46/06/17
17 جمادى الآخرة 1446
19 ديسمبر 2024
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحأفضا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (السابع): وساسة العباد وأركان البلاد
شرح قوله عليه السلام "وساسة العباد وأركان البلاد وأبواب الإيمان".
قال الإمام الهادي عليه السلام في الزيارة الجامعة واصفاً الأئمة عليهم السلام: "وساسة العباد".
ساسة جمع "سائس"، يطلق في اللغة على المعاني الآتية: سوس الرجل أمور الناس إذا ملك أمرهم، فيكون السائس هو من يملك الأمور، والسوس هي الرئاسة، والسياسة فعل السائس، وهي القيام على الشيء بما يصلحه، (لسان العرب، الجزء السادس، صفحة مئة وثمانية).
وجاء في مجمع البحرين مادة "سوسة" صفحة ثلاثمائة وسبعة وعشرين، وهي مأخوذة من "سست الرعية سياسة" أي أمرتها ونهيتها.
وفي الخبر كان بنو إسرائيل تسوسهم أنبياءهم، أي تتولى أمرهم كالأمراء والولاة بالنسبة إلى الرعية.
وجاء في تاج العروس للزبيدي، الجزء الرابع، صفحة مئة وتسعة وستين، وفلان مجراب قد ساس وأسيس عليه، أي أدب وأدب.
إذن، لفظ السياسة يستبطن ثلاثة أمور: الأول، ملك الأمر؛ الثاني، الأمر والنهي؛ الثالث، التدبير والرعاية.
"العباد" جمع "عبد"، وهو مقابل المولى؛ أي عباد الله، فالله هو المولى والخلق عبيده.
سؤال: هل لفظ "العباد" يختص بخصوص الإنسان أو لا؟ وإذا اختص بالإنسان، هل يختص بخصوص الصالحين دون الطالحين أم لا؟
الجواب: لفظ "العباد" لا يختص بالصالحين، بل يشمل أيضاً غير الصالحين، قال تعالى: "وما الله يريد ظلماً للعباد"، هذا ليس ناظراً إلى الصالحين بل ناظراً إلى الفساق، كما أن لفظ "العباد" لا يختص بخصوص الإنسان بل يشمل الملائكة والجن أيضاً، قال تعالى: "وَجَعَلَ الْمَلَائِكَةَ الذين هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ".
إذن، المراد بـ"ساسة العباد" أي أن الأئمة ملوك العباد وخلفاء الله عليهم، كما أفاده العلامة المجلسي في بحار الأنوار، ووالده الشيخ محمد تقى المجلسي في روضة المتقين، والسيد عبد الله شبر في الأنوار اللامعة، كما أن للإمام الأمر والنهي من الله تعالى، كما عن المحدث الكاشاني في الوافي.
إذن، السياسة بالمفهوم الصحيح في معناها اللغوي والعرفي هي عبارة عن أمور ثلاثة: الأول الملوكية الربانية، أي أن الله ملكهم؛ الثاني الأمر والنهي، أي لهم حق الأمر والنهي؛ الثالث تدبير الرعية والعمل لصالحهم.
وأهل البيت عليهم السلام هم المثل الأعلى لهذه المناصب الهامة، وقد دلت الروايات الشريفة على ثبوت هذه المناصب الثلاثة للأئمة.
المَنْصَب الأول: الملوكية الربانية وخلافتهم الإلهية في الأرض.
يلحظ حديث بريد العجلي عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: "فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً"، قال: "جعل منهم الرسل والأنبياء والأئمة، فكيف يقرون في آل إبراهيم عليه السلام وينكرونه في آل محمد صلى الله عليه وآله؟".
قال: "قلت وآتيناهم ملكاً عظيماً؟!".
قال: "الملك العظيم أن يجعل فيهم أئمة، من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصى الله، فهو الملك العظيم".
وفي حديث عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "سألته عن الإمام، ففوض إليه كما فوض إلى سليمان بن داود؟، فقال: نعم".
هذا تمام الكلام في ذكر رواية تدل على المعنى الأول، "ساسة العباد" بمعنى الملوكية الربانية، أي أن الله عز وجل ملكهم شأن العباد.
المَعْنَى الثاني: الأمر والنهي، وهذا المعروف في السياسة اليوم هو الرئيس الذي يأمر وينهى.
يلاحظ حديث الفضيل بن يسار قال: "سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إن الله عز وجل أدب نبيه فأحسن أدبه، فلما أكمل له الأدب، قال: إنك لعلى خلق عظيم، ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده"، فقال عز وجل: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا".
وإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان مسددًا موفقًا مؤيدًا بروح القدس، لا يزل ولا يخطئ في شيء مما يسوس به الخلق، فَتَأَدَّب بآداب الله إلى آخر الرواية الشريفة المروية في الكافي، الجزء الأول، صفحة 266، الحديث الرابع فيه أن النبي أضاف عشر ركعات.
المعنى الثالث: تدبير شؤون الرعية بما فيه صالحهم. يمكن ملاحظة أحاديث باب جابر مكارم أخلاق أمير المؤمنين وآدابه وسننه وحسن سياسته مروية في بحار الأنوار، جزء 41، صفحة 102، الباب السابع مثل هذا الحديث حديث الفضيل بن يسار، وقد تقدم.
هذا حديث الإمام جعفر بن محمد أنه ذكر عن آبائه أن أمير المؤمنين كتب إلى عماله: "ادقوا أقلامكم، وقاربوا بين سطوركم، واحذفوا عني فضولكم، واقصدوا قصد المعاني، وإياكم والإكثار فإن أموال المسلمين، لا تحتمل الإضرار" (نهج البلاغة، قسم الرسائل، صفحة 92، رقم الرسالة 53).
