« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الحدیث

46/07/01

بسم الله الرحمن الرحيم

1 رجب الأصب 1446
2 يناير 2024

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحأفضا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (التاسع): السلام على أئمة الهدى ومصابيح الدجى

 

قال الإمام الهادي عليه السلام: "السلام على أئمة الهدى ومصابيح الدجا وأعلام التقى، وذو النهى" هذا هو السلام الثاني إذ إن الزيارة الجامعة الكبيرة للإمام الهادي عليهم السلام ابتدأت بخمس تسليمات على الأئمة عليهم السلام.

مضى الكلام في السلام الأول: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، وهذا هو السلام الثاني: السلام على أئمة الهدى، وقد تطرقنا إلى ثلاث معانٍ للسلام واستظهرنا أن المراد بالسلام هو "الله عز وجل"، أي: "السلام عليكم" أي: "اسم الله عليكم"، ومن خاصية هذا الاسم السلام والرحمة، أي: "سلام الله ورحمته وبركاته عليكم يا أئمة الهدى".

والأئمة جمع إمام، والإمام هو المقتدى. قال تعالى: "إني جاعلك للناس إمامًا" (سورة البقرة، آية 124)، أي: يأتم بك الناس ويقتدون بك، فيتبعونك ويأخذون عنك، فالناس يأمون أفعاله، أي: يقصدون أفعاله فيتبعونها.

والهدى مأخوذ من الهداية والإرشاد، والمراد بالهداية إراءة الطريق، فمن كان على هدى، أي كان على بينة من ربه، فالمراد بالهداية في الاستعمال الشرعي الدلالة إلى الحق والدعاء إليه وإراءة الطريق والإرشاد إليه والأمر به.

وأهل البيت عليهم السلام هم أئمة الهدى، أي هم القاعدة الذين بهم يظهر الطريق الصحيح، فهم أئمة الناس في الهداية، فهم الهدات وورثة الرسول صلى الله عليه وآله، الذي قال الله تعالى في حقه: "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم" (سورة الشورى، آية 52)، وهم عُدَل القرآن، الذي وصفه الله عز وجل بقوله: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" (سورة الإسراء، آية 9).

ثم قال عليه السلام: "ومصابيح الدجى".

مصابيح جمع "مصباح"، وهو في اللغة بمعنى السراج الثاقب المضيء، والمصباح والسراج يُكنى بهما عن كل ما يُهتدى به.

والدجى جمع "دجى"، بضم الدال، أي: مظلم. يقال: "ليل داجٍ" أي مظلم.

والأئمة عليهم السلام هم مصابيح الدجى، أي السراج والضياء الذي يُستنار به في ظلمة الطريق كظلمة الجهل والشرك والكفر، فبنورهم يحصل نور الإيمان والطاعة والمعرفة، بل هم المثل الأعلى لمصباح الهدى وسفينة النجاة.

جاء في حديث عبد العزيز بن مسلم عن الإمام الرضا عليه السلام، قال: "الإمام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الأفُق، بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار، الإمام البدر المنير والسراج الزاهر والنور الساطع والنجم الهادي في غياهب الدجى" (الكافي للكليني، في الجزء الأول، صفحة 200، في الحديث الأول).

ثم قال عليه السلام: "وأعلام التقى".

أعلام جمع علم، بفتحتين، مثل "أسباب" جمع "سبب"، ومعناه العلامة.

قالت الخنساء: "وإن صخرًا لتأتم الهداة به، كأنه علامة في رأسه نار"، فالمراد العلامة. ويُطلق على الجبال علم لكونها علامة، فيُطلق "العلم" على الجبال التي يُعلم به الطريق، والمنار المرتفع الذي يُوقد في أعلاه النار ليهتدي به الضال، والراية التي يُعرف بها أهل تلك الراية وتكون علامة لهم، فأعلام جمع علام، والمراد بالعلامة.

