46/06/24
24 جمادى الآخرة 1446
26 ديسمبر 2024
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحأفضا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (الثامن): وأمناء الرحمان
شرح قول الإمام الهادي عليه السلام: "وأمناء الرحمن وسلالة النبيين وصفوة المرسلين وعترة خيرة رب العالمين ورحمة الله وبركاته".
وصلنا إلى قول الإمام الهادي في الصحيفة في الزيارة الجامعة: "أمناء الرحمان".
"أمناء" جمع أمين من الأمانة ضد الخيانة، والأمانة في كل شيء تعني عدم الخيانة فيه، والأمين هو المؤتمن على الشيء الذي لا يخون فيه، ومن هذا القول: "محمد أمين الله"، أي ائتمنه الله تعالى على وحيه ورسالاته، فمحمد الأمين هو الذي ائتمنه الناس ولم يخنهم في الأمانة.
والرحمن هو الواسع رحمته لجميع العالم في عموم رزقه وإنعامه، لفظ الرحمن اسم خاص بالله لصفة عامة، وهي الرحمة التي تعم المؤمن والكافر بل تعم جميع الخلق.
واسم الله الأعظم إما التدوين وإما تكويني فأسماء الله عزوجل كثيرة أحصاه بعضهم إلى تسعة وتسعين اسمًا، وبعضهم مائة وسبعة وعشرين اسمًا، فهذه أسماء عظيمة، وهناك اسم أعظم، والاسم الأعظم إما لفظي تدويني أو تكويني، والاسم الأعظم اللفظي هو لفظ الله والرحمن.
قال تعالى: "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيما تدعوا فله أسماء الحسنى"، فالـ"هاء" تعود إلى "أي ما تدعو"، فالأسماء الحسنى ترجع إلى لفظ الله وترجع أيضًا إلى لفظ الرحمن، فلفظ الرحمن ليس مجرد صفة كلفظ الرحيم، بل يؤتى به بلفظ الرحمن أحيانًا مكان لفظ الله عز وجل.
إذاً الاسم الأعظم القدر المتيقن هو لفظ الله، وقيل لفظ الله والرحمن، هذا في الاسم الأعظم اللفظي.
وأما الاسم الأعظم التكويـني فهو مقام يصل إليه المؤمن والعارف، والسالك والواصل، نتيجة أنسه وقربه من الله، فيفيض الله عليه إفضالات، فبالتعبد والتهجد والتبتل والمعرفة إذا اتصل المؤمن بالله، فإن الله عز وجل يفيض عليه، فيصير مثلاً مظهر اسم "فتاح"، أي مكان يروح الذي يفتح الله عليه.
فإذاً يصير مظهر اسم "فتاح" يعني عنده مقام اسم "فتاح". واضح إن شاء الله؟
وتفصيل ذلك في علم المعرفة، فيقولون: ليست أسماء الله هي أسماء الاسم، وبعضهم قال: هي أسماء أسماء الأسماء، فهذا الاسم هو اسم الاسم للاسم، الاسم الأول هو الذات الإلهية، الذات الإلهية هي عين الصفات، والصفات هي عين الأسماء، علم الله هو عين ذاته وذاته هي عين علمه، والقادر هو عين الذات، والذات هي عين القادر.
هذا الاسم الأول يعني حقيقة الذات، حقيقة الذات نتصور إليها مفهوم، هذا المفهوم الذهني هو اسم مشير إلى الذات التي هي؟ فيصير المفهوم الذهني اسم الاسم، ثم هذا المفهوم الذهني يوضع له لفظ فيصير اللفظ للمفهوم، والمفهوم الذهني هو اسم للذات الإلهية التي هي عين الأسماء الإلهية.
فيصير الاسم اللفظي مثل "فتاح" "عليم" "قدير" "رزاق"، هذا اللفظ اسم للمفهوم الذهني المتصور، والمفهوم الذهني المتصور هو اسم للذات الإلهية، التي حقيقة الذات هي عين الأسماء، فيصير الاسم اللفظي هو اسم الاسم للاسم، يعني الاسم اللفظي للصورة الذهنية التي هي اسم يعني علامة للذات الإلهية التي هي عين الأسماء.
موطن بحثنا "وأمناء الرحمن"، الشاهد هنا من هذا الكلام يعني يمكن أن تقول: أمناء الله وأمناء الرحمن. لم يقل: أمناء الرحيم، ولم يقل: أمناء القادر العليم، قال: "وأمناء الرحمن"، استخدم الاسم الأعظم اللفظي "أمناء الرحمن"، بمثابة "أمناء الله"، الذي هو أعظم الأسماء الإلهية.
هذه المفردة: أمين الله، أمين الرحمن، تكررت في العديد من الأدعية والزيارات، تقول في زيارة أمين الله، وهي من أقوى الزيارات اعتباراً، تزور أمير المؤمنين تقول: "السلام عليك يا أمين الله في أرضه وحجته على عباده"، وهي من الزيارات الجامعة، يمكن أن تزور جميع الأئمة بهذه الزيارة، تغير فتقول: إذا زرت الإمام الرضا "السلام على ابن موسى الرضا".