ومن أبرز معالم تدبير أمير المؤمنين عهده إلى مالك الأشتر، هذا عهد سياسي واضح.
هذا تمام الكلام في شرح قوله "وساسة العباد".
قال عليه السلام "وأركان البلاد".
أركان جمع ركن، مثل أقفال جمع قفل، وركن الشيء هو جانبه القوي، والبلاد جمع بلدة، تطلق على كل موضع من الأرض عامرًا كان أو لم يكن عامرًا، فالمراد بأركان البلاد جوانبها القوية التي تمسكها وتحفظها وتبقيها.
وأهل البيت أركان البلاد، بمعنى أن نظام العالم وانتظامه وبقاؤه يكون بوجودهم، لولا وجود الإمام المعصوم، لساخت الأرض بأهلها، وماجت كما يموج البحر، فهم الأركان القوية للبلاد، والروايات تدل على ذلك.
جاء في حديث المفضل بن عمر الجعفي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "كان أمير المؤمنين عليه السلام باب الله الذي لا يؤتى إلا منه، وسبيله الذي من سلك بغيره هلاك، وكذلك يجري لأئمة الهدى واحدًا بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى".
قوله عليه السلام "أبواب الإيمان".
أبواب جمع باب، وهو طريق السلوك إلى الشيء، فأبواب الإيمان بمعنى الطريق إلى الإيمان بالله تبارك وتعالى.
والإيمان في اللغة هو التصديق. الإيمان يرد على صيغتين: الإيمان بالله والإيمان لله. فالإيمان بالله هو التصديق بإثباته على النعت الذي يليق بكبريائه، والإيمان لله هو الخضوع والقبول عنه، والإتباع لما يأمر، والانتهاء لما ينهى، (مجمع البحرين، صفحة ستة وخمسين).
هذا الإيمان في اللغة.
وأما في الشرع فقد قال العلامة المجلسي: "إن الإيمان هو التصديق بالله وحده وصفاته وعدله وحكمته".
سؤال: هل الإيمان هو نفس الإسلام وما الفارق بين الإسلام والإيمان؟
الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا أقر المرء بالشهادة دخل في الإسلام، وحرم دمه وماله وعرضه، وأما الإيمان فهو الاعتقاد بالأئمة عليهم السلام، يعني الاعتقاد بإمامة الأئمة، يقولون: الإيمان بمعنى أن يكون شيعيًّا إماميًّا جعفريًّا اثنا عشري يؤمن بالأئمة الاثنا عشر.
لاحظ هذه الرواية التي تدل على ذلك ما رواه سفيان بن الصمت قال: "سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام، إمام الصادق عن الإسلام والإيمان، ما الفرق بينهما؟ فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، ثم التقيا في الطريق وقد أزف من الرجل الرحيل، فقال له أبو عبد الله: كأنه قد أزف منك رحيل، فقال: نعم". طبعًا الإمام لم يجبه، لعل الظروف تقية. فقال: "فالقني في البيت". الإمام أراد أن يعلمه من دون أن يحضر أحد، فلقيه، فسأله عن الإسلام والإيمان ما الفرق بينهما.
فقال: "الإسلام هو الظاهر الذي عليه النار: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، فهذا الإسلام"، وقال: "الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا". معرفة هذا الأمر يعني أمر الإمامة، واضح أنها في ظروف تقية، مع هذا الذي ذكرته، الإقرار بالشهادتين والإتيان بالواجبات من صلاة وصوم وزكاة وحج.
وقال: "الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا، فإن أقر بها ولم يعرف هذا الأمر كان مسلمين وكان ضالين"، يعني إذا لم يعتقد بالإمامة فليس بكافر، هو مسلم لكنه ضل الطريق (الكافي للكليني، الجزء الثاني، صفحة 24).
الحديث الرابع رواية أخرى ما رواه سماعة قال: "قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن الإسلام والإيمان، أهما مختلفان؟ فقال: إن الإيمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان".
فقلت: "فصف هما لي".
فقال: "الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والتصديق برسول الله. به حقنة الدماء، وعليه جرة المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس، والإيمان الهدى، لاحظ الإمام أيضًا في ظرف تقية يعني أن تهتدي إلى الإمامة، سماعة من الواقفة على ما في بعض كتب الرجال.
والإيمان الهدى، وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام وما ظهر من العمل به، والإيمان أرفع من الإسلام بدرجة، إن الإيمان يشارك الإسلام في الظاهر، والإسلام لا يشارك الإيمان في الباطن، وإن اجتمع في القول والصفة (أصول الكافي، الجزء الثاني، صفحة خمسة وعشرين، الحديث الأول).
الحديث الأول رواية ثالثة ما رواه حفص الكناسي قال: "قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما أدنى ما يكون به العبد مؤمنًا؟ قال: يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويقر بالطاعة، ويعرف إمام زمانه، فإذا فعل ذلك فهو مؤمن" (معاني الأخبار للصدوق، صفحة ثلاثمائة وثلاثة وتسعين، الحديث 41).
الحديث واحد وأربعين يعني في هذا الزمن إذا تسأل منه إمامك يقول: "إمامي هو محمد بن الحسن القائم، المهدي، عجل الله تعالى، فرجه الشريف، هو إمام زماننا"، هذا يصير شيعيًّا إماميًّا اثني عشري، يصير مؤمنًا.
هذا تمام الكلام في قوله "أبواب الإيمان".
وأمناء الرحمن: أمناء، هذا هو أمناء الرحمن، يأتي عليه الكلام في الدرس القادم، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.