والتقى مصدر "اتقى"، ومعناه: التقوى. والتقوى على وزن "نجوى" اسم من "الإتقاء" وهي لغة بمعنى التحذر. فالتقوى مأخوذة من وقى يقي وقاية، أي حذر وتحذر. هذه التقوى في اللغة.

لكن جاءت التقوى بعدة معانٍ واستعمالات في القرآن الكريم:

الاستعمال الأول: معنى الخشية والهيبة، قال تعالى: "وإياي فاتقون" أي: "فاخشوني وهابوني" (سورة البقرة، آية 1 و2).

المعنى الثاني: الطاعة والعبادة، ومنه قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته" (سورة آل عمران، آية 102)، أي: أطيعوه وعبدوه حق عبادته.

المعنى الثالث: تنزيه القلوب عن الذنوب، قال تعالى: "ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فهؤلاء هم الفائزون" (سورة النور، آية 52)، ويتقه يعني: ينزه قلبه من الذنوب والعيوب.

قال العلامة المجلسي: "التقوى من الوقاية، وهي في اللغة فرط الصيانة، وفي العرف صيانة النفس عما يضرها في الآخرة وقصرها على ما ينفعها فيها"، ولها ثلاث مراتب:

الأولى: وقاية النفس عن العذاب المحتمل بتصحيح العقائد الإيمانية.

الثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك، كما هو المعروف عند أهل الشرع.

الثالثة: التوقي عن كل ما يذهب بالقلب عن الحق، وهذه درجة الخواص، بل خاص الخاص.

(بحار الأنوار، العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي، الجزء السبعين، صفحة 136).

وجاء في الحديث تفسير جامع لطيف ضريف للتقوى فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن تفسير التقوى، فقال: "أن لا يفقدك حيث أمرك، ولا يراك حيث نهيتك" (سفينة البحار، الجزء الثامن، صفحة 558).

سُئل: ما الفرق بين التقوى والورع؟

الجواب: "التقوى اجتناب الذنوب، والورع اجتناب الشبهة"، هذا بشكل مختصر، وإلا يوجد تفصيل في معنى مصطلح الورع والتقوى، فهما قد يأتيان بمعنى واحد.

فمثلًا لو علمت أن هذا خمر أو لحم خنزير فاجتنبتهما، فهذا تقوى، لكن لو شككت: "هل هذا المائع خمر أو خل؟" أو "هل هذا اللحم لحم خنزير أو لحم بقر أو غنم؟"، لكن اجتنبته لمكان الشبهة، فهذا ورع.

ومن هنا يتضح أن درجة الورع أرفع من درجة التقوى، والمطلوب من الجميع هو التقوى، ولو راجعنا القرآن الكريم، لوجدنا أن أكثر صفة حثَّ عليها القرآن الكريم هي صفة التقوى، أي أن المطلوب من الجميع الوقاية من الذنوب، فالتقوى من وقاية، أي: اتقاء الذنوب، وما هي الذنوب؟ فعل المحرمات أو ترك الواجبات.

وهناك ثلاث درجات يترقى فيها المسلم والمؤمن:

الدرجة الأولى: عمل الواجبات وترك المحرمات، وهذه أدنى درجة في الطاعة.

الدرجة الثانية: عمل المستحبات وترك المكروهات، أي فعل الأولى وترك ما ينبغي.

فالدرجة الأولى ناظرة إلى الأحكام الإلزامية من واجبات ومحرمات، والدرجة الثانية ناظرة إلى الأحكام الترخيصية غير الإلزامية من مستحبات ومكروهات.

الدرجة الثالثة: تحويل المباحات إلى مستحبات. فالمباح كالنوم والأكل والمشي يقصد به التقرب إلى الله عز وجل، فينام ليقوى على العبادة والطاعة، ويقصد بالأكل والشرب التقوي على الدرس والعبادة وطاعة الله، ويقصد بالمشي رياضة البدن ليقوى على طاعة الله عز وجل، فهذه الدرجة الثالثة درجة راقية جدًا، لا يصل إليها إلا من روَّض نفسه.

ثم قال عليه السلام: "وذوي النهى".

"ذوي" جمع "ذي"، بمعنى صاحب، فذوي بمعنى أصحاب، أصحاب النهى، النهى جمع "نهى"، بضم النون، بمعنى العقل؛ فإنه يسمى العقل بالنهى لأنه ينهى عن القبائح، أو لأن صاحبها ينتهي إليها عن القبائح أو ينتهي إلى اختياراته العقلية، وللعقل أسماء أخرى كثيرة وردت في اللغة العربية أو استُعملت في المحاورة، فمن أسماء العقل: الحصاة، والحصافة، والحجر، والحجى، والغربة، والمرة، والنهيزة، والأدب، واللب، والفطنة (يُراجع: تهذيب الألفاظ، صفحة 183، والألفاظ الكتابية، صفحة 144).

فالنهية إذًا هي التي جمعت على نهى، بمعنى العقل، فقوله عليه السلام: "وذو النهى"، أي: أصحاب العقول، أي إن أهل البيت عليهم السلام أصحاب العقول الكاملة، وهم المعنيون بقوله تبارك وتعالى: "إن في ذلك لآيات لأولي النهى" (سورة طه، آية 128)، كما في حديث عمار بن ياسر، فقد فُسّرت بالأئمة من أهل محمد صلى الله عليه وآله، حيث قد بلغوا القمة في العقل، وكانوا سادة العقلاء (يُراجع: تفسير كنز الدقائق للميرزاي محمد المشهدي، الجزء الثامن، صفحة 372).

ثم قال عليه السلام: "وأولي الحجى وكهف الورى".

أولي جمع، لا واحد له من لفظه، ويستعمل بدل مفرده "ذو" بمعنى صاحب، فأولو الحجى بمعنى أصحاب الحجى، والحجى هو العقل والفطنة، فالحجى من أسماء العقل، فهذه الفقرة وأولي الحجى، إما أن تكون عطف بيان على قوله وذوها فتفيد التأكيد، أو تكون مغايرة لها بأن نحمل الفقراء الأولى، وهي ذوي النهى، لبيان عقل المعاش والأمور الدنيوية، ونحمل الفقراء الثانية وأولي الحجى لبيان عقل المعاد والأمور الأخروية، كما أفاد السيد عبد الله شبر في الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة، صفحة تسعة وستين.

لكن لا قرينة على ما أفاده رحمه الله، وهناك وجه ثالث.

فالوجه الأول عطف بيان، والوجه الثاني الفقراء الأولى على العقل الدنيوي، والفقراء الثانية نحملها على العقل الأخروي.

الوجه الثالث أن يكون الحجى بمعنى العقل مع الفطنة والفطانة، فيزداد معنى الفقراء الثانية على الفقراء السابقة، وهذا المعنى يستفاد من اللغة العربية، ففي اللغة العربية ذو النهى، واضح أن النهى بمعنى العقل، أي أصحاب العقول، لكن لفظ الحجى يستخدم في العقل ويستخدم في الفطنة، يعني عندهم عقل وفطنة، بل هم أصحاب العقول وذو الفطن.

فلعل هذا الوجه الثالث هو الأولى لأنه إذا دار الأمر بين التأسيس والتأكيد، فإنه يحمل كلام المتكلم على التأسيس، يعني إذا تكلم المتكلم بكلام وبعبارة، ودار الأمر بين أنها تكرار للعبارة السابقة وتوكيد لمضمونها، أو أن هذا تأسيس لمطلب جديد، فإذا دار الأمر بين التوكيد والتأسيس، يحمل كلام المتكلم على التأسيس، لأن المتكلم حكيم، ولا داعي للتكرار، فيحمل كلامه على التأسيس.

فالحمل الأول عطف بيان وتفسير هذا حمل على التوكيد، هذا خلاف الأصل. والمعنى الثاني: حمل الفقرة الأولى على العقل الدنيوي، والثاني على العقل الأخروي لا شاهد عليه، فنحملها على الحمل الثالث، لأن له شاهداً في اللغة العربية، إذ الحجى يُستخدم بمعنى الفطنة، فيكون قوله عليه السلام: "وذوي النهى وأولي الحجى" يعني أصحاب العقول وأولي الفطن.

قال عليه السلام: "وكهف الورى".

الكهف هو الملجأ والمأمن، ومنه قوله عليه السلام: يا كهفي، حين تعيني المذاهب، أي يا ملجأي وملاذي حين تعجزني المسالك إلى الخير، وحينما أتردد، فأنت كهفي.

وهكذا جاء في زيارة أمير المؤمنين عليه السلام في اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان، يعني في ذكرى شهادته: "كنت للمؤمنين كهفاً وحصناً"، عمدة الزائر للسيد حسن صفحة 100.

والورى على وزن "فتى" بمعنى الخالق، كهف الورى يعني ملجأ الخلق، لأن الإنسان يلجأ إلى الكهف داخل الجبل لكي يحمي نفسه من الأخطار، فالأئمة كهف الورى، أي الأئمة عليهم السلام الملجأ الذي يلجأ إليه الخالق.

في حديث عبد العزيز بن مسلم عن الإمام الرضا عليه السلام قال: "الإمام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق، والأم البر بالولد الصغير، ومفزع العباد في الداهية النزال".

ولا بأس أن نختم بهذا الحديث في حديث معمر بن راشد قال: سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: أتى يهودي النبي صلى الله عليه وآله، فقام بين يديه يحد النظر إليه، فقال: يا يهودي، ما حاجتك؟ قال: أنت أفضل أم موسى بن عمران، النبي الذي كلمه الله، وأنزل عليه التوراة والعصا، وفلق له البحر، وأضله بالغمام؟

فقال النبي صلى الله عليه وآله: إنه يكره للعبد أن يزكي نفسه، ولكني أقول: إن آدم عليه السلام لما أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال: اللهم، إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما غفرت لي، فغفرها الله له.

وإن نوحاً لما ركب في السفينة، وخاف الغرق قال: اللهم، إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أنجيتني من الغرق. فنجاه الله عني.

وإن إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار قال: اللهم، إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أنجيتني منها. فجعله الله عليه برداً وسلاماً.

وإن موسى لما ألقى عصاه، وأوجس في نفسه خيفة قال: اللهم، إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أمنتني، فقال الله جل جلاله: لا تخف، إنك أنت الأعلى.

يا يهودي، إن موسى لو أدركني ثم لم يؤمن بي وبنبوتي ما نفعه إيمانه شيئاً، ولا نفعته النبوة.

يا يهودي، ومن ذريتي المهدي إذا خرج نزل عيسى بن مريم عليه السلام لنصرته، فقدمه وصلى خلفه.

(بحار الأنوار، جزء 26، صفحة ثلاثمائة وتسعة، في الباب السابع، الحديث الأول).

هذه الفقرة "وكهف الورى" وردت في كتاب البلد الأمين للكفعمي بصيغة "وكهوف الورى". وجاء بعدها: "وبدور الدنيا" بدور: جمع بدر، وهو القمر، في ليلة تمامه وكماله، يعني ليلة أربعة عشر من الشهر.

إذا أهل البيت هم البدور المضيئة التي أنارت العالم، وهدته إلى الطريق الأقوام، ولولاهم لهوى الناس في الظلمات وارتكست في الداجيات.

رزقنا الله ولايتهم وحبهم، والموت على ولايتهم، إنه تعالى على كل شيء قدير، وبالإجابة حقيق جديد.

قوله عليه السلام: "وورثة الأنبياء" يأتي عليه الكلام، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo