما عرف الله حق معرفته غيري وغيرك، وما عرفك حق معرفتك غير الله وغيري" (بحار الأنوار، الجزء 39، صفحة 84).

وقد بلغوا أقصى غاية المعرفة الإلهية، حتى قال أبو الأئمة وسيدهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: "لو كشف الغطاء ما ازدت يقيناً" (بحار الأنوار، الجزء 84، صفحة 153)، أي لو كشف الغطاء عن عالم الغيب لما ازداد يقيني، أي أنه وصل إلى درجة اليقين والمعرفة الكاملة والتامة التي تمكن للبشر.

وفي حديث الأصبغ بن نبات، أنه قام إلى أمير المؤمنين رجل يقال له ذعلب، فقال: "يا أمير المؤمنين، هل رأيت ربك؟" فقال: "ويلك يا ذعلب، لم أكن بالذي أعبد ربا لم أره". قال: "فكيف رأيته؟ صفه لنا"، قال: "ويلك، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان" (بحار الأنوار، الجزء 4، الصفحة 27، الباب 5 الحديث 2).

المعنى الثاني: أنه لا يعرف الله تعالى إلا بهم ومن طريقهم، فالمراد بأنهم محال معرفة الله أنه لا يتوصل إلى المعرفة الحق إلا بتعريفهم، فتعود المعرفة الصادقة إليهم سلام الله عليهم.

ويدل على ذلك مثل حديث عبد الله بن أبي يعفور عن الإمام الصادق عليه السلام، الذي جاء فيه: "بنا عرف الله، وبنا عبد الله، ونحن الأدلاء على الله، ولولانا ما عبد الله" (توحيد للصدوق، صفحة 152، الباب 12 الحديث 9).

وكذلك حديث نصر العطار، أنه قال: "رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاث أقسم أنهن حق، إنك والأوصياء من بعدك عرفاء، لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتكم" (بحار الأنوار، جزء 23، صفحة 99، الباب 9 الحديث 2).

وهكذا جاء في حديث الأصبغ بن نباته عن أمير المؤمنين عليه السلام: "نحن الأعراف الذين لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا" (بحار الأنوار، جزء 24، صفحة 180، الباب 62 الحديث 2).

فطلب المعارف يكون من طريق أهل البيت، وبمعرفتهم، وهذا هو الإيمان، وفي مقابله يكون سلوك طريق غيرهم، وهو الكفر والعصيان.

ولا تنافي بين المعنيين، ويمكن الجمع بينهما، فالأئمة محال معرفة الله، أي أنهم أولاً هم الذين عرفوا الله حق معرفته، وثانياً يترتب على ذلك أنه لا يعرف الله إلا من طريقهم، فالمعنى الثاني يترتب على المعنى الأول، فلو سأل سائل: لم لا يعرف الله إلا من طريقهم؟ لأجيب: لأنهم هم الذين عرفوا الله فقط، فلا تنافي بين المعنيين.

ولنلحظ خواص أهل البيت عليهم السلام الذين خصوهم بالتعليم والتأديب، ووصلوا إلى درجة الكمال مثل كميل بن زياد النخعي، وميثم التمار، ورشيد الهجري، وحبيب بن مظاهر الأسدي، وغيرهم.

ثم قال عليه السلام: "ومساكن بركة الله"، "المساكن" جمع "مسكن"، وهو محل النزول والسكون، على وزن "مفعل" من السكن والهدوء والاستقرار، والبركة هي كثرة النعمة والخير والكرامة وزيادة التشريف والكرامة والنماء والسعادة.

وأهل البيت عليهم السلام هم محل الفيوضات الإلهية، ومستقر البركات الربانية، وبهم يُبارك الله على الخلائق الأرزاق المادية والمعنوية، معاً وبوسيلتهم، في حياتهم ومماتهم، الله عز وجل يمن على خلقه بالعطايا الجزيلة إذا توسل بهم صلوات الله وسلامه عليه.

وهذا أمر تام بالوجدان، لا يحتاج إلى برهان. فيمكن إثبات أنهم أسباب البركة والعطايا الجزيلة من الله بأحد أمرين:

الأمر الأول الوجدان، إذ ما خاب من توسل بهم وتمسك بحبلهم، والقصص كثيرة في من توسل بالآل عليهم السلام ومن الله عليه بالشفاء والعطايا.

الأمر الثاني: الدليل والبرهان، ويدل على كرامتهم المشهودة الروايات المتواترة.

نذكر بعض الروايات:

الأول حديث الإمام السجاد عليه السلام يقول: "وبنا ينزل الغيث وتنشر الرحمة وتخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها".

الثاني حديث الإمام الصادق عليه السلام: "بنا أثمرت الأشجار وأينعت الثمار وجرت الأنهار، وبنا أنزل غيث السماء ونبت عشب الأرض".

الثالث حديث الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: "ثم لتسألن يومئذ عن النعيم" قال: نحن أهل البيت الذين أنعم الله بنا على العباد، وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين، وبنا ألقى الله بين قلوبهم وجعلهم إخوانا بعد أن كانوا أعداء، وبنا هداهم الله للإسلام، وهي النعمة التي لا تنقطع، والله سائلهم عن حق النعيم الذي أنعم به عليهم، وهو النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام".

الرابع ما جاء في زيارة الرجبية المعروفة: "فبكم يجبر المهيض ويشفى المريض".

الخامس حديث الإمام الصادق عليه السلام: "نحن أهل بيت الرحمة وبيت النعمة وبيت البركة" إلى غير ذلك من الروايات المتواترة فهي قطعية.

ولقد بارك الله تبارك وتعالى في آل محمد بجميع أنواع البركات، وجعل الصديقة الطاهرة فاطمة عليها السلام الكوثر ومنبع الخير الكثير والنسل الوفير للنبي صلى الله عليه وآله.

ثم قال عليه السلام: "ومعادن حكمة الله".

المعادن جمع "معدن" بكسر الدال بمعنى محل استقرار الجواهر وإفاضتها، وهو مركز كل شيء وأصله ومبدأه، والحكمة في اللغة هي العلم الذي يرفع الإنسان ويمنعه عن فعل القبيح، مستعارٌ من حكمة اللجام، وهي ما أحاط بحنك الدابة ويمنعها عن الخروج والمخالفة، ويكون هذا المنع للإصلاح، كما جاء في مجمع البحرين للطريحي، مادة "حكم" صفحة 501.

إذن، الحكمة كالعقل، فالعقل في اللغة بمعنى المانع، وقد أخذ من عقل الدابة أي ربط الدابة ومنعها عن الهروب، وسُمّي العقل عقلاً لمنعه الإنسان من الوقوع في الخطأ، فسُمّي العقل عقلاً لمنعه، كذلك الحكمة. الحكمة هي من حكمة اللجام، واللجام ما يوضع على رأس الفرس، وفيه حكمة، وهذه الحكمة تكون على حنك الدابة، أي موضع من رقبة الدابة والفرس تمنع الفرس من الخروج عن المسار الذي يسيرها الفارس، فكما أن حكمة اللجام تمنع الفرس من الذهاب إلى مسار لا يريده الفارس، كذلك حكمة العقل تمنع الإنسان من الوقوع في القبيح والرذائل.

هذا تمام الكلام في معنى الحكمة في اللغة، ويراد بها العلم الذي يرفع الإنسان ويمنعه من السقوط في القبيح.

وعُرّفت الحكمة اصطلاحاً بأنها العلوم الحقيقية الإلهية، وقد وردت كلمة الحكمة في القرآن الكريم وفي سيرات كلمات الأئمة المعصومين بما نستغني معها عن تفسير الآخرين، قال الله تعالى: "ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا" (سورة البقرة، آية 269)، وقال عز اسمه: "ولقد آتينا لقمان الحكمة" (سورة لقمان، آية 2).

وفسرها المعصومون عليهم السلام بضياء المعرفة وطاعة الله، هذه كل تفاصيل الحكمة، فمصاديقها هي كلها مصاديق للحكمة ومعرفة الله واجتناب الكبائر التي أوجب الله عليها النار والعقاب والتفقه في الدين والعقل والفهم، هذه كلها مصاديق للحكمة.

قال: "ومعادن حكمة الله"، أي أن أهل البيت عليهم السلام هم معادن أنوار الحكمة الإلهية وأصول المعارف الربانية وأسمى المراتب العقلائية، ويدل على ذلك عدة روايات نذكر بعضها:

الأولى حديث جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله آخذاً بيد علي بن أبي طالب وهو يقول: "أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد الحكمة فليأتي الباب".

الثاني خطبة أمير المؤمنين عليه السلام: "أيها الناس، نحن أبواب حكمة الله ومفاتيح الرحمة وسادة الأئمة وأمناء الكتاب وفصل الخطاب" إلى أن يقول: "وإنا أهل البيت خصنا بالرحمة والحكمة".

الثالث حديث يونس بن ظبيان عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "يا يونس، إذا أردت العلم الصحيح، فخذ عن أهل البيت، فإنا روينا وأوتينا شرح الحكمة وفصل الخطاب، إن الله اصطفانا وآتانا ما لم يؤتِ أحدًا من العالمين".

وفي كتاب "البلد الأمين" للكفعمي توجد بعد هذه الفقرة "ومعادن حكمة الله" زيادة وهي: "وخازنة علم الله"، أي أن جميع العلوم الإلهية مخزونة عندهم ومحفوظة لديهم، وقد مر شرح ذلك في قوله عليه السلام: "وخزان العلم" فتصير هذه الفقرة فيها تكرار بناءً على نسخة "البلد الأمين".

ثم قال عليه السلام: "وحفظة سر الله".

"حفظة" جمع "حافظ"، يقال: حافظ المال والسر، أي رعاه، والمحافظة على الشيء هي المواظبة عليه والمراقبة له والاعتناء به.

والسر جمع "أسرار"، وهو في اللغة بمعنى ما يُكتم، ومنه قولهم عليه السلام: "هذا من سر آل محمد"، أي من مكتومهم الذي لا يظهر لكل أحد، ولا ينبغي إذاعته.

وأسرار الله هي العلوم التي لا يجوز إظهارها وإفشاؤها إلا لمن هو أهل لها من أهل الكمال، وممن يتحملها مثل سلمان المحمدي وكميل بن زياد النخعي، فقد جاء في "الكافي" في كتاب العلم أن عيسى بن مريم وقف خاطباً في بني إسرائيل، فقال: "يا بني إسرائيل، لا تعلموا الحكمة الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها عن أهلها فتظلموهم، الناس درجات والحكمة والعلم كمس ثمين تحتاج إلى من يقدره".

لذلك أتقن الحديث مع الطرف المقابل إذا عرفته، الآن في علم السلوك والاجتماع، يقولون: "أول شيء وأهم شيء في المحاورة أن تعرف ذهنية الطرف المقابل"، إذا عرفت ذهنية الطرف المقابل، أتقنت الحديث معه.

إذن أهل البيت هم حفظة سر الله والمراعون للأسرار الإلهية، وليس كل أحد قابل لأن يستودع السر الإلهي، فبعض الأسرار الإلهية لا يتحملها ملك مقرب، لا يتحملها إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، وبعض الروايات قالت: "إن أمرنا صعب مستصعب"، فعدم التحمل يدعو إلى حفظ السر وعدم إفشائه، كما ذكر في بعض القضايا الذين لم يتحملوا الاسم الأعظم، ودون كقصة الخضر عليه السلام وموسى في القرآن الكريم.

وبعض الروايات دلت على أن الأئمة عليهم السلام أرقى من جميع الأنبياء عدا النبي محمد صلى الله عليه وآله، كما في حديث إسحاق بن غالب عن الإمام الصادق في خطبته الشريفة التي يذكر فيها حال الأئمة، قال عليه السلام: "استودعه سره واستحفظه علمه واستخباه حكمته واسترعاه لدينه وانتدبه لعظيم أمره".

وكما في حديث سيف التمار عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما إني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأن موسى والخضر عليهم السلام أُعطوا علم ما كان، ولم يُعطوا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله صلى الله عليه وآله".

(الكافي للكليني، الجزء الأول، صفحة 261، الحديث الأول).

ومن هذا الحديث يظهر أن الأئمة علمهم ليس بالاجتهاد كما يجتهد المجتهدون، بل علمهم علم رباني، ويأخذونه أيضًا من الوراثة من النبي محمد أو الإمام السابق.

ثم قال عليه السلام: "وحملة كتاب الله"، يأتي عليه الكلام، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo