46/07/08
8 رجب الأصب 1446
9 يناير 2024
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحأفضا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (العاشر): وورثة الأنبياء
شرح قوله عليه السلام "وورثة الأنبياء"، وصف الإمام الهادي عليه السلام الأئمة في الزيارة الجامعة الكبيرة بأنهم ورثة الأنبياء.
الورثة جمع وارث، وهو من يبقى بعد الميت المورث، ويستحق ميراثه وتركته، والميراث هو ما يخلفه الرجل أو الشخص لورثته، ويطلق على كل ما يورث، ومنه قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا} (سورة فاطر، الآية 30)، وهم الأئمة الذين أورثهم الله كتابه.
والأنبياء المبعوثون هم مئة واربعة وعشرين ألف نبي، وأهل البيت قد وارثوا جميع الأنبياء، وسيدهم وخاتمهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والمواريث التي وصلت إلى الأئمة وورثوها من الأنبياء كثيرة، وقد دلت الأحاديث الشريفة عليها في أبواب متعددة.
يمكن مراجعة "أصول الكافي" جزء الأول صفحة 203، و"بصائر الدرجات" صفحة 174، و"بحار الأنوار" جزء 26 صفحة 200.
ونذكر ما ورثه الأئمة بشكل موجز ومختصر كما يلي:
الأول الكتب السماوية التي نزلت من عند الله عز وجل على أنبيائه، كصحف إبراهيم، وتوراة موسى، وألواح موسى، وزبور داود، وإنجيل عيسى، وسائر الكتب الأخرى، بل كل ما كان عند الأنبياء من علم، فإن خزائن علم الأنبياء ورثت للأئمة عليهم السلام، وقد مضى في كلام الإمام الهادي وخزان العلم.
الثاني الاسم الإلهي الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا جعله بين المسلمين والمشركين لم يصل المشركون إلى المسلمين، ولا تصل إليهم نشابه أبداً، كما في حديث السماع، في "الإرشاد" للشيخ المفيد، في الجزء الثاني صفحة 178، بل تدل الروايات على أن الأئمة أعطاهم الله اثنين وسبعين حرفاً من الاسم الأعظم.
يراجع "أصول الكافي" جزء الأول صفحة 232.
الثالث سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله: السيف، والدرع، والمغفر، وهي من مختصات الأئمة، وتدور مع الأئمة، يخلفها إمام عن إمام، وهي محفوظة عندهم، ولا تصل إلى أيدي غيرهم، وجميع هذه الأمور التي سنذكرها كلها موجودة عند إمام العصر محمد بن الحسن القائم المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
الرابع راية رسول الله العقاب ورايته المغلوبة التي لا تنشر إلا ويكون معها النصر والغلبة، وسيف رسول الله المخذم، وسيف أمير المؤمنين عليه السلام ذو الفقار الذي هبط به الأمين جبرائيل، وقلده رسول الله الإمام علي سلام الله عليه، وكذا رايته السحابية.
يراجع "بحار الأنوار" جزء ثلاثين وخمسين صفحة 307.
أتذكر حينما ذهبت إلى اسطنبول في تركيا، هناك متحف مفتوح أربع وعشرين ساعة في هذا المتحف هناك سيف يقال: هذا سيف ذو الفقار، وسيف الزبير بن العوام، وقميص فاطمة الزهراء، وشعرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك عصا تنسب إليه.
أتذكر حينما تأملت وطالعت، قلت: هذه الأمور الحقيقية هي عند الإمام المهدي وليست هنا.
الخامس الجفنة التي أهديت إلى رسول الله ملأها اللحم والثريد، وكانت مباركة، رآها بعض الأصحاب وتمسح بها، كما في "بحار الأنوار" جزء 26 صفحة 214 الحديث 27.
السادس سائر تراث النبي صلى الله عليه وآله، كخاتمه الفيروزج، وقميص القائم عجل الله تعالى فرجه، وكتاب أسماء أهل الجنة والنار، كما جاء في حديث حمران، وأبان بن عثمان، وحديث ابن مهران.
السابع تابوت بني إسرائيل الذي فيه السكينة والعلم والحكمة، ويدور معها العلم والنبوة والملك، وفيها بقية مما ترك أهل موسى وأهل هارون، تحمله الملائكة، وفسرت السكينة التي فيها بأنها ريح تخرج من الجنة، لها صورة كصورة الإنسان.
الثامن قميص يوسف وأصل قميص يوسف، وقميص إبراهيم الخليل أبو الأنبياء، ألبسه جبرائيل خليل الرحمن إبراهيم، فلم يضر معه ريح ولا برد ولا حار. وانتقل هذا القميص من إبراهيم إلى ابنه إسحاق، ومن إسحاق إلى ابنه يعقوب، ومن يعقوب إلى ابنه يوسف، وحين أخرجه يوسف من محرزه، اشتم يعقوب ريحه، وقال: "إني أجد ريح يوسف"، وأيضًا عندهم قميص آدم عليه السلام.