أما بالنسبة للزيارة الأولى لأمير المؤمنين في مفاتيح الجنان، تقول: هكذا في زور النبي، في زيارة أمير المؤمنين، "السلام من الله على محمد رسول الله، أمين الله على وحيه ورسالاته وعزائم أمره". وأيضاً تقول في الزيارة المطلقة الثانية لأمير المؤمنين: "السلام عليك يا أمين في أرضه".
عموماً، فالنبي والأئمة عليهم السلام هم أمناء الله على وحيه ورسالاته.
جاء في حديث سليم بن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين، قال: "إن الله تبارك وتعالى طهرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه وحجته في أرضه، وجعلنا مع القرآن، وجعل معنا لا نفارقه ولا يفارقنا".
في رواية جامع البيزنطي عن سليمان بن خالد قال: "سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الإمام الصادق ما من شيئين ولا من آدمي ولا إنسي ولا جن ولا ملك في السماوات إلا ونحن الحُجج عليهم، وما خلق الله خلقاً إلا عرض ولايتنا عليهم واحتج بنا عليهم، فمؤمن بنا وكافر وجاحد حتى السماوات والأرض والجبال"، "مستطرفات السرائب" ابن إدريس، الثالث، صفحة 575.
ثم قال الإمام الهادي عليه السلام واصفاً الأئمة: "وسلالة النبيين"، أي انتزاع الشيء وإخراجه برفق، يقال: "سللت السيف من الغمد"، أي انتزعته وأخرجته منه. ومنه أخذت السلالة بضم السين. وقد فسرت السلالة بمعنى الولد. فيطلق على الذكر سليل، ويطلق على الأنثى سليلة، كما عن الأخفش في لسان العرب الجزء الحادي عشر صفحة 239.
وفسرها الشيخ فخر الدين الطريحي بمعنى الخلاصة من الشيء، فسلالة النبيين أولادهم، والخلاصة المأخوذة منهم.
يوجد موسوعة اسمها "مثالب النواصب"، اثنا عشر مجلداً لابن شهر آشور، عنده كتب عديدة، أشهرها الكتاب الأول "مناقب آل أبي طالب"، خمسة مجلدات، هذا الكتاب مشهور، وكتاب ثانٍ "مثالب النواصب"، يذكر في هذا الكتاب في المجلد الثاني أن المسلمين تبركوا بكل شيء في النبي، بعضهم يحتفظ بشعرة للنبي أو ثياب للنبي، كما في متحف إسطنبول بتركيا أنا رحت المتحف وشفتهم.
يقول: "تبركوا بكل شيء في النبي عدا ذريته"، ثم بين من هدمت عليه ومن دفن حياً كشاه عبد العظيم الحسني في الري، والله عز وجل يقول: "قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى"، لكنهم عملوا بعكس النصيحة.
قال تعالى: "إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضهم من بعض والله سميع عليم" آل إبراهيم تشمل آل محمد صلى الله عليه وآله، وهم آل ياسين، ياسين هو النبي صلى الله عليه وآله، فهم خاصة النبي صلى الله عليه وآله.
إذا تلاحظ: نسب النبي، هذا نسبه: محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، سلام الله عليهم أجمعين.
فالنبي من مضار نزار ولدين ربيعة ومضى قبائل البحرين عبد القيس وبكر بن وائل. هذان من ربيعة وبنو تميم هؤلاء من مضر. تقول النبي الهاشمي بالنسبة إلى هاشم، التهامي نسبة إلى تهامة، من مكة إلى اليمن، منطقة حارة من التهم والحرارة، المكية يعني مولده، المدني مدفنة، العدناني بالنسبة إلى جدة عدنان، المضرّي نسبة إلى مضر ومضر بن نزار، لذلك ترى السادة يسمون مضار سيد نزار وسيد عدنان نسبة إلى أجداد النبي صلى الله عليه وآله.
تنويه: لقد كذب من ادعى أن بني أمية من نسل عبد مناف، فبنو أمية ليسوا من قريش بل هم الشجرة الملعونة في القرآن الكريم، وهم من أخس الأنساب والأحزاب، فبنو أمية لم يكونوا من العرب ولا من أهل الحسب والنسب، فجدهم أمية كان غلاما روميًا تبناه عبد شمس بن عبد مناف، فصار لصيقا به وليس ابنا لعبد شمس بن عبد مناف، وهذا ظاهر لا خفاء فيه، ثم ألحقوا أنفسهم بعبد شمس بن عبد مناف.
لذلك لم يستطع معاوية إنكار ما كتبه إليه أمير المؤمنين في كتابه إذ قال ما نصه: "ليس المهاجر كالطليق ولا الصريح كاللصيق"، يعني أمير المؤمنين مهاجر ومعاوية لم يكن مهاجرًا من مكة إلى المدينة، بل من الطلقاء الذين أطلق سراحهم رسول الله صلى الله عليه وآله عند فتح مكة. ولا الصريح كاللصيق؛ أمير المؤمنين بالصراحة هو من الناس ومن قريش.
من هو قريش؟ النضر بن الكنانة، النضر بن كنانة هذا قريش بخلاف معاوية وأبو سفيان، فهو لصيق. لصقوا روحهم بعبد شمس بن عبد مناف. هذا هو معاوية وبنو أمية، من جهة الأب، أصلهم رومي، الصقوا أنفسهم بعبد شمس بن عبد مناف. يراجع كلام أمير المؤمنين في بحار الأنوار، الجزء الثلاثين، صفحة مئة وسبعة.
معاوية من جهة الأم، أم معاوية هي هند بنت عتبة، وحملت بمعاوية من أربعة أشخاص، لم يكن منهم أبو سفيان حتى ينسب إليه، وقد صرح الزمخشري، الزمخشري من العامة، صاحب تفسير الكشاف وصاحب كتاب ربيع الأبرار، صرح الزمخشري بأن معاوية منسوب إلى أربعة لم يكن أبو سفيان مشتركا معهم، ربيع الأبرار، الجزء الرابع، صفحة مئتين وخمسة وسبعين، الباب ثمانية وستين، الرقم تسعة وتسعين.
بعد وجدة معاوية حمامة، كانت بغية من الرايات في ذي المجاز، أصحاب الرايات أي نساء يجعلون راية على بيوتهن. يعني حانت بغاؤهن، عهر فجور، الذي يريد أن يزني يأتي معها يزني بها، كانت من أصحاب الراية، هذا أصل بني أمية، أما نسباً فلا توجد لهم أي صلة بعبد مناف.
هذا تمام الكلام في بيان النسب الشريف للنبي صلى الله عليه وآله. في كتاب اسمه "سلسلة آباء النبي" كلهم سلام الله عليهم موحدين، من أبيه عبدالله إلى آدم عليه السلام، يذكر الأسماء كاملة.
ثم قال عليه السلام: "وصفوة المرسلين"، وصفوة المرسلين بتثليث الصاد، يعني يمكن أن تقول صفوة وصفوة وصفوة، بتثليث الصاد، من صفو شيء، أي خالصه وخياره وأحسنه، وفسرت الصفوة بمعنى نقاوة، وليس المراد صفوة في القطيف، الشيخ بعد ديرتهم، صفوة في القطيف، ابتسم لعل الصف مأخوذة من النقاوة والخلوص، تقول صفوة الكلام، صفوة الشيء، يعني خالصه خلاصته.
والمرسلين جمع مرسل، وهو الرسول مطلقاً. وصفوة المرسلين يعني الخلاصة، الذين اختارهم الله من رسله.
وإليكم بعض الأحاديث التي تدل على أن الأئمة صفوة المرسلين، في حديث الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام قال: "كانت في علي سنة ألف نبي". وحديث أبي ذر الغفاري قال: "بينما ذات يوم من الأيام بين يدي رسول الله إذ قام وركع وسجد شكراً لله تعالى. ثم قال: يا جند، من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في خلته، وإلى موسى في مناجاته، وعيسى في سياحته، وإلى أيوب في صبره وبلائه، فلينظر إلى هذا الرجل المقبل الذي هو كالشمس والقمر الساري والكوكب الدري، أشجع الناس قلباً وأكرم الناس فعلى مبغضه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".
قال: "فالتفت الناس ينظرون من هذا المقبل؟ فإذا هو علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام"، بحار الأنوار، جزء تسعة وثمانين، صفحة ثمانية وثلاثين، باب ثلاثة وسبعين، الحديث التاسع.
لذلك لم يبعث الله نبياً إلا بمعرفة حق الأئمة.
في حديث عبد الأعلى قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "ما من نبي جاء قط إلا بمعرفة حقنا وتفضيلنا على من سوانا".
ثم قال عليه السلام الإمام الهادي: "وعترة خيرة رب العالمين".
عترة الرجل: نسله ورهطه وعشيرته الأقربون. وجاء أيضًا بمعنى ذرية الرجل من صلبه. جيد، وعترتي خيارتي رب العالمين، "خيرة" يعني ما اختارهم الله، فعترة خيارة رب العالمين، يعني الناس الذين اختارهم النبي الذي اختاره رب العالمين.
ثم في الختام يقول: "ورحمة الله وبركاته".
هذه "ورحمة الله وبركاته" تتم إلى السلام. تقول: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته". السلام على... ثم "ورحمة الله وبركاته" هذه أول تسليمة من التسليمات الخمس في الزيارة الجامعة.
الرحمة والبركات معطوفتان على السلام الذي تقدم في أول الزيارة الشريفان في قوله: "السلام عليكم يا أهل بيت النبوة ورحمة الله وبركاته".
والرحمة أما بيان للسلام، أو أن السلام لرفع المكاره، والرحمة لجلب الفضائل، كما أن البركة هي الخير والكرم، تشمل البركات الدنيوية والأخروية.
رزقنا الله جميعاً محبة أهل البيت وبركاتهم، ورحمنا ببركتهم وبشفاعتهم. هذا تمام الكلام في الفصل الأول: التسليمة الأولى "السلام عليكم يا أهل بيت النبوة".
الفصل الثاني: التسليم الثانية "السلام على أئمة الهدى".