التاسع مواريث النبي موسى عليه السلام، بالإضافة إلى التوراة والألواح، وهي:
أولاً الحجر الذي انفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وينادي الإمام المهدي حين خروجه من مكة: "ألا لا يحملن أحدكم طعاماً ولا شراباً، فلا ينزل منزلاً إلا وانبعثت عين، فمن كان جائعًا شبع، ومن كان ظامئًا روي" كما في حديث أبي سعيد الخراساني.
"بحار الأنوار" جزء 3 صفحة 185 الحديث الثاني.
الثاني العصا التي كانت من آس الجنة، وكانت تروع وتلقف كل شيء بلسانها وشفتيها، التي تنفتحان أربعين ذراعًا، وتأتي بالعجب العجاب، مما تلاحظها في بيان خصائصها.
يراجع "الكافي" الجزء الأول صفحة 230 الحديث الأول.
الثالث الطشت الذي كان يقرب فيه النبي موسى عليه السلام القرابين، فتأكله النار علامة للقبول.
هذه أمور ثلاثة مما ورثه الأئمة من مواريث موسى عليه السلام.
العاشر خاتم سليمان عليه السلام الذي رُوي أنه كان إذا لبسه سخر الله له الطير، والريح، والملك، وهذا الخاتم له شأن عظيم، وجميع هذه المواريث العشرة موجودة عند الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف مع مواريث الأئمة.
يراجع "أصول الكافي" الجزء الأول صفحة 235 الحديث الثاني.
وبالإضافة إلى هذه الأمور الموجودة عند الإمام المهدي، فإن غلبة الإمام المهدي بهذه الأمور، وبأمور أخرى، الله عز وجل يعطيها إياه.
الأمر الأول: إرادة الله، قال تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} (سورة القصص، الآية 5) إلى الآن لم ترث الأرض.
وقوله تعالى: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" (سورة التوبة، آية 33) يشير إلى أنه إلى الآن لم يظهر الدين كله على جميع الأرض، فإرادة الله إذا اقتضت إرادة الله أن يكون النبي داود وهو شاب صغير يرمي ثلاث حصيات فيقتل جالوت، قائد الجيش الكبير.
ثانيًا: الإمام المهدي عنده قدرة فوق القدرة البشرية، وأعلى من الأمور الطبيعية، عنده الاسم الشريف، وما تقدم من هذه المواريث: الراية المغلبة، وعصا موسى، وخاتم سليمان، وفي بعض الروايات إن سيوف أصحابه نازلة من الجنة، وإذا أصابت الجبال قطعتها أو هشمتها.
ثالثًا: إن الله عز وجل ينصره بالملائكة المسومين والمردفين والمنزلين والكروبيين، وهذان الكروبيين هما أعلى درجتين من الملائكة في العليين، وسادة العليين الكروبيين مع جبرايل وميكائيل وإسرافيل، خصوصًا جبرايل الذي هو رأس الكروبيين، الذين هم سادة الملائكة المقربين، قال تعالى: "ذي قوة عند ذي العرش مكين" (سورة التكوير، آية 20).
الأمر الرابع: الإمام المهدي منصور بالرعب في قلوب الأعداء، فلا يتسنى للظالمين استعمال السلاح بواسطة الرعب الذي يرقى في قلوبهم، ويحول بينهم وبين أعمال قدرتهم، قال تعالى في سورة الأحزاب، آية 26: "وقذف في قلوبهم الرعب، فريقًا تقتلون وتأسرون فريقًا"، وفي الحديث: "الرعب يسير مسيرة شهر، أمامه وخلفه، وعن يمينه وعن شماله" (الغيب للنعماني، صفحة 307، الحديث الثاني).
كل الأئمة عندهم كذلك بالنسبة للعلم، إذ تقدم عندهم الجامعة طولها سبعون ذراعًا، عندهم مصحف علي، وهو القرآن الذي جمعه الإمام علي مع تفسيره وبيان شأن النزول فيه، وأسماء المنافقين، وعندهم كتاب علي، وعندهم مصحف فاطمة.
هذا تمام الكلام في قوله "وورثة الأنبياء".
ثم قال: "والمثل الأعلى" المثل بفتح الميم والسين وجمعه مثل، يأتي على معاني ثلاثة:
المعنى الأول: بمعنى الحج والدليل والآية، ولعل منه قوله تعالى: "وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون" أي الأمثال والآيات والدلائل القرآنية التي هي حجج، وأعلى الحجاج وأرفع الحجاج وأقوى الأدلة هم الأئمة عليهم السلام، فهم الأدلاء على الله.
المعنى الثاني: المثل بمعنى الحديث والقصة، كما يستفاد من مجمع البحرين، مادة مثل، صفحة 495، فالعرب تسمي الحديث الحسن والقصة الرائقة بالمثل، قال تعالى: "يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له" إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا، ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه من ضعف الطالب والمطلوب، فبناءً على هذا التفسير، المثل الأعلى يعني القصة والسيرة العليا التي تضرب للناس.
المعنى الثالث: الصفة، فإنه يستعمل المثال في توصيف الشيء، قال تعالى: "مثل الجنة التي وعد المتقون" يعني صفة الجنة التي وعد المتقون: "فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم" يعني هذه هي صفة الجنة. (سورة محمد، آية 15).
هذه معاني ثلاثة للمثل.
بناءً على المعنى الأول (الحج والدليل والآية)، فإن أهل البيت هم أعظم حجج الله تعالى، وأكبر آياته. وبناءً على المعنى الثاني (وهو الحديث والقصة)، فأهل البيت هم حديث الله الصادق، وقصصه الحق، وأنباؤه الراشدة. وبناءً على المعنى الثالث (أي الصفة)، فأهل البيت تحيات الله عليهم هم المتصفون بصفات الله، بل أكمل مظاهر أسمائهم.
أقول: المثل يجمع على مثل، والمراد بالمثل القيم، تقول: هذه مثل، وقد ألف المرحوم الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء رسالة إلى لبنان حينما دعي إلى مؤتمر في بحمدون، فكتب لديهم رسالة طويلة طبعت في كتاب تحت عنوان "المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون" أي أن القيم العليا في الإسلام، فهنا المثل الأعلى يعني أعلى قيمة في الإسلام، وهم الأئمة عليهم السلام.
فالنموذج الأعلى في الإسلام هم الأئمة، هكذا استظهر والله العالم، يعني وصلوا إلى أعلى مقام في الدين والإسلام.
ثم قال عليه السلام: "والدعوة الحسنى" الدعوة جاءت بأحد معنيين، ويمكن أن يراد كلا المعنيين:
المعنى الأول: دعوة مصدر دعا، يدعو، دعوة، بمعنى أنهم أهل الدعوة الحسنى، بحذف المضاف أهل، والدعوة الحسنى بمعنى أن الأئمة أهلٌ للدعوة الحسنى، أي أنهم أحسن الدعاة إلى الله، فهم يدعون بأحسن وجه إلى الله وإلى الإسلام.
وهذا المضمون موجود في الآيات والروايات والزيارات، قال تعالى: "وصف النبي الكريم وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا" (سورة الأحزاب، آية 46).
وجاء في زيارة الإمام المهدي المعروفة بزيارة آل ياسين: "السلام عليك يا داعي الله ورباني آياته"، وفي حديث البصائر، عن الإمام الصادق عليه السلام: "جعل الله الأئمة الدعاة إلى التقوى" (مرآة الأنوار ومشكات الأسرار، صفحة 101).
إذاً، المعنى الأول أن أهل الدعوة الحسنى يعني أبرز مصداق للدعوة الحسنى، والأفضل في الدعوة إلى الله هم الأئمة.
المعنى الثاني عجيب بديع، ويمكن الجمع بين المعنيين، بأنهم استجابوا لدعوة إبراهيم الخليل، إذ دعا أبو الأنبياء أن يكون من ذريته أهل الصلاح كما في الآية.
المعنى الثاني: الدعوة بمعنى الدعاء، الدعوة الحسنى، أي هم الدعاء الحسن، يعني هم مظهر استجابة الدعوة الحسن لإبراهيم الخليل، فالدعوة بمعنى الدعاء، تقول: دعوت الله، وأدعوه دعاءً ودعوة، أي ابتهلت إليه بالسؤال، فيكون المعنى الثاني أن في شأن الأئمة كانت دعوة أبيهم نبي الله إبراهيم الخليل، فكانوا هم المقصودين بالدعوة الحسنى من سيدنا إبراهيم خليل الرحمن.
لذلك كان النبي محمد صلى الله عليه وآله يقول: "وأنا دعوة أبي إبراهيم" (تفسير القمي، الجزء الأول، صفحة 62).
وقال الإمام الباقر عليه السلام: "فنحن والله دعوة إبراهيم" (تفسير الصافي، الجزء الثاني، صفحة 91).
فما هي دعوة إبراهيم الخليل حسب القرآن؟ هناك ثلاث دعوات:
الدعوة الأولى فيما حكاه الله على لسان إبراهيم، قال تعالى: "ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك" هذا دعوة لأمة مسلمة، ودعوة إبراهيم عليه السلام في حق النبي (ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم)، وهذه مصداقها النبي محمد صلى الله عليه وآله.
الدعوة الثانية على لسان إبراهيم: "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" واسكن زوجته هاجر وولده إسماعيل، والنبي العدناني من نسل إبراهيم، ومن نسل إسماعيل.
الدعوة الثالثة: قول الله على لسان إبراهيم خليل الرحمن: "واجعل لي لسان صدق في الآخرين" والنبي هو مصداق لسان الصدق، والأئمة مصداق لسان الصدق، حيث استجاب الله دعاءه وأخبر عنه بقوله: "ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليّا."
المقطع الأخير من التسليم الثاني من الزيارة الجامعة قال: "وحجج الله على أهل الدنيا والآخرة والأولى ورحمة الله وبركاته"، المقطع الأخير فيه إشارة إلى عالم الزار، وفيه بحث عميق يأتي عليه الكلام، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.